يحتل قطاع التعليم والصحة مكانة مهمة لدى الأمم المتقدمة انطلاقا من إدراكها أن تطور الشعوب يقاس أولا بسلامة عقول وأجساد أبنائها. هذا وقد فطنت بعض الدول التي كانت تحتل المراتب المتأخرة مثل ماليزيا وإندونيسيا لهذا الواقع فعكفت على إصلاح جذ ري للمنظومة الصحية ولمنظومة التعليم وتمكنت في زمن قياسي لا يتعدى العقد من احتلال المراكز الأولى مع الدول المتقدمة ويدل على ذلك مؤشرات النمو البشري (شروط الحياة المادية والنوعية- الصحة- المعرفة- الدخل) التي تمكنت هاتين الدولتين من تحقيقها.

إن المتأمل في المنظومة الصحية لبلادنا بغض النظر أن يكون من أهل الاختصاص وما آل إليه حالها ليشفق على المواطن المسكين الذي يمكن أن يتحمل ألم المرض عن رضا بقضاء الله ولكن لا يقبل مرارة المعاناة الناتجة عن سوء التدبير والفساد.

السؤال الذي يتبادر إلى الذهن، كيف تمكنت بعض الدول من إصلاح منظومتها الصحية في وقت وجيز بينما نحن نتخبط في دوامة الإصلاحات منٍذ ما يقارب نصف قرن؟؟؟؟

إن المتفحص للمنظومة الصحية منذ إنشائها في بدايات الاستقلال يلاحظ أن المجالات التي تحقق فيها نوع من التحسن هي البرنامج الوطني للتلقيح وبعض البرامج الوقائية ويعزى ذلك إلى الهيكلة ومجهودات الأطر الصحية والمتابعة المستمرة من طرف المنظمات الدولية مثل منظمة الصحة العالمية. فيما عدا هذه البرامج يقاسي المواطن ألم الحصول على علاجات تتسم بمعايير الجودة (القرب والكلفة والسلامة والكفاءة….)

وللإجابة على هذا التساؤل يتطلب الأمر طرح سؤال آخر، ما هي السياسة الصحية للبلاد؟ أو بالأحرى هل هناك سياسة صحية واضحة؟

تقتضي الأعراف السياسية أن الأحزاب التي صوت عليها المواطنون والتي فازت في الانتخابات التشريعية تأتي ببرامج واضحة تترجم سياساتها في كل الميادين بما في ذلك القطاع الصحي، غير أن الواقع المغربي أظهر أن كل الأحزاب التي وكل إليها إدارة القطاع الصحي كانت تفتقر إلى سياسة صحية تقوم على أسس التخطيط والبرمجة والحكامة الجيدة. ومن بين سمات الافتقار إلى رؤى واضحة وبرامج مدروسة عدم الاستقرار في الوزارة إذ تعاقب على المسؤولية في وقت وجيز ما يزيد عن ستة وزراء برؤى مختلفة مما أثر على استمرارية الكثير من المشاريع الشيء الذي ساهم في فشلها وفي تدني المستوى الصحي للسكان .

أمام هدا الوضع ومع ضعف التغطية الصحية التي لم تكن تتجاوز 15 في المائة من مجموع السكان ظلت أصوات المطالبين بالحق في علاج أفضل ضعيفة اعتقادا منها أن العلاجات التي يتلقاها المواطنون مجانية. لكن ومع نضج الوعي أدرك المواطن أن المجانية إنما هي صورية فأصبح المغاربة يتساءلون هل الخدمات والعلاجات الصحية ترقى إلى مستوى النسبة من الضرائب التي تقتطع من أجورهم؟؟ وتزيد حيرة المواطن المغربي حين يدرك أن المغرب من بين الدول التي تساهم فيه الأسر بأعلى نسبة من مدخولها لتغطية مصاريف العلاج 50 إلى 60 في المائة في حين لا تتجاوز مساهمة الأسرة التونسية نسبة 15 في المائة وباقي التكاليف تتحملها الدولة.

كل هذه الإشكاليات تجعلنا نطرح سؤالا جوهريا من أجل فهم أعمق لقطاع الصحة: هل المغرب يتوفر حقا على منظومة صحية بمعنى الكلمة؟ وبصيغة أخرى هل تتوفر منظومة الصحة على مقومات المنظومة كما يحددها المفهوم؟

أثناء بحثنا في أسس التسيير نجد أن مفهوم منظومة يعني مجموعة من العناصر تتفاعل فيما بينها وفق أسس وقواعد محددة من أجل بلوغ أهداف مبرمجة نذكر من بينها: استقلالية المنظومة في اتخاذ القرارات، وفرة الموارد الكافية، التحكم في الموارد المالية والبشرية للمنظومة والتسيير وفق أسس التدبير والحكامة الجيدة.

استنادا إلى هذه الأسس يمكن القول أن من بين الاختلالات التي يعاني منها القطاع الصحي هناك تجريد منظومته من الاستقلالية التامة إذ نجد أن كبار المسؤولين في القطاع الصحي تملى عليهم بعض القرارات خارج المنظومة مثل تعيينات وانتقالات الموارد البشرية ناهيك عن عجز المسؤولين عن اتخاذ الإجراءات التأديبية في حق من ثبت عليهم سوء التدبير والفساد وذلك لكثرة التدخلات الخارجية.

أما فيما يخص الموارد البشرية والمادية فإن تخصيص نسبة 5 في المائة من ميزانية الدولة للقطاع الصحي يعكس عدم إعطاء القطاع المكانة التي يستحقها ويجعل المنظومة عاجزة عن التخطيط وفق تطلعات المواطنين لأن منظمة الصحة العالمية أوصت ب 9 في المائة كأقل نسبة من أجل توفير الموارد التي يحتاج إليها أي قطاع صحي. وأمام هذا القدر الهزيل للميزانية تجد المنظومة نفسها عاجزة عن توفير الأطر الكافية وذات الكفاءة مما ينعكس على جودة الخدمات والعلاجات من جهة وتحت رحمة توجيهات المنظمات المانحة للمعونات من جهة أخرى.

وكخلاصة: لقد قمنا بجرد بعض جوانب أزمة المنظومة الصحية التي لا يمكن غض الطرف عنها خلال أي مبادرة لإصلاح هذه المنظومة ويمكن حصر المحاور الأساسية للإصلاح في:

– الإرادة السياسية الفعلية من أجل إصلاح المنظومة.

– إشراك الفاعلين الأساسيين في بلورة سياسة صحية والسهر على استمرارية تفعيلها.

– إعطاء المنظومة كل المقومات: استقلالية القرارات والموارد الكافية مثل 10 في المائة من ميزانية الدولة.

– الاستثمار في الأطر الصحية بالتكوين الجيد والتحفيز.

– نهج أسس التسيير الجيد والحكامة.

– محاربة الفساد وسوء التدبير والمحسوبية.