غاية التربية

التربية في عُرف الثقافة المادِّية لا يعدو هدفُها إعدادَ “المواطن الصالح، والعامل المنتج، والاختصاصيَّ الكفء”. لا تعدو آفاقَ الدنيا، ولا تَخرجُ من بئر الغفلة عن الله. تربيةٌ خُلُقِيَّةٌ ليكونَ المواطن مسالما فلا تحدث الفوضى في المجتمع. تربيةٌ علمية أدبية لتنمية “الثروة” الفكرية والقدرة التكنولوجية في المجتمع. تربيةٌ بدنية وفنية لازدهار الشخصية البشرية. ولا خبرَ عن الآخرة والقلب ومعنى الإنسان وغايته. نُجْمِلُ في بداية هذا الفصل الغايةَ من التربية في دولة القرآن في كلمةٍ وهي: إيقاظ قلب الإنسان وعقله بالعلم والإيمان ليكون عبدا لله. في دولة القرآن ينبغي أن يُحْسَبُ ربحُ الأمة وفوزُها بحساب من فيها من العلماء العاملين المحسنين أصحاب القلوب النيرة. ثم بعد ذلك يُحْسَبُ من معها من رجال الخبرة العملية. فإن اجتمعت في الرجل الواحد كفاءتا القلب والعقل، كفاءتا الإيمان والعلم فذاك هو المطلوب: أقوياءُ أمناء.

إعادة تنظيم التربية والتعليم

مِن ظاهرات هذا العصر تعميمُ التعليم. فرضَتْهُ الضرورةُ الاقتصادية والاجتماعية، فيتسابق الناس لتعليم أبنائهم وبناتهم ليحصلوا على مؤهل فكريٍّ ومهارة صناعية تضمَن المعاش. فالغاية دنيوية محضة. وما يتخلل هذا التعليم من “تربية وطنية” وأخلاقٍ ودين فهو تبع غيرُ مقصود في المقام الأول. في دولة القرآن ينبغي قلبُ هذا السُّلُّمِ القِيَمِي رأسا على عقب، فتجيء تربيةُ الإيمان في المرتبة الأولى وتكونُ لها الأسبقية.يجب أن تكون أجهزةُ التربية والتعليم محاضِنَ للتربية الإيمانية في الاعتبار الأول، وأن تُبْسَط يدُ الدعوة فيها بسطا كاملا على مستوى وضع البرامج، وتأليف الكتب، والإدارة، والتفتيش، ورعايةِ النشء، وضمِّه لأُسَرِ الجماعة، وتهييئه لقيادة الأمة. ينبغي أن نسير إلى هدف تطهير أجهزة التربية والتعليم من جراثيم الإلحاد، وإلى اعتبار الإيمان مؤهلا أساسيا في اختيار المعلمين والأساتذة ورجال الإدارة. هدفٌ نرمي عليه عبر مراحل لا نستطيع فيها الاستغناء عن ذوي الكفاآت العلمية من الأجانب لحما ودما وجنسية، أو الأجانب عقيدة وفكرا من بني جلدتنا المتفرنجين. على أنَّ القومة التربوية التعليمية لخطورتها وبالغ أهميتها ينبغي أن تُحْشَرَ إليها جهود الأمة مع أسبقيات الأسبقيات.

القرآن هو العلم

يَصعُب على الغافلين عن ربهم أن يتصوروا نظاما تربويا تعليميا برنامجه القرآن، ومضمونه القرآن، وأهدافه القرآن، ومنهاجُه السنة وعمل النبوة. كيف نُدْخِل في الإسلام لغة ملوثة بمعاشَرة اللغات؟ كيف ندخل للإسلام علوم الرياضيات، والفيزياء، والكيمياء، والتكنولوجيا، والتاريخ؟ كيف وكل هذه العلوم طُوِّرَتْ في حظيرةٍ لا تدين لله بدين، ولا ترجو له حسابا؟ ثم كيف نربطها بالقرآن ونفرعها عنه وقد شبَّت وشاخت في أحضان قوم لا يومنون بالقرآن، ولا برسالة القرآن، فهي في ذاتها الأصلُ في تقدير الفكر المادي العريق في معرفة الوسائل المُبْعَدِ عن معرفة الغاية؟ إنما يتم ربطُ الوسائل بالغاية، ربطُ علوم الكون بالقرآن، ربطُ استنباط العقل بالوحي المنْزل، على يد، وفي كيان الشخصية المومنة التي انجمع لها وفيها أشواقُ القلب ومحابُّه مع قدرات العقل واليد في محجة واحدة، على صراط الله المستقيم، دليلها المكتوب القرآن، وحجتها سنة النبي الهادي عليه من الله أفضل الصلاة وأزكى التسليم.

