كتاب إمامة الأمة الذي ينتمي إلى مجموعة دولة القرآن، يتحدث فيه الأستاذ عبد السلام ياسين، عن معان ثلاثة مرتبطة بالعنوان (إمامة الأمة)، فمعنى أول هو كيف يؤم جند الله الأمة، كيف يحققون التغلغل وسط الأمة،كيف يحدث تلاحم حسي وقرب نفسي بين الحاكم والمحكوم.. مشيرا إلى إجراءات عملية لذلك. ومعنى ثان مرتبط بمشاركة الأمة جميعا في إمامة نفسها، وحراسة دولة القرآن وهنا يتحدث الأستاذ عبد السلام ياسين، عن مظاهر جندية الأمة في عهد النبوة، ثم عن آليات تنزيلها قبل القومة وبعدها. أما المعنى الثالث لإمامة الأمة فهو مرتبط بإمامة أمة الإسلام للمستضعفين في العالم.

وعموما “إمامة الأمة” كما يقول مؤلف الكتاب “ليس كتاب جدل ولا يتسع له” بل هو دليل عملي إجرائي.

وفيما يلي محاولة لاستنتاج بعض الإجراءات العملية في ظلال الكتاب، مع الإشارة إلى أن الكتاب حوى تأصيلا مهما لكل خطواته فليبحث عنه المهتم هناك.

الفصل الأول: مع سواد الأمة الأعظم

يؤكد الأستاذ عبد السلام ياسين، مستدعيا نصوصا من الكتاب والسنة وفعل الراشدين عمر وعلي رضي الله عنهما، على ضرورة التغلغل وسط الأمة والانفتاح على آلامها وآمالها، تعبئتها وتغيير واقعها، بالتالي النهوض بها لتلعب دورها على أكمل وجه. مشيرا إلى آليات عملية لتحقيق ذلك، سواء من قبل رجال الدعوة قبل دولة القرآن، أو بعد القومة من طرف الدولة.

فـَ”دخول جند الله وسط السواد الأعظم لاستعادة ثقته”، يعده الأستاذ عبد السلام ياسين، من أولى الأولويات، هذا الأمر يتطلب ” الهجوم الأخوي الرفيق على الناس ومبادأتهم بالحديث والتلطف مع كل بما يناسب عقله وحالته ..”يتطلب” الانتبثات في المساجد والمكاتب والإدارات والشوارع والأسواق..” إذ “الداعي إلى الله من الأمة وإليها شعورا صادقا ونمط حياة ومشاركة في الآمال والآلام واختلاطا في المجالس والشارع والسوق.” “لا تمنعه الكبرياء أن يتعلم ويستفيد من العامة”. وسيلة هذا الانبثات “الرفق حتى يعرف الناس لم نقوم وماذا نريد، وتأليف الناس على الحق المر بالمخالقة الحلوة.”

“الوسيلة لذلك القلبية هي صدقنا مع الله عز وجل .. ثم دوام اتصالنا بالأمة وتحركنا إليها ومعها.” مع التركيز على النوعية حيث أننا “إن تصورنا أن العامة التي يعتمد عليها في الملمات هي الأعداد الضخمة والفوضوية العفوية الهائجة، فما نظن إلا غرورا”.

أما في عهد دولة القرآن فالتلاحم مع الأمة و”محو الطبقية ورفع الحواجز المادية والنفسية بين طبقات الأمة هدف إسلامي” أول وسيلة لذلك العدل وضمان العيش الكريم وتحقيق القرب النفسي والتلاحم الحسي بين الحاكم والمحكوم، إذ ” التقريب المكاني (تقريب الإدارة ) لا يصلح ما تفسده الإدارة المتعجرفة”، و”المطلوب منك أن تمحو الخصوصية الطبقية وتقاتل العجرفة الإدارية وأن تكون مع العامة قلبا وقالبا” لذلك “ينظم الاتصال المباشر على المستويات الإدارية العليا ويفتح الباب عند كل وال وحاكم لرجال الدعوة الملتحمين بالأمة وهم نقباء الأمة الناطقون باسمها” كما أن “وسائل الاتصال العصرية تستصلح في دولة القرآن وتحمل رسالة الصدق من الإمام والقيادة إلى سائر الأمة”.

