الفصل السابع: من يجري الإصلاح؟

لاشك أن معاناة هذا السؤال السياسي الإجرائي، هو ما عاشته الدعوة الإصلاحية المغربية، وتبلور منطق حلقاتها المتماسك. “فالمرحلة الفاصلة بين نكبة الجيش في إيسلي ونكبة الدولة والوطن في عقد الحماية 1912، شهدت كيفيات مختلفة من الجواب عن هذا السؤال من قبل الفقهاء ورموز النخبة الإصلاحية”.

وحدد المؤلف تحقيبا تاريخيا خاصا لهذه الإشكالية وهي متبلورة في فكر ووعي الفئة الإصلاحية في مرحلتين:

الأولى: تقع بين هزيمة إيسلي ووفاة السلطان الحسن الأول.

الثانية: بين وصاية أبا احمد وسقوط المغرب في قبضة الحماية.

وقارب الكاتب الجواب عن هذا السؤال العريض من زوايا متعددة.

فلم تكن معاناة المخزن المغربي خلال النصف الثاني إلى القرن 19، لتقف مانعا من انخراط “النخبة الإصلاحية انخراطا عضويا في مد إرادة الإصلاح المخزنية بالعدة الفكرية والعتاد الشرعي”. هذا الانخراط هو نتاج استشارات سلطانية للعلماء في عدد من القضايا الإصلاحية، و”هذا الاستفتاء لا ينطوي إلا على رغبة سلطانية في إحاطة خيار الإصلاح بالشرعية الدينية”.

إن الفتوى والنصيحة التي يقدمها العلماء للدولة المخزنية جرت “حين كان بعض الأمل ما يزال لم تبرح القسم الأعظم من رموز النخبة المغربية في نجاح المخزن في تدارك حال الانهيار والقيام بواجب الإصلاح”، وما يثبت هذا القول هو أن وفاة الحسن الأول وما تلاه من تحولات داخلية وخارجية أثبتت عدم قدرة المخزن على “كسب معركة الإصلاح”، مما جعل النخبة تتشوق إلى عناصر أخرى تقود عملية الإصلاح.

إذ أصبح متزعم عملية الإصلاح متراوحا بين “السلطان والدولة الحامية”.

وهكذا أصبحت مكانة المخزن “العاجز القاصر” متراجعة عما كانت عليه من قبل مما هيأ “المناخ النفسي لثلة من المثقفين لتقبل فكرة أن تقوم الدولة الحامية بإجراء الإصلاحات بدل المخزن”.

وفي هذا السياق طرح المؤلف سؤالا: لماذا التعويل على الحماية؟ ولعل المعنى الأول لهذا السؤال هو دعاة الإصلاح من المثقفين المخلصين للمخزن، الذين انتهى بهم الأمر إلى الدفاع عن إصلاحات الحماية، ويتعلق الأمر ب “فطاحل الاجتهاد في المغرب: محمد بن الحسن الحجوي وأحمد بن المواز. ويعتبر الكاتب أن هذا التعامل مع سلطات الحماية لم يدخل ضمن باب “الخيانة الوطنية” وإنما ذلك أملته ظروف مختلفة. وفي مقابل هذا ظهر طرف إصلاحي آخر مثله محمد بن جعفر الكتاني الذي “لم يضع مشروعا للسلطان ولا تحمس للإصلاح على النمط الأوربي” بل انصرف إلى إنتاج نص تحريضي على الجهاد لمقومة مؤامرات الاحتلال على سيادة البلاد منبها إلى مكامن العطب الذي صنع كبوة المغرب: “الانحراف عن جادة الشرع” و”إسناد أمور الدين إلى غير أهلها. وسجل بلقزيز خلاصة لهذا الفصل أكد من خلالها على أن التحول من التعويل على المخزن إلى التعويل على الحماية في تنفيذ الإصلاحات في مطلع القرن العشرين أسس لمنعطف كبير في علاقة النخبة المثقفة المغربية بالحداثة. “إنه الفصل الشيق المعاصر من الجدل الحار بين الوطنية والحداثة في السياسة، وبين السلفية والتنوير في الفكر”.

