تأطير

خاض المخزن غمار استحقاق جديد – هو التاسع على مستوى الجماعات المحلية منذ 1960 – راهن عليه بكثير من التخوف لتجاوز زلزال 7 شتنبر2007، ومنَّى النفس بنسبة مشاركة معقولة تقارب 50%، ومن أجل ضمان تحقيق هذا الهدف:

– جند المخزن كالعادة إمكانيات الدولة لا سيما الإعلام بنوعيه المسموع والمرئي.

– استنفر الأحزاب لتعبئة الناخب المغربي.

– اتخذ إجراءات تحفيزية فخفض سن الترشيح ووسع هامش مشاركة المرأة في المجالس المنتخبة باعتماد لوائح إضافية تضمن 12% من مقاعد المجالس للنساء.

– اختار “12 يونيو 2009” باعتباره فترة الذروة.

هكذا تبقى الانتخابات هدفا في حد ذاتها، فالتحدي بالنسبة للمخزن هو مستوى المشاركة لأنها استفتاء على النظام السياسي وتسويق خارجي للنهج الديمقراطي والحداثي، مادام أحد أهم عناوين هذه المحطة هو توسيع مشاركة المرأة في الحقل السياسي.

المخزن واللاعب البديل

تميز الاستحقاق الانتخابي بوافد جديد على الساحة الحزبية، قطع على نفسه منذ بداية تشكله الجنيني يوم كان حركة أن يُخلِّق الممارسة السياسية ويعيد إليها ثقة الشعب وأن يحول دون اكتساح الإسلاميين الميدان السياسي.

وافد جديد يعيد إلى الأذهان تجارب سابقة، فالمخزن باعتباره يتحكم في خيوط المشهد السياسي يلجأ إلى إقحام لاعب بديل – حزب إداري – كلما سرى الخمول في الجسم الحزبي ولم يعد قادرا على تعبئة الناخبين وسوقهم لصناديق الاقتراع وبكثافة. تجارب اعتمدت مع حزب الأحرار أفرزت أحمد عصمان وزيرا أول، وبعده الاتحاد الدستوري أعلنت المعطي بوعبيد وزيرا أول كذلك، واليوم مع الأصالة والمعاصرة الذي انسحب من الأغلبية البرلمانية غداة اقتراع: 12 يونيو2009 ليحتل الصدارة ويحصد 21,7% من مقاعد الجماعات المحلية متقدما على كل الأحزاب يمينها ووسطها ويسارها، ويقدم نفسه مرشحا جديرا برئاسة الحكومة وتحترم بذلك القاعدة!

حقائق وخلاصات

لقد أفرز الاستحقاق الأخير مجموعة من الحقائق تجعل طرح سؤال المصداقية أكثر إلحاحا، ومن ذلك:

– ضعف التنظيمات الحزبية وعجزها عن تكوين لوائح بعدد مقاعد المجالس المحلية بحيث اضطرت لسد الخصاص وبأية طريقة، وإلا هل يعقل أن لا يتوفر حزب على ثلاثين مرشحا ومرشحة ولا أقول مناضلا أو مناضلة في مدينة يتجاوز سكانها المائة ألف نسمة؟

– تلاشي الانتماء الحزبي أمام الحرص على المراتب الأولى في اللوائح المفضية للظفر بمقاعد في المجالس، ولم يعد الانتقال من حزب يساري ليميني أو العكس يشكل حرجا، كما أن التحالفات بعد الاقتراع لا تخضع لأية معايير إيديولوجية أو تصورية أو برنامجية، وبالتالي لا مجال للحديث عن مقاربات معينة لتدبير شأن الجماعات المحلية تنسجم ورؤى سياسية معينة. فالمجالس في عمومها فسيفسائية التكوين الرابط بين مكوناتها هو المصالح الشخصية.

– اعتماد لغة التخوين في الحملات الانتخابية، فالكل يتهم الكل بسوء التدبير ونهب المال العام، والكل بالمقابل يرشح نفسه لقطع الطريق عن الانتهازيين. ترى ما هو رأي المواطن العادي باعتباره المتلقي لكل الرسائل؟

– تكريس استعمال المال لاستمالة الناخب، لا فرق في ذلك بين المناضل والمثقف وبين المرشحين العاديين أو سماسرة الانتخابات.