الفصل الثاني: الجندية

مستحضرا مظاهر التعبئة العامة والمبادرة السائدة في عهد النبوة، يؤكد الأستاذ عبد السلام ياسين، أن القومة الإسلامية “ليست عبارة عن انتفاضة جماهيرية تهز أركان الظلم وقد انتهى كل شيء. ليست هديَّةً يأتي بها جند الله للأمة باردةً هنيئة مريئة. ليست إجراء إداريا يَصْلُحُ أمرُ الأمة عَقِبَ تطبيقه. إن القومة تعني، كما لا نمَلُّ نكرر، أن نَعُودَ أمةً مجاهدة كما كنا، راشدةً، تقررُ مصيرَها بإرادتها الحرة، وتفرض قرارها بقوة الساعد المُنتج، وتدبير العقل المتحرر من الخرافة وفلسفة الإلحاد، وتنظيم الطاقات البشرية والاقتصادية. القومةُ أن يصبح أمرُنا شورى بيننا، أن تحمل الأمة عبء الحاضر والمستقبل.”

ولأن الكتاب دليل عملي يشير الأستاذ عبد السلام ياسين، مستندا إلى تأصيل مهم لآليات عملية تعمل بها الدعوة والدولة لصياغة نفسية مجاهدة، جندية فـَ”الجندية ومظاهرها عبادة”، ومن مظاهرها المشجعة التي يجب أن يعطاها حقها في جنديتنا: التنويه، الوسام، الثناء، والهندام.. و”من هذه المشجعات تغيير الأسماء والكنى والألقاب المعهودة أيام الدعة والسكون، لتشعر بميلاد المؤمن إلى عهد الهجرة والجهاد”، كما أن من مظاهرها “تجنيد الشباب في مهام داخلية منها المساعدة في حفظ الأمن والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في إطار التجنيد للدعوة، وتعليم العامة دينهم” هذا ولا بد لدولة الإسلام من آلات حربية فـَ”يكون إنتاجنا لهذه المخترعات من آكد الواجبات، كما كان السلف الصالح ينتجون الخيل.” وَ”ليكن رباط الخيل ونتاجها وتربيتها ومهرجاناتها وزينتها وشياتها لعبة المجاهدين تحت دولة القرآن، وليكن ركوبها والتمرس بها تدريبا عاما وحفلة وعيدا”

كل هذا يهدف إلى تكوين شخصية قوية جندية، يستوي في الحاجة إليها الرجال والنساء إذ أن “هذه التدريبات تليق بالنساء كما تليق بالرجال، عمنا تحت إسلام الخمول، التخنث والقعود. فليعمنا غدا تشمير الجهاد”، وتشمير الجهاد يتطلب رجولة واخشيشانا “يستوي في الحاجة ـ إليها ـ كل شباب الأمة، من تخصص منهم في الرباط الدائم ومن كان متطوعا”.

تشميرُ الجهاد، الجنديةُ، الفروسيةُ، والتفوقُ في الرياضات البدنية… بغاية الدعوة” اصرعه أولا في ميدان القوة البدنية والفكرية والاقتصادية والجهادية والسياسية والعلمية ثم علمه الأخلاق بالمثال وعلمه الإيمان بعد أن ينفتح قلبه عليك إعجابا وعقله عليك تعجبا”، وحتى تتوازن التربية “يكون لجند الله تدريب بالنهار على الرجولة المسلحة وتدريب بالليل على رجولة العبودية لله تعالى وتعقد لهم مجالس إيمان تحيي القلوب بقدر وعدد ما يعقد لهم من دورات تدريبية. فإن اختل ميزان التربية وغلبت المظاهر والعضلات على القلوب والرحمة الإيمانية، فإنما هي جندية العنف والظلم”.

هذه الجندية العامة عامل ضمان لحياة دولة القرآن فـَ”إن نجحت القومة في تجنيد الأمة ورفعت في نفس الوقت من مستواها الإيماني ومن كفاءتها التدريبية ومن يقظتها فذلك أحرى أن يضع حدا لدوامة عدم الاستقرار التي ترمي بنا من انقلاب عسكري لانقلاب مضاد.”