طالع أيضا  الخطاب الإصلاحي في المغرب -1-

وكما في القسم الأول، خرج الكاتب باستنتاجات يمكن صياغتها على الشكل التالي:

– على أن الفكرة الإصلاحية المغربية عرفت تطورا تدريجيا وطبيعيا، مواكبة الأحداث التاريخية وللتاريخ، فهي فكرة أصيلة ونتاج لمطابقة الوعي لتاريخه والتعبير عنه.

– تبين مدى التحول الذي عرفه الخطاب الإصلاحي المغربي من خطاب نقدي للمجتمع، إلى خطاب نقدي ضد الدولة، بل إلى النظام السياسي السلطاني.

– لقد كان الطاغي على الخطاب الإصلاحي المغربي هو”التعبير الفقهي” لترجمة القول السياسي.

– إن الخطاب الإصلاحي المغربي خطاب “توليفي تركيبي” بين الفكرتين السلفية والليبرالية. وخطاب “النخب المخزنية”.

ثانيا: ملاحظات وتعاليق

* فيما يخص استراتيجية التأليف:

إن استقراء كتاب عبد الإله بلقزيز ونهجه في التأليف يجعل الباحث أمام جملة من الملاحظات يمكن وضعها على الشكل التالي:

– إنه اعتمد على مصادر ومراجع متعددة مرتبطة بموضوع الخطاب الإصلاحي في المغرب المعاصر فببليوغرافيا الكتاب غنية وتترجم الجهد الكبير المبذول في جمع المادة وتتبعها في حوامل متعددة مخطوطة ومطبوعة ومغناة، وبلغات مختلفة، فجمعه لهذه النصوص المختلفة يجعل موضوعه مفتوحا وباستمرار على قراءات متعددة ومشاريع أبحاث متجددة. ومن هنا فإن الكتاب بشكله الحالي يصبح مصدرا ومأوى لعدد من البحوث لمواضيع تدور حول قضايا الفكر المغربي الحديث.

– إن الشجاعة في المزاوجة بين التأريخ والتحليل للخطاب الإصلاحي المغربي، فجر موضوعات وقضايا كانت تبدو لحد الآن ساكنة وفي أمس الحاجة إلى مزيد من البحث والدراسة.

– إن العنوان يوحي للقارئ بأن الكاتب سينكب على دراسة مصادر الخطاب الإصلاحي وجذوره خلال النصف الثاني من القرن 19 وبداية القرن 20، وكيفية تكونه وتبلوره. في حين أن دارس الكتاب يجد أن بلقزيز اقتصر على تحليله لمصادر هذا الخطاب، ليمر بعد ذلك إلى الحديث – وفي قسم خاص- عن موضوعات وتجليات الإصلاح خلال تلك الفترة. مما يجعلنا نسجل بعض التناقض بين عنوان الكتاب ومضمونه.

طالع أيضا  الخطاب الإصلاحي في المغرب -3-

– لقد وقف بلقزيز إلى حد ما في دراسته لمصادر الخطاب الإصلاحي في المغرب، وفي اختياره الزماني (1844- 1918) لدراسته هاته.

* على مستوى المضمون:

الكتاب بما هو محاولة للنبش في أصول الفكرة النهضوية في مغرب القرن التاسع عشر وبداية العشرين، أثبت فرضية ضمنية، وهي أن الفكرة الإصلاحية المغربية تدوولت كما في المشرق مما يعني وحدة الخطاب الإصلاحي العربي المعاصر.

وكما كذلك فهو استفزاز وإثارة لإشكالية الحداثة وهي تعيش بداياتها في مجتمع إسلامي مثل المغرب، هذا المجتمع بنخبته المثقفة استطاع أن يحقق تمثلا متوازنا للحداثة وهو في حاجة إليها.

إن الكتاب احتفى بلحظات فكرية حاسمة في مسار الفكر المغربي المعاصر وبالتراث الوطني فيه، خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر وبداية العشرين.