مدارس لتربية الشخصية الإسلامية

فما بقي لنا إلا أن نصوغ المدرسةَ الإسلامية المستقبليةَ، وتربيتَها، وتعليمَها، الصالحةَ لاحتضانِ وِلْدانِنَا وشُبَّانِنا، ورعايتِهم، وتغذيتِهم الروحيةِ والفكريةِ بما يُصْلح ويثمر. أهم هذه المواصفات:

– الشخصية المومنة بالله واليوم الآخر. المخلصةُ لله عز وجل، العالية الروحانية.

– الشخصية الصالحة للاندماج في الجماعة، من حيثُ محبةُ الله ورسولِه المنتجةُ لمحبةِ المومنين، ومن حيثُ الإرادةُ والقدرةُ على التآمر بالمعروف والتناهي عن المنكر، ومن حيثُ المشاركةُ في الأمر العام، وفي الشورى، والدعوة، والدولة.

– الشخصيةُ الصادقة الشجاعة في الحق التي يوثق بها.

– الشخصية الواعية بمسؤوليتها عن الانتصار للمستضعفين في الأرض، المستعدة لبَذل الجهد والمال من أجل إقامة العدل في الأرض.

– الشخصية العالمة بعلم الحق وعلم الكون، القادرةُ على الاجتهاد في الشريعة، وعلى توطين العُلوم الكونية في بلاد الإسلام وتطويرها واستثمارها.

– الشخصية المتحركة النشيطة الخفيفة إلى كل عملٍ يَرْضَى عنه الله عز وجل، الممسكةُ الثقيلةُ عن محارم الله.

– الشخصية المتميزة ظاهرا وباطنا، قلبا وقالبا، عاطفة وفكرا، مضمونا وأسلوبا، عن الشخصية الجاهلية،وعاداتها، وثقافتها، ومنهاجها.

– الشخصية الصامدة أمام كلِّ إعصار، المقتحمة لكل العقبات التي لا تعرف الملل، ولا يفُتُّ في عزمها الكلل.

– الشخصية المنتجة، المقتصدة، القادرة على إدارة أموال الأمة وخيراتها، وعلى التعامل مع تيارات المصالح العالميَّة تعاملا يضمن استقلال الأمة في غِذائها، وكِسائها، ورَخائها، وسِلاحها.

– الشخصية المقاتلة المجاهدة في سبيل الله، الحاملةُ رسالة الله إلى العالمين بالحكمة، والموعظة الحسنة، والجِدال بالتي هي أحسن، المدافعةُ عنها بحد السيف، وقوة الدبابة، ونار الصاروخ إن اقتضى الحال، ووقع على الأمة العدوان.

بهذه المواصفات الجامعة في طيها مطالب شُعب الإيمان يجب أنْ تُقَاس نتائج المدرسة الإسلامية، والجامعة الإسلامية، والمعهد الإسلاميِّ. وعلى ضوئها يجب أن تُنَظَّمَ سِلسلةُ التعليم والتربية، وتوضَع البرامجُ والكتبُ، ويختار المعلمون، والأساتذةُ، والوعاظ، والمديرون، وتُسَّخَرَ الخِبرات، والتقنيات التربوية التعليمية.

اللغة العربية الشريفة

شرفها الله عز وجل أن اختارها وعاء لكلامه العزيز. فوجودنا المعنوي، وعزتُنا، ومستقبلُنا، رهنٌ بأن يعاد لهذه اللغة مجدُها وسيادتُها. وسنبقى صُما عن معنى ديننا إن لم نُتْقِن لغة القرآن، بُكْماً عن تبليغ دعوة الله إن اخترنا رَطانَة الأعْجام على اللسان العربي المبين، عاجزين كَسِيحينَ عن استنقاذ العلوم الصناعية الكونية وتوطينها إن لم تكن لغتُنا واحدةً قويةً فصيحةً في كل الميادين. في دولة القرآن، وحيثما كان الرب ربا والقرآن كتابَه، يجب أن تكون لغة القرآن كما قال الإمام الشاطبيُّ رحمه الله سيدة اللغات: “إن كان (أي القرآن) بُعِث للناس كافَّة فإن الله جعل جميع الأمم وعامة الألْسُنِ في هذا الأمر تبَعاً للسان العرب. وإذا كان كذلك فلا يُفْهَمُ كتابُ الله تعالى إلا من الطريق الذي نزل عَلَيْه، وهو اعتبارُ ألفاظها ومعانيها وأساليبها”. قلت: وإذا كان ذلك كذلك وجب على المسلمين أن يجعلوا لغةَ القرآن اللغة الواجبَ تعلُّمُها، وأن يكون تعلمهم اللغاتِ الأجنبيةَ وسيلةً لإثراء محصولنا من العلوم الكونيَّة، ريثما نستقل بها. وفي بلاد العجم المسلمين يُفْرَضُ تعلُّم العربية وهجرُ ما سواها تدريجيا.