الفصل الثالث: اختيار الرجال

الأهداف كبيرة، وتتطلب رجالا لتنفيذها، لكن ما معايير اختيار الرجال؟ وما ملامـح هذه الشخصية القيادية؟

– معيار القرآن:

يرى الأستاذ عبد السلام ياسين، أن القومة لا ينبغي “أن تكون رهينة في يد الجيش المحترف، ولا عرضة لفوضى الانتفاضات، ولا لقمة سائغة للهجوم الخارجي والمؤامرات. إنما يؤتمن على دولة القرآن أهل القرآن” فهو معيار نبوي، غير أننا “نجد بعض الناس يحفظ القرآن كله أو جله، لكنه ميت العزيمة، خامل الفكر، وربما تجده تاركا للصلاة. فمثل هؤلاء حملة أسفار لا يعتد بهم. إنما يعتد بأهل القرآن ويعتبر حفظهم للقرآن تلاوة واستظهارا وتطبيقا معيار الاختيار، إن كان مع القرآن تقوى.”

– معيار الدين والسابقة:

“كان عمر رضي الله عنه يقول: الرجل وسابقته، والرجل وغناؤه في الإسلام، والرجل وحظه من الله (…) ثلاثة شروط، من اكتملت فيه فقد وفى الاستحقاق، ومن فاتته أولاهما فيمكن تلافيها، لكن قليل الغناء في الإسلام، أي الجدوى والنفع و الكفاءة والخبرة، لكن قليل الحظ من الله، أي قليل التقوى والاستقامة، لا يتلافى في نقصهما ولو كانت لهما سابقة” إضافة إلى أن “كل من يدل بسابقته ويمن بها، ويعتبرها رأس ماله، فإنما هو وصولي تسقطه وصوليته هذه إلى مهاوي السفهاء، ويقدح في دينه استشرافه للرئاسة. وقد يكون من أهل السابقة من لا تتوفر فيه شروط الغناء والخبرة والدراية ولو كان متدينا خاشعا. فهذا أيضا إن صلح للدعوة والوعظ والتربية لا يصلح لمهام الدولة (…..) الحكمة المطلوبة بهذا الصدد وضع الرجال مواضعهم، واختيار الأصلح، والأوثق، والأقدر على إنجاز مهمات بقوة وأمانة. ”

معيار المسؤولية:

المسؤولية عند الأستاذ عبد السلام ياسين، معيار مهم في اختيار رجال القومة والدولة، فَـ”في مخيمات الدعوة، ومحاضن الدعوة، ورباطات الدعوة (…) تصاغ شخصية جهادية تقوى على تحمل المسؤوليات العظام بروح الإخلاص لله عز وجل، وبباعث الشوق إلى الله … وفي المواقف الخطيرة لن يثبت إلا الرجال ذوو الخطر والقدر عند الله.”

– معيار الرحمة:

“على محك التجنيد العام، والتجربة والاختبار، يكون من معايير اختيار الصالحين للولاية دماثة الخلق، ورحمة القلب، اللذان لا يتنافيان مع الصلابة في الحق. وإنما تسع العواطفَ الكبيرةَ القلوبُ الكبيرةُ التي لا تنحط للأحقاد، ولا تتلوث بصغائر الانتقام.”

الفصل الرابع: التغيير

التغيير ضرورة فقد “ألفت الملايينُ قرونا أن تضع أمرها بين يدي الحاكم وتتواكل إليه وتسكت عنه”، لكن ما مدخله؟ “يشير القرآن إلى تغيير المجتمع بنياته واقتصاده وسياسته، ويشرع لذلك شرائع ويرسم له منهجا، لكن ذلك التغيير لا يدور حول نفسه ولا ينتهي عند مقدماته بل يدور حول الإنسان ويخدم غاية تحرير الإنسان من كل عبودية، ليدخل في العبودية لله عز وجل “هذا التغيير إذن محوره الإنسان، يجب أن يحدث تغيير جذري” في تصور الإنسان لنفسه وللعالمين الدنيوي و الأخروي وللمسؤولية بين يدي الله بعد الموت”.

وعن آلة التغيير يقول الحبيب المرشد “إننا نتصور عملية التغيير تعاونا وتناوبا بين يدين اثنتين: يد الدعوة الرحيمة ويد الدولة الصارمة.” إذ “بين الرحمة الرفيقة الدعوية والصرامة التنفيذية وفي جو التجنيد العام وتعبئة المستضعفين وتولي القواعد مهامها بيدها، تذاب التجمعات المصلحية والمقاومات المنظمة.” مع التنبه إلى أن “مبادرات التغيير التي تتخذها القيادة تبقى مولودا ميتا أو تعيش كائنا هزيلا إن اصطدمت بأرضية الخمول ووكل تنفيذها للروتين الإداري، ولم يتبنها الشعب”.