– إفلاس الخطابات الحزبية في التأثير على الشعب بل إن رموزا حزبية أخفقت في الاستحقاق رغم محليته، وأخرى تجاوزت العقبة بصعوبة.

هاجس المقاطعة

أكد اقتراع “12 يونيو 2009” تخوفات المخزن، فقد تدنت نسبة المشاركة مذكرة بنتائج استحقاق 2007، وبعيدا عن الجدال في صحة النسبة الرسمية للمشاركة، فرغم كل التدابير والمحفزات التي اعتمدت لم تتجاوز نسبة المشاركة المعلنة رسميا 52.4 احتسبت من مجموع المسجلين في اللوائح الانتخابية وعددهم 13 مليون ناخب وناخبة، في حين يبلغ عدد الكتلة الناخبة 20 مليون ناخب صوتَ منهم حسب إحصائيات وزارة الداخلية 7 ملايين فقط، وبهذا تتقهقر نسبة المشاركة إلى أقل من 33%.

مثال آخر على تدني نسبة المشاركة هو ما سجل في مدينة الدار البيضاء الكبرى التي جاوزت 20% بقليل، لتتناسل الأسئلة عن أسباب هذا العزوف الواسع الذي لن يبرر بظروف الحصاد أو ارتفاع الحرارة أو ضعف التغطية الحزبية. وحالة الدار البيضاء تقاس عليها بقية الحواضر المغربية، ليظل العالم القروي الذي تصطبغ فيه الانتخابات بالبعد القبلي أو العائلي هو الخزان الاستراتيجي لإنعاش نسب المشاركة.

سؤال المصداقية

لقد أعادت الانتخابات المحلية الأخيرة طرح سؤال الجدوى وعلى أكثر من مستوى:

– ما الجدوى من انتخاب مجالس للجماعات المحلية إذا كانت الوزارة الوصية – الداخلية – تتحكم في الشؤون الحيوية للجماعات ومنها التدبير المالي والمشاريع التنموية والتي جاء الميثاق الجماعي الأخير لتكريس هذه الهيمنة؟

– ما الجدوى من مجالس محلية أشبه بجمعيات أحياء تهتم بتحسين ظروف الأحياء نظافة وإنارة عمومية ومجالا أخضر؟

– ما مصداقية انتخابات قاطعها الشعب قبل يوم الاقتراع من خلال عدم التسجيل في اللوائح أصلا، وامتنعت فئات أخرى عن سحب البطاقات بعد التسجيل؟

– ما مصداقية النتائج على المستوى الأحزاب، والتصويت في الغالب الأعم كان على الشخص وليس على الحزب، فكيف ينتشي حزب بشعبية وهمية جمعت من القرى والبوادي التي لا يعرف الزعيم الحزبي مكانها في الخريطة، وبالأحرى همومها وحاجياتها؟

– ما الجدوى من تعددية حزبية إذ لم تتجاوز لوائح أحزاب عدة العتبة، إلا أن تكون بلقنة المشهد السياسي مطلبا وغاية تحقق مأربا مخزنيا؟

قبل فوات الأوان

إن نتائج الانتخابات المحلية، سواء على مستوى نسبة المشاركة أو على مستوى النتائج وما تفرضه من تحالفات غير منطقية أو على مستوى مصداقية الخطاب الحزبي، تدعو لوقفة متأنية للتأمل واستخلاص الدروس وتجاوز ردود الأفعال السريعة التي تسطح الأسباب، والتفكير مليا في إعادة الاعتبار للعمل السياسي وتوفير المناخ السليم للتنافس وفق رؤى وبرامج، وبناءً على تعاقد مع الشعب وقابلية للمحاسبة قبل فوات الأوان، وإلا فالتعامل المباشر مع المواطنين خلال الحملات الانتخابية بيَّن أن الوعي الشعبي يتجاوز سقف الأحزاب، كما أن توالي الانتخابات يؤكد اتساع دائرة المقاطعين للانتخابات رغم كل التدابير والإجراءات المحفزة.