لا أدري إن كانت تستهوي بعض النخب المغربية الكتابة والحديث حول الحركة الطلابية ونحن نستقبل فصلا جديدا من الانتخابات العامة التي تهم المجالس الجماعية، لكني أرجح أن الغالبية العظمى من السياسيين لن تقدم على ذلك لعدة اعتبارات.

إن غياب النقاش الطلابي في الأروقة السياسية يشجع الدولة يوما بعد آخر على الزحف على مكتسبات الحركة، ويدفعها إلى السعي جاهدة وبتعاون مع حلفائها المختلفين إلى إخضاع الحركة وحشرها وسط السرب، أما غالبية الفصائل السياسية الطلابية فقد غدا الحديث عن الجامعة عندها مؤجلا إلى حين، كما أن الاتحاد الطلابي تقوده تيارات، أو بالأحرى، تيار غير مرغوب فيه، ولا جدوى من التعامل معه في ظل الاستحقاقات الانتخابية الحالية.

و أمام هذه المعطيات، يبقى الواقع الاجتماعي العام للطالب محكا لكل الادعاءات. وهو واقع عنوانه الأبرز هو الحرمان: الحرمان من جل الحقوق الطبيعية (السكن، النقل، الغذاء…..)، الحرمان من كل الحقوق المدنية والسياسية (التجمع، التعبئة، الإضراب…)، لكن الحركة الطلابية تبذل جهدها في التحدي والممانعة.

قد يعزو البعض شلل الحديث عن الحركة الطلابية في القاموس السياسي لعدة اعتبارات نميز فيما بينها بين:

الاعتبار الموضوعي: فجل المكونات التي كانت تنادي في السابق بحركة طلابية تجابه الرجعية والإقطاعية وتفرض عليها التراجع عن عدة مواقع في الصراع، هي اليوم مكون من مكونات السلطة بشكل من الأشكال، أو في زاوية الحياد السلبي المساهم في تثبيت شرعية ما للسلطة.

الاعتبار النفسي: ويتجلى في كون القيادات التي تحكمت في مجريات الصراع السياسي – النقابي داخل الجامعة هي اليوم في زاوية من “مراكز القرار”، ويصعب عليها أن تلامس قضايا الجامعة على اعتبار أن هذا الفضاء العاق والمتمرد مدين لها بالشرعية الأخلاقية والعملية.

الاعتبار التاريخي: وهذا الاعتبار هو في حقيقته ناتج عن الاعتبار السالف الذكر ولا يكاد ينفك عنه، فالحركة الطلابية حركة تاريخية، بل إن هذا التاريخ يكاد يقتتل حوله الفرقاء للتبني بشكل من الأشكال، مما حدا بكل طرف المسارعة إلى تدوين هذا التاريخ حسب آلياته ومقارباته الخاصة.

كثيرا ما كنا ننزعج من كلام نسمعه ونحن في مهب المعارك النضالية المطلبية أو مسيرات الكرامة النضالية، كلاما غالبا ما كان يصدر من متفرجين على جنبات مسيرة ما، أو طلابا كنا ننتظر مناصرتهم في قضايا كنا نراها عادلة وتحقيقها أمرا ممكنا ويسيرا، وبالمقابل كانوا يرونها ترفا واستعراض عضلات، وإحرازها ضرب من المحال.

كنا نغضب من خصوم وأعداء الحرية الذين كانوا يكتفون بالترقب أحيانا، ويجهزون علينا نحن الطلبة العزل أحيانا أخرى، وغالبا ما كان يرسل قادتهم كلاما لا تعلم مصدره: هل هي تجربتهم الحياتية، أو حربهم النفسية.

لم أكلف نفسي يومها عناء التحليل عندما سمعت أحد أعوان المخابرات الطلابية وهو يتابع معركة نضالية توحدت حولها تيارات طلابية مختلفة، قال هذا المخبر لصاحبه: “إنهم يتمردون علينا اليوم، وغدا سيغير بعضهم قناعاته هذه عندما يصطدم بالواقع المر”.

