3- عوامل فشل المنظومة التربوية التعليمية الدائم

هنا في المغرب نقاش كبير وكثير حول ظاهرة استمرار فشل إصلاحات المنظومة التربوية التعليمية حتى أصبح من الواضح الإقرار بأنه فشل دائم لا يتعلق بالإصلاحات بقدر ما هو ماهية المنظومة نفسها. ولذلك أصبح السؤال التالي حقيقة قائمة: هل نحن أمام منظومة قابلة للإصلاح فعلا، أم نحن المغاربة أمام ضرورة البحث عن منظومة أخرى تخرجنا من الورطة العامة وتفتح أفقا جديدا وحركة جديدة أمام المغاربة والمجتمع المغربي بعد ضياع حوالي قرن في فلك إصلاحات فاشلة؟

دون السقوط في فخ النقاش السطحي والتسطيحي لقضية جوهرية في حياة الشعب المغربي ستحاول هذه الورقة أن تقرأ “منطق” الإصلاحات وحبلها الناظم لتكشف بكل وضوح عن عوامل الفشل الحقيقي لنقف جميعا على أننا أمام خيارين لا ثالث لهما:

أ- ترك الأمر على ما هو عليه؛ فنتعب أنفسنا ونضيع وقت شعبنا وأمتنا في دوران الحلقة المفرغة عسى نعثر على فتات إصلاحات لم تُجْد ولن تجدي، إذ يكفينا حجم الخسارة البشرية والمادية والتاريخية بسبب ما عاشه ويعيشه المغرب مع دوام الفشل.

ب- امتلاك الوعي الضروري والجرأة الكافية لنصدع بحق تستفيد من ثمرته الأمة والإنسانية حين نُجمع أمرنا ونوحد كلمتنا حول مدخل عملي لاكتشاف منظومة تفعل وجودنا وتبرهن عن جدوانا وتكشف عن طاقاتنا وتجمعها في أفق مستقبل عريض وعظيم وتوفر لنا إمكانية الاستفادة المتوازنة من غيرنا.

ومن هذا المنطلق لن نبحث اليوم في التماسك “التقني” علوميا وبداغوجيا داخل الإصلاحات حيث يمكن أن يجتمع عشرة من الخبراء ويبحثوا في كل جديد فيصوغوا إصلاحا متقونا “تقنيا”، لكنه على مستوى مرجعيته وامتداده الحقيقي في الواقع والمستقبل يبقى غير ذي جدوى، وهو ما صحب جل الإصلاحات في المغرب. ولذلك سنحاول أن نقف على أصول ومصادر الفشل الدائم المخترقة بكل هدوء وربما بـ”علمية” و”منهجية” المنظومة التربوية التعليمية.

ويمكن إجمالها في ثلاثة أصول يشكل تفاعلها الداخلي وتكاملها العملي واقع الأزمة المعيشة:

الأول: تكريس الاستبداد

يعتبر الباحثون أن المنظومة التربوية التعليمية حينما تمارس داخل المؤسسة التعليمية بكل أصنافها ودرجاتها تصبح هي “الأداة الإيديولوجية الكبرى للدولة”، وقد سبق معنا أن من التحولات الجذرية السلبية أن خرجت هذه المنظومة من حضن الأمة إلى قبضة الدولة، وهذه الأخيرة نفسها ليست أداة بيد الأمة اليوم بل تم احتكارها من طرف قبضة نظام سياسي معين، فأصبحنا أمام واقع احتكرت فيه السلطة والدولة والثروة من جهة واحدة قائمة على منطق الاستبداد المطلق وقواعده الفاعلة.

وهو ما يطرح سؤالا جوهريا حول جدوى منظومة تتحرك وتشتغل في هذا السياق، وهو، كذلك، ما يفسر فشلها الدائم حيث بهذا تتعارض والطبيعة الإنسانية المبنية عل معاني الحرية والإيجابية خاصة في مجال التربية والتعليم الذي تمتد آثاره إلى كل شرايين الحياة في أبعادها الفردية والجماعية الحاضرة والمستقبلية.

طالع أيضا  عوامل فشل إصلاح التعليم في المغرب 3/1نحو مدخل حقيقي للإنقاذ

إن امتداد يد الاستبداد إلى روح المنظومة التربوية التعليمية وصياغتها بكل جرأة لتحافظ عليه وتكرسه كواقع دائم في النفوس والأفكار شكل عقدة العقد وعقبة العقبات أمام تحرك هذه المنظومة في اتجاه إنتاج عوامل القوة البشرية والمادية والعلومية.

فلما تحدث “الميثاق الوطني للتربية والتكوين” عن المرتكزات الثابتة ذكر من أهمها ما يلي:

– الاهتداء بمبادئ العقيدة الإسلامية السمحاء.

– حب الوطن والتمسك بالمملكة الدستورية (الميثاق الوطني للتربية والتكوين) 1 .

فنحن أمام مرتكزات يراد لها الثبات، أنجزت خليطا على أساس كبير من الغموض بين ثلاثة مجالات: الاهتداء بمبادئ العقيدة الإسلامية السمحاء (مجرد الاهتداء في انتظار التخلص كما يدعو إلى ذلك التيار الاستئصالي في المستقبل القريب) + حب الوطن + التمسك بالمملكة الدستورية.