وإذا كان الكتاب قد وفق في دراسة وتحليل أصول الخطاب الإصلاحي المغربي، فإنه لم يوفق كثيرا في تقديمه وتحليله لمظاهر ومنظورات النظر الإصلاحي. فالاقتصار على الحديث عن الإصلاحات التعليمية والمجتمعية والسياسية يجعلنا نتساءل عن مختلف الإصلاحات الأخرى التي مست الجيش، ومختلف الجوانب الاقتصادية والمالية.

كما أن الكاتب، من جهة ثانية لم يستطع أن يقدم لنا إجابة عن السؤال المحوري والكبير: لماذا فشل الخطاب الإصلاحي والإصلاح بصفة عامة؟.

فباستثناء إيراد ما قدمه عبد الله العروي من أن من أسباب فشل هذا الإصلاح، ذاك الاختلاف الحاصل في مفهوم الإصلاح نفسه بين النخبة والمخزن ( السلطان) وحصره (أي بلقزيز) “فشل الإصلاح السياسي في سبب مركزي ومفصلي هو الفساد، فساد المسؤولين وفساد المؤسسات المركزية الحاكمة” فباستثناء ذلك لا نجد مبررات أخرى. في حين أرجع العديد من الباحثين أسباب فشل الخطاب الإصلاحي خاصة خطاب الحركة الدستورية في مغرب القرن العشرين إلى عدة مبررات: فعبد اللطيف أكنوش اعتقد أن سبب إقبار المطالب الإصلاحية لمغرب القرن العشرين تعود إلى “غياب آذان صاغية عند كل الشرائح المغربية وغياب رغبة حقيقية للإصلاح من طرف النظام المخزني”. في حين يذهب محمد زين الدين إلى القول بأن “هناك جانب آخر يفسر عوامل إخفاق هذا الإصلاح، فالفشل كامن بالأساس في مفهوم الإصلاح نفسه، وفي كيفية تطبيقه. ذلك أن هذا الإصلاح لم يمثل في تصور أصحابه قطيعة مع الماضي والتوجه نحو الحداثة، بل ظل إصلاحا كهنوتيا ملتصقا بجذور الإرث المخزني المغربي، كما أن هناك تباينا واضحا في مفهوم الإصلاح لدى الفاعلين السياسيين آنذاك، فتصور مؤسسة السلطان للإصلاح لم يكن هو نفسه الإصلاح الذي كان ينادي به دعاة هذه الإصلاحات الدستورية: فبالنسبة للأولى يعني الإصلاح تقوية السلطة قصد مواجهة الأعداء، بيد أن الإصلاح في أعين هؤلاء المصلحين هو القضاء على أسباب الانحطاط وفي مقدمتها الاستبداد الذي أدى إلى تغييب الحكم العادل وتزايد الأطماع الأجنبية قصد احتلال المغرب”.

طالع أيضا  الخطاب الإصلاحي في المغرب -2-

وكأن هناك تقاطعا بين ما أكده محمد زين الدين ورأي عبد الله العروي السالف الذكر.

ويقدم زين الدين مبررا آخر لهذا الفشل، بتسجيله لمؤاخذات عدة على ذلك الإصلاح، إذ ما “يؤخذ على هذا الإصلاح هو طغيان الطابع النخبوي عليه، فهناك إقصاء واضح لعامة الشعب في عملية انبثاق وبلورة هذا الإصلاح السياسي والإداري”. إلا أن ذلك لم يمنعه من إبراز ما شكلته المطالب الإصلاحية في مغرب القرن 20 من تحول نوعي في الثقافة السياسية للنخبة المغربية المثقفة “إذ أسهمت بشكل كبير في إدماج مفاهيم سياسية جديدة على المجتمع المغربي، وأكثر من هذا فقد حملت إرهاصات الدستورية بين طياتها تصورا لنظام الحكم في المغرب”…

وعلى العموم، إن قراءة متأنية لهذا الكتاب تتيح فرصة للتأمل في جدوى مواضيع جديدة تدخل في البحث التاريخي في لجة من التساؤلات والتقاطعات تفتح نوافذ جديدة على تاريخ الفكر والمجتمع المغربيين.