اليوم بعدما أخذت مسافة زمنية، رغم قصرها، من الحراك اليومي المباشر، أرى ضميري يدفعني والنفس تحرضني على استدعاء ما خزنته ذاكرتي من أحداث يتخللها القول السابق لأجعله مناط النقاش.

بعض النظر عن نقاش عريض للقضية، وبكون دواليب السلطة وكوادرها في صدها لكل تحرك اجتماعي محتمل تشحد جميع مقوماتها معتمدة في ذلك على الحرب الكلامية والإعلامية والنفسية، مما يلحق هذا الكلم إلى نسقه. نعم، هذه حقيقة لا يجهلها مناضل، لكنها في نظري وجه من عدة وجوه لمقاربة المسألة، وقد تزكى يقيني هذا وأنا حريص على متابعة هذه الأفواج المتخرجة من الجامعة، ولا أقصد هنا عموم الطلاب بل خصوصهم من المناضلين السابقين والقيادات والرموز القديمة المحسوبة على مرجعيات فكرية محددة.

بعيدا عن كل انطباع مخل، أو مجاملة براقة، بل وكل عدمية مطلقة. ملاحظاتي هذه ستلتمس من الخطاب الموثق، ومن المرجعيات المجمع حولها حتى لا نتيه بين التناقض والتعليق على التعليق، وحتى لا نجحف حق فكرة في خضم المتابعة، كما أذكر أن هذه المقالة لن تسعى إلى مناقشة الموضوع على منوال مقاربة العديد من الفلاسفة والمفكرين كهيغل وبابوف وغيرهم، ولكن سأنحو منحى آخر، قوامه البحث في منحنى الانحدار من التمسك بالمباديء وممارستها إلى بروز ممارسات لا نظرية لها، ونظريات لا أساس لها، وتبريرات تسيطر على الفكر لتحوله إلى متبتل على محراب الانتهازية.

اليسار ينقلب على اختياراته

لعلنا إذا أردنا أن نؤطر الفضاء الطلابي نظريا، قد نرجع مع P.Bordieu ومقارباته الاجتماعية التي تقارن بين وضع الحركة الطلابية وما يجري في فرنسا، حيث أن الحركة الطلابية تاريخيا لم تمثل في يوم ما جسما نقابيا منسجما، لأنها تعتبر خزانا لإنتاج التناقضات الاجتماعية، وهذا الخزان بطبيعته سينتج أبطال المعارضة كما سينتج ركائز الاستبداد.

سجل المؤتمر السادس للاتحاد الوطني لطلبة المغرب (أ. و. ط. م.) بآزرو سنة 1961 ذروة الاصطدام بين نظريتين مركزيتين في الحركة الطلابية، إحداها متبناة من طرف الاتحاد الوطني للقوات الشعبية وأخرى من طرف التحالف المساند لقوى الحكم، لكن رويدا رويدا، استطاع الطرف الأول بسط سيطرته على المجال إلى حدود المؤتمر 15 مع بعض الطفرات التي برزت فيها الأطراف المهادنة للحكم. وخلال هذا العمر من الزمان ترسخ لدى القواعد الجماهيرية وعي ارتكز على رفض الحكم القائم وما يصدر عنه من قرارات وإصلاحات، حتى ما عاد أحد يجرؤ على مخالفة هذه “الأعراف” وإلا حوكم ونال جزاءه أمام الجميع. طبعا كان لبعث هذا النوع من الوعي مناضلون من مشارب فكرية مختلفة تجمعهم يافطة اليسار، وقد كان من نتائج ذلك ماشهدته الساحة الطلابية من تضييق (اعتقالات، متابعات، محاكمات، تدخلات عنيفة للدولة بحق الطلاب….)