“الدنيا غلاب فلا نامت أعين الجبناء، الدنيا حركة وتجديد ونشاط دائب فلا أمن الخاملون، الدنيا منافسة اقتصادية تكنولوجية فلا عاش الجهلة العالة المتكففون، الدنيا صراع وحيلة ومدافعة بالتي هي أحسن تارة، والتي هي أخشن إن اقتضى الحال، فلا كان الحالمون المثاليون العاجزون… الدنيا دار الكسب والاختبار والعبور لدار البقاء فحيى الله أهل الإيمان أهل الهجرة والجهاد.”

الفصل الخامس: الكرامة الآدمية

عن حقوق الإنسان الكاملة المتعددة، التي تضمن له الكرامة التي شرفه الله تعالى بها يتحدث الأستاذ عبد السلام ياسين، في هذا الفصل، فيؤكد أن للإنسان الحق في:

ـ “… التحرر من كل هذا الذي يصرفه عن ربه، يلهيه عن مصيره إليه في دار البقاء.

ـ … أن ينتقل من بهيميته إلى إنسانيته ومن قبض البهيمة وبسطها أي انفعالاتها الغضبية والفرحية بالمتعة أو انعدامها إلى سعادة الإيمان بالمصير الخالد عند الله.

ـ … الاستقرار في أسرة والتمتع برعاية الأبوة والأمومة، ثم الزوجية والبنوة وولاية الرحم في حالة شيخوخته ومرضه وفاقته.

ـ … الأمن والعدل تحت حكم من اختيار جماعة المسلمين وبشوراهم ومشاركتهم.

ـ … سماع كلمة الحق التي جاء بها الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.

ـ … أن يعيش في مجتمع فاضل تحكمه قوانين أخلاقية.

ـ … أن يتمتع بمواساة إخوانه الآدميين طبقا لمقتضيات الرحم الإنسانية التي يوصي بها الشرع.

ـ … أن يحرر من التبعية للكفار وتقليدهم.

كما أن “من حق أمة الإسلام ودولة الإسلام أن تحترم شريعتها وأسلوبها في معالجة مشاكل المجتمع.” و”على جند الله أن يعلموا الناس حقهم الشرعي الإلهي في الإنسانية و الكرامة وإباء الضيم ويربوهم على ذلك حتى يروا ذلك معروفا وغيره منكرا.” وللمرأة في دولة القرآن حقوق، فيكون ضروريا “إعادة حق المرأة المغصوب كما حده شرع الله، وحمايتها من العدوان ومن جملة العدوان وأشنعه العدوان على كرامتها باسم الحرية. يجب أن تحرر المرأة من العجز والتبعية الاقتصادية فيعطاها حق النفقة زوجة وأما ويعطاها حق المتاع مطلقة، وأجرةٌ كريمةٌ عاملةً، وأن تهيأ لها ظروف الاستقرار في بيتها لأن عليه يتوقف استقرار المجتمع والدولة.”

الفصل السادس: أفحسبتم

يقول الأستاذ عبد السلام ياسين: “في هذا الفصل نذكر إن شاء الله قمة حقوق الإنسان، حقه في بلوغ كماله، حقه في تسنم ذروة كرامته الآدمية لمن سبقت له من الله الحسنى فاتخذ إلى ربه سبيلا (…) إن لب هذا الكتاب هو هذا الفصل الذي نعرض فيه لهذه القضية الضائعة بين سيل الكتابة السطحية عن الإسلام والحل الإسلامي.”

فيقرر بداية أنه “لا معنى لدولة القرآن ودعوة القرآن وإمامة الأمة وتنظيم الجماعة وتجنيد العامة وتربية الطليعة إن لم يكن إحقاق الحق في صورته وروحه وإبلاغ الإنسان كرامته الآدمية وكماله الأبدي لب الحركة وثمرة الجهاد، وغاية الدعوة وشأن الدولة.” ويؤكد أن “مما لا بد لنا منه أن نحرر عقولنا من خرافية المخرفين سواء منهم المكذبون بالدين من السذج وعبدة الشياطين والعابثون من الفلاسفة العقلانيين ولا تضارب بين العلم والإيمان، إنما يتضارب مع العلم استعمال العقل في غير ما خلق له.”