ولاشك أن امتزاج هذه المجالات الثلاثة في التجربة المغربية -عبر قرون من الزمن تميزت بتقلبات حادة تاريخيا لتلتقي في لحظة ضعف المجتمع والنظام السياسي مع فترة الاستعمار الخارج من معركة “التنوير مع الكنسية”- سيفضي إلى تغليب قبضة النظام السياسي أمام التباس في فهم العقيدة وتكريس عجزها الكبير عندما شوهها التاريخ ولبس عليها كثير من الحكام لتتراجع إلى أبعد الحدود مبادئها ويصبح حب الوطن مجسدا في إحكام قبضة النظام السياسي كليا على المنظومة وحركتها في الواقع وامتدادها في المستقبل، وذلك ليفرض على الوعي والتفكير المغربيين أن تصبح ماهية المواطنة هي ماهية النظام السياسي نفسه وحب الوطن ماهية حبه وخدمة الوطن خدمته وبناء الوطن بناؤه…

إننا أمام تجربة خطيرة حينما ننظر إليها من زاوية المستقبل وما أنتجته اليوم، ذلك أن إخضاع حركةَ منظومةِ مجال لا يمكن أن يكون فيه الإبداع والعطاء إلا في ظروف الحرية الحقيقية خسارة عظمى من ناحية وتكريس للاستبداد المتعارض جوهريا ووجوديا مع الحرية الحقيقية.

الثاني: تكريس التبعية

ويا ليت الأمر وقف عند ذلك الحد، بل حصل الاختراق الكامل من طرف مفاهيم مركزية ناتجة عن صيرورة غربية وتُكون ماهيتها وحضارتها ومعناها؛ إذ نجد من المرتكزات الثابتة في حركة الإصلاحات لمنظومتنا التربوية التعليمية ليس الانفتاح على المنظومة الغربية للاستفادة منها بناء على الحكمة اللازمة بما هي تجربة إنسانية، بل لتبنيها جملة باعتماد مفاهيم مركزية في الباب، من قبيل الديموقراطية والحداثة، دون التدقيق في خلفيتها وحمولتها المرجعية والتاريخية والقيمية التي لم ولن تصمد أمامها ترسانة من المفاهيم الغامضة والقاصرة ك”الاهتداء بالعقيدة الإسلامية السمحاء”، و”الأصالة والمعاصرة”.

ولذلك لن تُخَرج منظومة محكومة بهذه الدلالات المتحالفة مع الاستبداد ضمن تفعيل فعالية العلوم المدروسة ومناهجها المعتمدة (أغلبها غربي إن لم نقل كلها) إلا متعلما مقيما في المغرب جغرافيا وعقله وقلبه وربما روحه في عاصمة من عواصم الغرب.

طالع أيضا  عوامل فشل إصلاح التعليم في المغرب 3/3نحو مدخل حقيقي للإنقاذ

نعم لا يعني هذا عداء لكل ما هو غربي، فليس ذلك من الحكمة ولا من الإنسانية في شيء، بل المقصود أننا لم ننفتح على المنظومة الغربية وإنما وجدنا أنفسنا أمام ضعفنا وجهلنا بقضيتنا ومرجعيتنا بين قبضة حديدية مزدوجة وحادة: استبداد وتبعية في إطار تحالفهما السياسي الاستراتيجي الذي تكون فيه الغلبة لقوة الغرب العلومية والمادية. ولذلك لسنا اليوم على واقع حرية إذ لا يمكن لمنظومة هذه روحها وجوهرها وقَدَرها أن تخرج شيئا بالأحرى أن تذهب بنا إلى التقدم الحقيقي والقيام بدورنا التاريخي.

الثالث: وهم الصراع بين التقليد والحداثة

شكل مفهوم الحداثة أداة فكرية وحركية وتنظيمية وسياسية مبهرة فتصدى لها المفكرون والباحثون والسياسيون تحليلا وبيانا ونقدا وإن بشكل محتشم، لكن الواقع أن مفهوم الحداثة أحدث اختراقا هائلا في بنية التفكير لدى المثقف والمفكر والسياسي في المغرب لعوامل، ليس هنا مقام بيانها وإن كنا نتحدث عن أهمما (التعليم)، مما أدى إلى تبنيه الكلي.

ولاشك أن من القضايا الشائكة التي واجهت المفكر والتفكير والفكر في المغرب قضية الإصلاح في كل المجالات، خاصة السياسي والتربوي التعليمي مما أتاح “ديناميكية” كبيرة لهذا الاختراق. وقد كانت معاقل التقليد الراكدة في أفكار وهياكل وتنظيمات موضوع وهدف رماح النقد الحداثي في كل المجالات، ومع مرور الزمن تشكل وعي عام لدى النخبة المفكرة والسياسية والمثقفة أن مدخل الإصلاح يكمن في تحقيق الانتصار الساحق لمفهوم الحداثة على مفهوم التقليد كما تصورونه في الواقع وكما وجدته فيه.