من اللافت للانتباه أن المكون اليساري في هذه المرحلة وهو يباشر مهمة التعبئة والتحدي مستحضرا خياراته الاستراتيجية (التحرر)، تجاوزت به المقاربات العامة حدود الجامعة إلى حالة التماهي التام والتطابق الكامل بين الفعل النقابي والصراع الحزبي، وهو الأمر الذي حدا بهذا التيار إلى صياغة مواقفه -التي أصبحت بحكم الواقع مواقف الحركة الطلابية- بطريقة استثنائية قد يطول فيها النقاش، لذا سأكتفي بذكر بعض المقتطفات من القوانين الأساسية لـ: أ. و. ط. م. (المؤتمر 14) بحيث أكون بذلك أحلت على نص من قانون، لا رأي في قضية:

” الطالب المغربي بصفته شابا ومثقفا، له حقوق وعليه واجبات تحددها طبيعة المعركة التي تخوضها الجماهير ضد الاستعمار الجديد والأمبريالية والإقطاعية والتخلف من أجل سلم عالمي… له حق في:… ومن الواجب عليه: … أن يعمل على وحدة الحركة الطلابية وعلى وحدة الشبيبة التقدمية ويساهم في مختلف الميادين النشيطة للشبيبة المغربية والعالمية… وأن يعمل على إقرار نظام ديمقراطي شعبي ومحاربة الرجعية والإقطاع” 1 .

أما الآن فقد ولى نقاش الشبيبة التقدمية، ولم تستطع الفصائل” التقدمية” إنجاح حتى نقاش أو حوار بينها، وطالع إن شئت مجريات الحوار الفصائلي بين هذه المكونات في بداية التسعينيات من القرن الماضي. بل إن صفة التقدمية أصبحت شعارا يطمح كل فصيل الانفراد به دون غيره.

إلى حدود النص السابق يبدو أن المواقف لم تكن سوى في حدها الأدنى، أما الموقف الفاصل فيمكن الرجوع إليه مع تصريحات حميد برادة بتجمع الجزائر المشهود يوم 17 يوليوز 1963، وقد كان حينها رئيسا للاتحاد حيث دعا إلى مناهضة النظام المغربي القائم، ولم تكن دعوته هذه إلا استجابة فورية لنداء بن بركة من القاهرة، الداعي إلى تبني الخيار الثوري من قبل الشعب المغربي 2 .

تصريحات كهذه لم تكن نتيجة الصدفة أو العبث، ولكن جاءت في نسق إقليمي ودعم دولي لهذا الخيار، لذا لم يكن مستغربا أن ترفض ما سمي بالكتلة آنذاك المشاركة في حكومة كريم العمراني، خصوصا وقد جاء تنصيب هذه الحكومة مباشرة بعد التعديل الدستوري الذي صودق عليه في العاشر من مارس سنة 1972.

الآن وقد شهد المغرب تعديلات وتعديلات، لم يرغب فيها الحكم بالتنازل كما رغب في سنة 72،رغم ذلك ارتمت الفصائل السياسية والطلابية معها في أحضان سراب التناوب الذي أقبر مع رحيل “المناضل” اليوسفي. خفتت الأصوات وانحدرت المواقف وحصل الإجماع اليساري مع حكاية الإنصاف والمصالحة، وأصبحت المواقف السالفة الذكر شعارات يتغنى بها من لم تشمله غنيمة المصالحة.

منظمة التجديد الطلابي: نتائج تعاكس المقدمات

هذا عن تاريخ النظريات والمواقف اليسارية، أما عن المواقف الإسلامية، وعلى الرغم من عدم قدرتنا على تقويم التجربة نظرا لعمرها القصير، يمكن التركيز على بعض التحولات التي شابت الخطاب عند بعض الإسلاميين خصوصا بعد عملية الإدماج الأخيرة في اللعبة السياسية، وما واكبها من تحول في ذات وفكر المكونات الطلابية الناصرة لهذا الخيار.

وهنا أشير إلى بعض المقتطفات من الوثائق التي اعتمدتها منظمة التجديد الطلابي وهي تؤطر علميا جدوى الإحداث: “ومما يعزز من هذا الاقتناع، انسداد خيار حل الوضعية القانونية للمنظمة أ وط م بفعل السقوط في المبادرات الانفرادية الإقصائية والفوقية، والتي تولد عنها مأزق قانوني وسياسي تنحسر معه احتمالات تسوية الوضعية القانونية للمنظمة” 3 .