ثم يخاطب القلوب خطاب القلب ” تعال أذكر لك حديث القلب عل الله عز وجل يجعلها كلمة غيث تصيب قلبا ناشفا متعطشا فتحصل في ميزاني ألقى الله بك في صحيفتي، فإنما يكتب أمثالنا إن كتبوا ويتحدثون إن تحدثوا لتبليغ كلمة الدعوة إلى الله والسعي على بابه واللحاق بأحبابه.” ويستدعي للوعـظ والتبشير وصايـا العالمين الجليلين العارفين المربيين: الغزالي والجيلاني رحمهما الله في مواضيع التربية والسلوك. ويتساءل ” تأمل لو أن جند الله المجاهدين لإعلاء كلمة الله كانت الدنيا عندهم محتقرة كما كانت عند سادة العارفين الأئمة وهم الصحابة رضي الله عنهم كيف تحلو لهم الشهادة في سبيل الله وكيف يساعد اطمئنان قلوبهم وهدوء ثائرة طبعهم على خوض معارك القومة وجهاد البناء وإمامة الأمة وتربيتها وقيادتها.”

الفصل السابع: التربية والتعليم

يتحدث الأستاذ عبد السلام ياسين، في هذا الفصل، عن ضرورة إعادة تنظيم عملية التربية والتعليم في دولة القرآن مشيرا إلى إجراءات عملية تهـم الشكـل والمضمون.

فـَ”الغاية من التربية في دولة القرآن … هي إيقاظ قلب الإنسان وعقله بالعلم والإيمان ليكون عبدا لله.” لِـ”يُحسب ربح الأمة وفوزها بحساب من فيها من العلماء العاملين المحسنين أصحاب القلوب النيرة، ثم بعد ذلك يُحسب من معها من رجال الخبرة العملية، فإذا اجتمعت في الرجل الواحد كفاءتا القلب والعقل، كفاءتا الإيمان والعلم فذاك هو المطلوب: أقوياء أمناء.” الاعتبار الأول أن تكون أجهزة التربية والتعليم محاضن للتربية الإيمانية “وأن تبسط يد الدعوة فيها بسطا كاملا على مستوى وضع البرامج وتأليف الكتب والإدارة والتفتيش ورعاية النشء، وضمه لأسر الجماعة وتهييئه لقيادة الأمة.” أما بخصوص مادة البرامج، فعلى رأسها القرآن الكريم” ينبغي أن تعاد للقرآن حرمته ومكانته بحيث يكون صلب دروس اللغة والفقه والأخلاق والعقيدة. في حلقات الدعوة في المسجد في برامج التعليم المدرسي والجامعي.” والسنة النبوية” ينبغي لدولة القرآن أن تحتفل بالرسول والرسالة وترفع من شأن من رفع الله قدره وعظم أمره، كما يجب أن تجند العلماء لخدمة السنة.” واللغة العربية، ” سنبقى صما عن معنى ديننا إن لم نتقن لغة القرآن، بُكْمًا عن تبليغ دعوة الله إن اخترنا رطانة الأعجام على اللسان العربي المبين، عاجزين كسيحين عن استنقاذ العلوم الصناعية الكونية وتوطينها إن م تكن لغتنا واحدة قوية فصيحة في كل الميادين.” والتكنولوجيا، “التكنولوجيا في يد الكفار سكنتها روح الكفر، نسترجعها إن شاء الله من خلال معارك العلم ونطرد منها شيطان الجاهلية وننفخ فيها روح الإيمان.” وبخصوص انفتاح المدرسة على المحيط، يقول الأستاذ عبد السلام ياسين:” تعانق المدرسة الإسلامية والمعهد والجامعة أحوال معاش الشعب وهمومه ومشروعاته المحلية. ترتبط بالحياة العامة بالعمل في الحقل والمرافق الصحية والمعمل المحلي والتخطيط المستقبلي والدعوة ومحاربة الجهل.” كما أن التربية والتعليم يجب أن تكونا هم الجميع” في المسجد القروي الصغير وفي مسجد الحي السكني والعمارة السكنية ينبغي أن تعقد حلق الوعظ وحلق الفقه المبسط والسيرة والعربية وحفظ القرآن وتجويده وينبغي أن يجد المؤمنون في المساجد الجامعة الحلق المتنوعة المتعددة في أركان المسجد المتخصصة في التفسير والحديث و العربية إلى جانب حلق الوعظ والتربية.” كما يريد الأستاذ عبد السلام ياسين، “لغدِ الإسلام علاقات بين العالم والمتعلم على النمط الإسلامي، كان مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم مجلس علم وحلم، لا تؤبن فيه الحرم..”