لقد اختلفت النخبة في الباب، فمنها من دعا إلى القطيعة المنهجية الكلية مع الماضي والانتقال إلى تبني المفاهيم الكبرى الغربية في بناء الشخصية والمجتمع والدولة، ومنها من دعا إلى العمل على تبيئة المفاهيم بالبحث عن نظير لها في التراث ثم العمل على ملء هذا النظير بالمدلولات الغربية وستكون المنظومة التربوية التعليمية أهم مجال في الباب للتخلص من كل ما هو تقليد.

ودون كبير عناء في تدقيق ماهية هذا التقليد، ولاعتبارات “إيديولوجية” وفكرية وسياسية تم تعميمه ليشمل كل ما له علاقة بالإسلام وبحركته في الواقع خاصة لما برزت الحركة الإسلامية وأصبح لها حضورها الوازن والواضح في كل القطاعات والمجالات وظهر أن لها مشروعها السياسي وتصورها للحكم والدولة والمجتمع.

لقد حصلت آثار وخيمة لهذا التعميم على حركة المنظومة التربوية التعليمية، إذ عوض أن يتم الانتباه إلى ضرورة البحث الدقيق في علاقتها بالأصول المرجعية الحقيقية لاختيار الشعب المغربي الإسلام طوعا لا كرها، تم إدخال مجال مصيري، هو مجال التربية والتعليم، إلى حيز صراع ضيق ومحدود، بل حين يحصل التدقيق فيه جيدا سيتبين أنه صراع وهمي؛ ذلك أن الحركة الإسلامية من خلال مشروعها المجتمعي تتقدم برؤية هامة وجذرية في نقد ذلك التقليد باعتباره أهم عوامل الركود العام وأهم عقبات التجديد المتكامل لسلوك الفرد والمجتمع. ومن خلال رؤيتها هذه خرجت من مجال التقليد الذي يراد أن يكون محل الصراع ليقضى فيه على كل روح تجديدية إسلامية حقيقية.

طالع أيضا  عوامل فشل إصلاح التعليم في المغرب 3/3نحو مدخل حقيقي للإنقاذ

إن النخبة الحاكمة والمتحالفة معها إذا لم تنتبه إلى هذه الحقيقة ستبقى مكرسة لمنظومة تربوية تعليمية فاشلة كليا، بل الواقع أنها ستتموقع، أي النخبة الحاكمة من سياسيين ومفكرين ومثقفين، بهذا الإصرار تموقعا غير صحيح في حين أن الحركة الإسلامية تتقدم خطوات بمشروعها في تعبئة الأمة وتحقيق نهضتها الشاملة المنجمعة كليا على حقيقة الإسلام وحركته في التاريخ ماضيا وحاضرا ومستقبلا من خارج مجال التقليد موضوع النقد ومحل الصراع الوهمي.

ومعنى هذا أن على النخبة الحاكمة في السياسة والفكر اليوم أن تنتبه إلى أنها بتكريس المنظومة التربوية التعليمية في سياق صراعها مع المشروع الإسلامي من خلال توجيهها إلى صراع وهمي بين التقليد والحداثة تخوض معركة في غير محلها وبآليات غير مناسبة لها. وفي هذا مضيعة للوقت والجهد، كما هو نوع تزوير وتمويه على الأمة.

وما ينطبق على هذا الصراع الوهمي بين التقليد والحداثة ينطبق تماما على عملية التلفيق الكبرى من خلال مفهوم “الأصالة والمعاصرة” الذي يشكل المرجعية الفكرية للمشروع “الديموقراطي الحداثي”، إذ هذا المفهوم، “الأصالة والمعاصرة” الذي ركز عليه “الميثاق الوطني للتربية والتكوين” يؤسس لعملية تلفيق غير ممكنة ووهمية ولا تفضي إلى أية نتيجة عملية إيجابية، ولذلك فحركة المشروع الإسلامي المتجدد وسط الأمة لن تقاوم بهذا النوع من العمليات التلفيقية والصراعية الوهمية لأنها حركة كلية تصنع جزئياتها في الواقع امتدادا في المستقبل.

فنخلص من كل هذا إلى أن ما بني على باطل فهو باطل، كما تقرر القاعدة القانونية الفقهية؛ فإذا كانت المرتكزات الثابتة إنما هي تلفيق وهشاشة وغموض فما بني عليها غير ذي جدوى، وهو ما يفسر الفشل الدائم الذي أدى إلى انهيار كلي للمنظومة التربوية التعليمية اليوم. ومن ثمة فالتعويل على منظومة انهارت كليا إنما هو رهان على فراغ مهول، إذ انهدام الثوابت يعني انهدام ما بني عليها من عمل، وهو ما يعني ضرورة البحث عن مدخل حقيقي يفضي إلى بناء حقيقي لمنظومة تربوية لها علاقة بمصير الأمة وأجيالها ووظيفتها.


[1] ينظر الميثاق الوطني للتربية والتكوين قراءة تحليلية، تأليف مجموعة من الباحثين، منشورات عالم التربية. ص: 21.\