هذا مع العلم أن المجلس الوطني للقطاع الطلابي “لحركة التوحيد والإصلاح” الذي أقدم على هذه الخطوة في فاتح مارس2002، لا زال يحتفظ بفصيله داخل هذه المنظمة الطلابية أ. و. ط. م. غير محسومة الوضعية القانونية على حد تعبير الأرضية. أما من جهة ثانية، فماذا تعني المبادرات الانفرادية: أهي الانتخابات الطلابية التي تجري في كل سنة، والتي تفتح فيها اللوائح الانتخابية، ويفتح المجال على مصراعيه للمنافسة؟ ناهيك عن أن الفصيل الأم (التجديديون) قد شارك في كل أطوار العملية الانتخابية إلى ما قبل إعلان أ وط م الشروع في هيكلة مكاتب الفروع.

من جهة أخرى نتساءل متى كانت مباذرة انفرادية معينة تسقط شرعية منظمة قانونية حسب كل المواثيق الجاري بها العمل؟

إن الخلط يبدو واضحا، وإن كان لكل حريته الخاصة في تأسيس منظمة طلابية تابعة لمؤسسته الحزبية، فلا ينبغي أن تبنى التبريرات على مقدمات مغلوطة، تبجل الذات وتدين نضال الآخرين.و قد نكتشف نوعا من الانفصام في هذا الطرح، خصوصا إذا قارناه بالمقومات النظرية التي بعثت على تأسيس الفصيل الأم المعلن عنه في 26 فبراير 1992.

تقول الأرضية السياسية للفصيل: ” إن السياسات المتبعة في بلادنا تتميز بمجموعة من السمات الأساسية يمكن تلخيصها في التالي:

مخالفتها لأحكام الشريعة… ومن موقع الواجب الشرعي، وكطرف داخل الحركة الإسلامية المغربية، نرى أنفسنا ملزمين بالنضال في كل الواجهات المشروعة من أجل تغيير هذه الخيارات… نؤكد أن المسلسل الديمقراطي ببلادنا مسلسل هش، نخبوي ومزيف، ونعتبر أن أكبر دليل على زيفه عدم إفساحه المجال للحركة الإسلامية للتعبير عن نفسها بحرية…” 4 .

ولا ندري هل تغيرت خصائص المسلسل الديمقراطي وأصبح يكتسي مقومات القوة، وهل فعلا تتمتع الحركة الإسلامية بالحرية، رغم أن السجون والمعتقلات تنوء بمعتقلي الرأي من الإسلاميين وغيرهم. بل لست أدري هل تحررت الساحة الطلابية، وأصبحت الحرية النقابية متاحة للجميع حتى نطالع في مواقف منظمة التجديد: “دخلت بلادنا بعد إجراء الانتخابات التشريعية في 27 شتنبر 2002 مرحلة سياسية جديدة إن على مستوى أولوياتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية، أو على مستوى العلاقات بين مكونات الحياة السياسية الوطنية… ندعو لتجسيد مبدأ إسلامية الدولة في السياسات التشريعية والاقتصادية والاجتماعية.” 5

واقرأ ما شئت بين مفهومي التجسيد والمخالفة؟

و لتكتمل الصورة أكثر، سأذكر بموقفين آخرين يؤرخ كل منهما للمراحل الأولى لبروز هذا الخيار الطلابي الإسلامي، وسأقابلهما بالمواقف الحالية بل والبرامج المطروحة دون تعليق:

حسب الأرضية السياسية للطلبة التجديديون، نجد التأكيد على: “ضرورة المساهمة في توفير الشروط الضرورية لعقد مؤتمر المنظمة أوطم الذي نعتبره الضامن الوحيد للدفع بحركتنا النقابية إلى الأمام بعد أن أثبتت التجربة الراهنة للحركة الطلابية توفرها على قدرات للصمود والاستمرار رغم التحديات والضربات التي تعرض لها الإطار بتنزيل الإصلاحات المتوالية وأشكال التجاهل والقمع التي ووجهت بها مختلف النضالات الطلابية”. 6

