حينما تُكْبِدُ العبدَ منَّا عقبات الطريق وتحاصره أمواجُ الضعف من كل مكان، لا يجد استغاثة أهنأَََََ على القلب وأخف على اللسان من نداء “يا رب”. نداء ينبع من قلب العبد إلى رب العباد، يحمل من معاني الذلة والانكسار والافتقار والعبودية لله رب العالمين بأبلغ بيان. نداء أصيل في فطرة الإنسان وَإِذَا مَسَّ الإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا؛ يطلق معه استغاثة حَرَّى من الأرض إلى رب الأرض والسموات لعل يدَه تعالى تمتد إليه تخرجه من ضيق حاله إلى رحاب فرجه العظيم سبحانه.

سِرُّ الدعاء

أن يرى المقبل على الله يقينًا حقيقةَ أمره وموقع قدمه على بساط الضعف والعجز والافتقار، وأنه لا قوة له تُحَوِّلُ خوفه أمنا وفقره غنى إلا بالله، وأنه واقف على أعتاب القادر الذي لا يعجزه شئ في الأرض ولا في السماء، الغني الكريم الذي لا يحتاج إلى شئ فيدخرَه لنفسه ويمنَعه عن عباده، هذا هو سر الدعاء؛ بل هذه هي حقيقة العبادة في أجلى صورها. روى الترمذي عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “الدُّعَاءُ مُخُّ الْعِبَادَةِ”؛ ومخ الشئ خالصه، وخالص العبادة استأثر به الدعاء الذي يكشف عجز العبد وغنى الرب وَاللهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ

شِسْعُ النَّعْلِ..

كان دأب الصحابة الكرام سؤالَ الله أبسطَ أمورهم بل كلَّها. عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “لِيَسْأَلْ أَحَدُكُمْ رَبَّهُ حَاجَتَهُ كُلَّهَا، حَتَّى يَسْأَلُهُ شِسْعَ نَعْلِهِ إِذَا انْقَطَعَ” 1 ، وفي رواية أخرى: “لِيَسْأَلْ أَحَدُكُمْ رَبَّهُ حَاجَتَهُ حَتَّى يَسْأَلُهُ الْمِلْحَ وَحَتَّى يَسْأَلُهُ شِسْعَ نَعْلِهِ إِذَا انْقَطَعَ” 2 .

هل نحتاج للحصول على شسع النعل أو ملح الطعام إلى دعاء وتضرع؟! مهما بدا الأمر بسيطا إن لم ييسره الله فلن يتيسر، فنحن في حاجة إلى الله مع كل نفَسٍ وكل طرفة 3 عين أو أقل من ذلك.

نسأل الله تعالى حاجاتنا كلَّها، ما أهَمَّنَا من حوائج الدنيا والآخرة، لا نستحيي من سؤال الله فهو الذي أمرنا بالدعاء، ففي سؤاله صغار الأمور قبل كبارها تحقيق لولايته علينا سبحانه حتى نسألُه شِسْعَ النعل وملح الطعام، وهل كان الصحابة يسألون الله حوائج الدنيا؟ وكيف يسألونها وهي لا تساوي عند الله جناح بعوضة؟! إنما الأعمال بالنيات ولكُلٍّ هجرته. كانت هجرتهم إلى الله ورسوله وكان سؤال الدنيا عندهم من أجل الآخرة.

سؤال الدنيا للآخرة

الرغبة في الذرية والاستراحة في كدح الحياة تحت وارف ظلالها أمنية متأصلة في فطرة ابن آدم، فلا غَرْوَ أن نسأل الله الولد وأن نلح عليه في السؤال…إلاّ أنه سبحانه يعلمنا كيف ندعوه بما يسوقه لنا من قصص المُنعَمِ عليهم من النبيئين والصالحين.

خاف زكرياء عليه السلام أن تضيع أمانة الله من بعده، وتَحَيَّر فيمن يحمل لواء تجديد العهد الأزلي الذي قطعناه مع خالقنا حين سألنا (أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ؟!) فقلنا (بَلَى!) وهو يرى بني عمومته ينثرونه نثر الدقل 4 ، فبكى على الله وشكى. وتضرع إليه سبحانه -وقد أخذ منه السن مأخذه- حينَ رأى كفيلته مريم عليها السلام تُرْزَق فاكهة الصيف في الشتاء وفاكهة الشتاء في الصيف مِمَّنَ يرزق من يشاء بغير حساب. هنالك سألَ الله خارقَ العوائدِ أن يرزقه الولد ليحمل الميراث العظيم في الدنيا، وبقية صالحة مما يَتَبقّى حينما ينقطع العمل والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابا وخير أملا

أسرع الدعاء

من منا لا يحب أن يرى دعاءه مجابا رأي العين؟!

عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم “أَسْرَعُ الدُّعَاءِ إِجَابَةً دَعْوَةُ غَائِبٍ لِغَائِبٍ” 5 . من حسن خلق المؤمن دعاؤه لأخيه بظهر الغيب، والمداومة عليه عبادة تطهِّر العبدَ من أنانيته وشُحِّ نفسه… تخُرِجُه من قَفَص “نفسي نفسي” إلى التَّهَمُّمِ بحاجات وآمال غيره من الناس؛ عندئذ يستحق تَنَزُّلَ الملائكة من رب العالمينَ تبارك الدعاء بالتأمين وتزيد عليه دعاء من عندها بمثل ما دعا الداعي لأخيه. جاء في سنن أبي داوود عن أم الدرداء ‏ ‏قالت حدثني ‏ ‏سيدي ‏ ‏أبو الدرداء‏ أنه سمع رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم‏ ‏يقول: “إِذَا دَعَا الرَّجُلُ لأَخِيهِ بِظَهْرِ الْغَيْبِ قَالَتِ الْمَلاَئِكَةُ آمِينَ وَلَكَ بِمِثْلِ”.

حولها ندندن

سهل الله لنا سبل الإقبال عليه وعَدَّدَهَا فلم يجعلها طريقا واحدا إذا استعصى على العبد الولوج منه حُرِمَ ومُنِعَ الخيرَ. كُلٌّ يدخل على الله من بابه المُيَسَّرِ له. عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لِرَجُل: “مَا تَقُولُ فِي الصَّلاةِ”؟ قَالَ: أَتَشَهَّدُ ثُمَّ أَسْأَلُ اللهَ الْجَنَّةَ وَأَعُوذُ بِهِ مِنْ النَّارِ أَمَا وَاللهِ مَا أُحْسِنُ دَنْدَنَتَكَ وَلا دَنْدَنَةَ مُعَاذٍ، فَقَالَ: حَوْلَهَا نُدَنْدِنُ” 6 .

لم يلزمه صلى الله عليه وسلم دندنةً بعينها لما ضمن سلامة القصد والسبيل.

“حولها ندندن”، نقصد الله الصَّمد وحول معاني الافتقار والانكسار نحوم وكل يدعو بما ينشأ عن قلبه وبما يفتح الله له، “وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ لاَ يَسْتَجِيبُ دُعَاءً مِنْ قَلْبٍ لاَهٍ” 7 .

“حولها ندندن” وكأنها سر من أسرار استمرار هذا الدين بما تحمله من تيسيرٍ ورفعٍ لِـمَشَقَّةِ التقليد. تتعدد الألسن وتتنوع المجتمعات وتتعاقب عليها السنين وتُغيِّر مع تعاقبها العمران والعادات وأساليب الحياة ويَظَلُّ الديدنُ واحداً لا يتغير، حتَّى إذا بليَ وبدأ يضمر في قلب الأمة يبعث الله من يجدده، وكأنه روح تسري من جسد إلى جسد تبعث فيه الحياة لا تقف عند ما غيرت سنن الله في الأشكال والألوان.


[1] قال ابن الأثير: شِسْعُ النعل: أحد سيور النعل وهو الذي يدخل بين الإصبعين ويدخل طرفه في الثقب الذي في صدر النعل المشدود في الزمام.\
[2] رواه الترمذي في كتاب الدعوات.\
[3] ذكر الرازي في مختار الصحاح أن الطرفة المرة من طرف بصره إذا أطبق أحد جفنيه على الآخر. \
[4] جاء في “مقاييس اللغة”: الدَّنْدَنَة: هو أنْ تُسمَع من الرَّجل نَغْمةٌ لا تُفْهَم، وذلك لأنّه يخفِض صوتَه بما يقوله ويُخفيه.\
[5] رواه مسلم وأبو داوود. \
[6] أخرجه أبو داود. \
[7] رواه الترمذي والحاكم. \