الفصل الثامن: الإعلام

يؤكد الأستاذ عبد السلام ياسين بداية، أن “أجهزة الإعلام أدوات حرب ووكالات الأنباء وشركات الدعاية معاقل لشن الهجمات علينا.” لكن “أمام القنبلة الإعلامية اليومية، لا تجدي الموعظة ولا المنطق ولا التوبيخ والجزر ولا كسر الجهاز … لا تجدي الموعظة العزلاء ولا المنطق، إنما تقنع الصورة والصوت وما يؤلف منهما فن الإعلام من رسالة مبرمجة مدروسة لتتسلل إلى أعماق النفس فتحدث فيها الانفعال المطلوب من رجة غضب أو هبة إقبال وقبول أو نفرة كره وتقذر.”

الإعلام الإسلامي “يجب ألا ينوم المسلمين ولا يأمرهم بالمنكر بأباطيل الروايات التمثيلية التي تمجد الزنى ولا بالدعاية لسلع الاستهلاك الترفية، ولا بالدعاية الكاذبة للحاكم ولا بالتهييج والتهويل” الإعلام الإسلامي إعلام نظيف شريف عفيف، أولى وظائفه “أن يستعمل سلطان الصوت والصورة واللون والحرف المطبوع وفن الإخراج لتبليغ الدعوة وترديدها على الأسماع والأبصار والأنفس والعقول بشتى الأساليب حتى تنطبع بها الأخلاق والأفكار والسلوك.” من مادته القرآن والشعر “ويلحق بالشعر ما استحدث من تشخيص القصص.” و”على الواعظ الأول والمربي الأول في الدولة الإسلامية وهو الإمام أن يستعمل وسائل الإعلام لنشر خطبة الجمعة والعيدين وليتصل الاتصال الدائم والقريب بالأمة، يشد بذلك ويعضد الاتصال اليومي مع العامة ومع رجال الدعوة والتربية.”

الفصل التاسع: الاجتهاد

أي اجتهاد نريد قبل القومة وبعدها؟ ومن يجتهد؟ وكيف؟ أسئلة يجيب عنها الأستاذ عبد السلام ياسين، في هذا الفصل.

فيوضح بداية أن “أب الاجتهاد وأمه هو اجتهاد يوصلنا إلى الحكم. إذ على كوننا حكاما يترتب حقنا في الاجتهاد وتترتب إمكانية تطبيق ما نجتهد ونستنبط “، “الاجتهاد الذي نحتاج إليه ونحن في غربة العمل الهامشي غير معترف بوجودنا ملاحقون مضطهدون هو الاجتهاد في كيفية تربية جند الله ثم في كيفية تنظيمهم ثم في وسائل وأساليب زحفهم لتسلم إمامة الأمة، فالوصولِ إلى الحكم. والاجتهاد اللازم بعدئذ هو الاجتهاد في تطويع الواقع المعاشي والسلوكي والاجتماعي وخاصة السياسي لمعايير الإسلام وأحكامه.”

هذا الاجتهاد أركانه: النقل العقل والإرادة، “النصوص الإسلامية بين أيدينا والعقول متفاوتة في فهمها وإرادة الخير ثجاجة في الصدور، فما يجمع بين قداسة النص وحكمة العقل وإيمان القلب ليصنع من لقاء هذه الأركان الثلاثة منهاج عمل قابلا للتنفيذ هو الاجتهاد المطلوب هو السياسة الشرعية” ثم إن هذا الاجتهاد “لن تستطيع النهوض به إلا جماعةٌ منظمةٌ من العلماء ذوي الاختصاصات المتعددة.” لا بد “من اجتهاد جماعي تتكامل فيه الخبرات العملية مع العلم بالنصوص والتخصص الفقهي وبعد النظر الأصولي.” ورأس الجماعة المجتهدة الإمامُ ” ومن هنا لا بد أن يكون جامعا بين الفقه في الشريعة وبين الخبرة العملية.” ويلهم الله تعالى إلى الصواب ويفتح طريق السداد، ويدل على الحكم، حين ينبعث من قلب المجتهد الافتقار الحقيقي لا العلمي المجرد إلى الله تعالى.