ماذا تبقى من تلك المقولات؟

بعد عقد من الممارسة الميدانية، نقرأ في أدبيات أخرى تأسيسية تقول عن سبب التفكير في منظمة طلابية بديلة: “قصور استيعاب التطورات الجامعية الناجمة عن تقدم السلطة في تطبيق مشروعات إصلاح ومعالجة الأزمة الجامعية دون أي تشاور مع الأطراف الطلابية، في مقابل، افتقار هذه الأخيرة لآليات ناجعة في مدافعة مشروع السلطة ومناهضة الإجهاز على المكتسبات الطلابية” 7 هذا مع العلم أن عمر المنظمة يكاد يساوي عمر الإصلاح الجديد، ويا ليتها استطاعت فرض نفسها على السلطة بدعم سياسي محتمل كي تكون شريكا في كل مقاربة لإصلاح المنظومة الجامعية.

تشترك جل الفصائل المذكورة في ميزة واحدة، وهي أن امتداداتها التنظيمية السياسية قد تحولت هي الأخرى خلال هذه الفترة إما من المعارضة الميدانية إلى المعارضة السياسية مع قبول شروط اللعبة الديمقراطية بطابعها المغربي الحسني، أو من المعارضة السياسية إلى التحالف المباشر مع السلطة القائمة.

طلبة العدل والإحسان: صمود أم جمود

أما إذا أردنا أن ننظر إلى المعسكر الثاني في الحراك السياسي الطلابي، فيمكن لفت النظر إلى تجربتين:

تجربة الطلبة القاعديين (البرنامج المرحلي) وتجربة طلبة العدل والإحسان.

فالأولى لا تزال وفية لنهجها المبني على الخيار الثوري العنيف، مع ما يمكن أن يلاحظ من أفول هذا العنف في نهاية القرن الماضي، إلا أن هذا التيار وخلال الثلاث سنوات الأخيرة قد استأثر بحديث الإعلاميين والمتتبعين ولا يزال، على خلفية مبادراته الأخيرة بالتصفيات الجسدية لبعض المخالفين.

والتجربة الثانية هي تجربة فصيل طلبة العدل والإحسان، والتي يمكن نعتها بتجربة الخيار التنظيمي للاتحاد، فمن أجل الوقوف أكثر مع جدل النظرية والممارسة عند هذا المكون الطلابي، نستدعي بعض النصوص والأدبيات المرجعية التي عبر عنها في كراسته المشهورة: ” ميثاق طلبة العدل والإحسان”.

يقول الميثاق في فقرة الخط النقابي الواضح: “إننا ضد العنف، هذا مبدأ أساسي، ولا نرى للتنظيم العنيف سيرا ولا مستقبلا، نتجنب الممبارسات العنيفة في القول والعمل لاعتقادنا أن ما انبنى على عنف لا يجنى منه خير….”. “إذا أسكتونا لا نسكت، وإذا قمعونا لا نتلبث في تأمل الجراح، وإذا هددونا ننذر، وإذا دفعونا ندفع هذا في غير الظروف القاهرة التي تدعو الحكمة فيها للمرونة” 8 .

أما بخصوص الموقف من هياكل الاتحاد، فكل المواقف المعلنة في مرحلة التأسيس تدعم خيار التعاضديات ومكاتب الفروع وفق مقررات المؤتمر 16 مع مراعاة التغير الكمي والنوعي للطلبة.

وقد رجعت لأحدث ما أصدره هذا الفصيل، وهو عبارة عن كراسة داخلية تحت عنوان “طلبة العدل والإحسان: الفكر والممارسة” وهو صادر عن المجلس الوطني المنعقد بسلا في فاتح مارس 2009، فوجدته مصاغا بنفس المنهجية بل أن محتوياته تتماهى كليا مع محتويات الميثاق، وهو الأمر الذي يدعو إلى طرح أحد السؤالين:

هل يمثل ذلك ثباتا على الموقف وتمسكا ببناء الممارسة وفق النظرية ؟

أم هو جمود على مبادئ ومرجعيات، رغم ما يشهده المغرب والساحة الطلابية من تحولات؟

فإلى أن تكتمل الصورة في وجه أمثل، ننتظر ما قد يحدث من تغير في قناعات الجماعة الأم إزاء العملية السياسية برمتها، آنذاك سيستقيم الاستقراء أكثر، أما وأن الجماعة لا تزال تلتزم بمواقفها، وتعتبر أن لاشيء تغير إلا الأشكال، فلا تغير يحتمل في قناعات الفصيل.

إنما يوحد الممارسة بالنظرية قوتان:

قوة فكر: بخصائص فلسفية وعلمية، تقرأ التاريخ استمرارا لصياغة المستقبل، وتقرأ الواقع التماسا لمعرفة مداخل الخلل والإصلاح معا، كل ذلك إجمالا وبوسائل مشروعة لن تبررها الغاية مهما سمت. وإلا فالمصير الواحد رغم تعدد المبررات من التماس المراجعة والنقد الذاتي ومحاولة التطوير، لأن المراجعة لم تكن يوما ما في أصول واستراتيجيات عامة، لأن هذه الاستراتيجيات غالبا ما تنحو منحى التجريد طلبا للارتقاء بصاحبها، ورفعا من إدراكاته حتى يقوى على الإبداع والتجديد في وسائل وأساليب تخدم الغاية، ولا تتنكر لها.

قوة قيادة: من مكامن الالتباس في هذا المفهوم هو الخلط الحاصل بينه وبين مفهوم الزعامة، فهذا الأخير إنما يدعو إلى الشهرة المرحلية في مجال خاص، قد يكون مجال التعبئة والحملات. أما القيادة فهي مرجعية شاملة تتمتع بالتبصر ما يمنحها الوضوح، وتتمتع بالثقة ما يمنحها الثبات، وتتمتع بالانتساب ما يمنحها التفاني والإتقان، وهي مرتكزات كل بناء طلابي راشد.

حسب ما تقدم من جرد وتحليل للأفكار والوقائع، وحسب ما تزخر به الساحة الطلابية من ممارسات تتناقض أحيانا وتتقارب أخرى، فإن وحدة النظرية والممارسة إنما تستكمل قوتها عندما تدرك جميع مكونات الفضاء الجامعي أن حركتها إنما هي امتداد لمعركة من أجل الحرية والكرامة، بدأت قبل مآت السنين على وجه الأرض، وبدأت مع حلول المستعمر بهذا البلد ولا زالت.

أما القضية الملحة في مقاربة هذه الوحدة، فهي ضرورة تمييز المكونات والفصائل الطلابية بين حقها في الممارسة النقابية بمقارباتها الخاصة، وواجبها في الالتزام بالهوية الكفاحية، والمرجعية الممانعة، والاستناد على العقلية الحوارية والسلوك الانفتاحي على الجميع، وهي المبادرة المحمودة التي دعا إليها الاتحاد الطلابي مؤخرا عسى أن لا تلقى مصير سابقاتها فتكون بالتالي صيحة في واد، ونفخة في رماد.

ميلود الرحالي: مدير مكتب الدراسات والتدريب بالاتحاد الوطني لطلبة المغرب


[1] الفصل الأول من القانون الأساسي للإتحاد الوطني لطلبة المغرب الصادر عن المؤتمر 14.\
[2] حميد برادة رئيس الاتحاد بعد المؤتمر 08، تم اعتقاله في 06 غشت 1963 على خلفية هذه التصريحات.\
[3] الأرضية التأسيسية لمنظمة التجديد الطلابي.\
[4] الطلبة التجديديون: البرنامج النقابي (الأرضية السياسية والنقابية).\
[5] البيان العام لمنظمة التجديد الطلابي.\
[6] مدخل البرنامج النقابي للطلبة التجديديون.\
[7] الأرضية التأسيسية لمنظمة التجديد الطلابي.\
[8] ميثاق طلبة العدل والإحسان –الخط النقابي الواضح-.\