الفصل العاشر: الاختلاف

الهدف جمع كلمة الأمة وائتلاف قلوبها، فـَ”من الرزية أن يشتغل المسلمون بالنزاع في الفروع والمستحبات ويضيعوا الواجب الأعظم وهو تآلف القلوب ووحدة الصف وإقامة الصرح المهدوم من الدين. كيف يتقاتل بعضهم على عدد درج المنبر وبيت المقدس تلعب فيه بذمتنا وأعراضنا صبية اليهود؟” هذا التآلف والوحدة وتقريب الآراء “شروط ضرورية لإقامة الملة وتقوية الدولة … وكما يجب على دولة القرآن أن تدمج فئات المجتمع دمجا اقتصاديا … فكذلك يجب الدمج المذهبي والتعايش السلمي بين الآراء والتفاهم والتعاون ليتحد الناس ماديا ومعنويا.”

أما “اختلاف الرأي ذلك الاختلاف القليل الطبيعي الضروري المقبول ـ فهو ـ رحمة للأمة، لأنه يثري الآراء وينير بعضها ببعض في الطريق إلى الإجماع المرغوب فيه … فإذا كان الاختلاف في الشورى اختلاف هوى نابعا من قلوب كدرة مفضيا للجدل والنزاع والعداء فلن تكون الطاعة إلا قهرا للرأي المغلوب بكثرة عدد المخالفين له ، وذاك بدء التصدع والشقاق لا سامح الله .” وهنا “لا بد أن يكون في تنظيم الدعوة والدولة ترتيب لحسم الخلاف قبل أن تستشري ناره، هذا الترتيب ينحصر في نقطتين: 1: رد الاختلاف إلى أولي الأمر العلماء، إلى مجلس متخصص في الاجتهاد. 2: عزمة الإمام إن لم يحصل إجماع، وخيف أن يتفاحش الجدل أو تتعطل مصالح” وترتيب آخر لحسم الخلاف هو السلطان فـَ”التعامل مع المتنطعين في مراحل إعداد القومة ينبغي أن يتسم بكثير من الرفق حفاظا على جهودنا أن تتبعثر في الجدل العقيم … لكن بعد استتباب الأمر إلينا لا نضيع وقتا في تحمل صبيانيات العامة المنتصبين للفتيا وتكفير المسلمين بل يمسك بأيديهم كما يمسك بيد الصبي لكيلا يهلك نفسه والناس أجمعين.”

الفصل الحادي عشر: إمامة المستضعفين

بعد أن “تتمكن الطليعة المجاهدة من إمامة أمة الاستجابة (الأمة الإسلامية) وتجندها وتقودها وتربيها وترفعها إلى كرامتها الآدمية وتحررها فكرا ومعاشا، وتحييها بحياة المشاركة في تدبير أمرها تآمرا بالمعروف وتناهيا عن المنكر وشورى وتنفيذا،.. تنهض الأمة المسلمة كلها وقد توحدت لإمامة المستضعفين في الأرض”، هدفها نصرة المظلومين في العالم، فـَ”نحن مدعوون غدا لنتحالف مع مستضعفي الأرض ضد الاستكبار العالمي .. سندنا.. هم المستضعفون في الأرض، هنالك منظمات دولية عالمية أو إقليمية أو قارية تجتمع فيها الدول الضعيفة ندخلها من الباب الواسع أو نحدث منظمات على منهاجنا عندما تتوفر لنا ظروف الزعامة وشروطها.”، “نتعاون مع كل ذوي المروءة أينما كانوا ونسند نضال الشعوب المقهورة ليدخل نضالها تحت جناح جهادنا المقدس.”

مع الإشارة إلى أن “دخول دولة القرآن في الساحة، لا نريده أن يكون عامل مزيد في الفوضى والقرصنة في العلاقات الدولية، فليس من صالح الدعوة الإسلامية وهي الوظيفة العليا لدولة القرآن أن يزداد العنف.” كما أنه ليس من أهدافها إكراه الناس ،” ما نحن مخربون سيافون نكره الناس على دخول ديننا بل نحافظ على الأموال والدماء والأديان والمروءات.”