تحدث ذ. عيسى أشرقي في حوار أجراه معه موقع الجماعة عن الغرب والإسلام وأسباب الصراع واندماج المسلمين في المجتمعات الغربية ومجلس الجالية المغربية. إليكم نص الحوار:

سؤال:

كيف تنظرون إلى التفاوت الذي يعيشه العالم على مستوى توزيع الثروات؟ وما سبب ذلك؟

جواب:

إنه تفاوت ينذر بمزيد من الكوارث والاصطدامات والصراعات والأمراض على مستوى الدول والجماعات والأفراد. وراء بؤس المستضعفين وجوعهم وعريهم نفوس المستكبرين القاسية الشرسة الخالية من كل ضابط أو باعث أخلاقي. خلف هذا الإجرام المنظم الغير المسبوق في تاريخ البشرية يقف النموذج الاقتصادي الآلي الغربي الأصم الذي لا يسمع لأصوات المعدومين وأنين المحرومين. هذه الآلة العملاقة التي لا تعترف إلا بالإنتاج والاستهلاك والربح بدون أدنى اعتبار للإنسان وغاية وجوده ومعناه ومصيره وكرامته. خلف هذا الكرب العظيم مؤسسات مالية وقوات عسكرية وأنظمة سياسية ووسائل إعلامية. إنها هندسة متقنة للاستغلال والاستعباد واغتيال الأخوة الإنسانية.

سؤال:

هناك من يحمل الغرب المسؤولية في هذا التفاوت ويرتب على ذلك عداء وعنفا. ما رأيكم؟

جواب:

العنف عجلة وجهل وتشدد وإفراط وغلو في الفهم وعدم امتلاك للنفس. إنه قرين القسوة والكبر والأنانية واعوجاج عن الفطرة وابتعاد عن الحكمة والرحمة وروح الدعوة. والإسلام ينهانا عن كل هذا. يجب أن تبقى أيادينا مبسوطة بالسلام وحب الخير والشفقة على كل من يعاني الاستضعاف من شعوب الأرض، وتبقى لنا يد القوة نُعدّها نَفَسَا طويلا لردع ودفع مظالم المستكبرين في كل الأرض.

أن نُحَمّل الغرب مسؤولية التفاوت المعيشي والطبقية والبؤس الاجتماعي وانتشار الأوبئة وإذلال الشعوب وقمعها وحرمانها من مقومات النهوض والتمدن والارتقاء والتحرر موقف فيه الكثير من الصواب؛ ولكن علينا التدقيق في مصطلح الغرب. فلا يمكن اعتبار الغرب بكامله كتلة واحدة، تقف كلها موقف العداء من الإنسانية. بل هناك الكثير من ذوي المروءات والعديد من المؤسسات الاجتماعية والبيئية والثقافية والحقوقية، بل والحزبية السياسية التي تعترض وتعارض عبر الاحتجاجات والمسيرات والمؤتمرات والندوات وغيرها من الوسائل المتاحة مخاطر “العولمة” التجلي المعاصر للاستغلال والاستعباد وفرض التفاوت. ويبقى القائم الحاضر الملقي بضلاله على أمر الأمة ومستقبلها: دور الحكام – عناوين الهوى ورموز الجبن – في تواطئهم مع المستكبرين وولائهم العلني للتبعية والخنوع الإرادي. يا سبحان الله كيف يؤاخي بين الأرواح الطاهرة ويجمع بين الأرواح الخبيثة، ولكل سبيله ومسيره ومصيره. نسأل الله العافية.

سؤال:

ألا تعتقدون بأن قضايا مثل فلسطين والعراق وأفغانستان والإسلاموفوبيا هي أساس العداوة التي يكنها العديد من المسلمين للغرب؟

جواب:

مرة أخرى أُذَكّر أن الغرب ليس واحدا، وديننا يعلمنا أن لا نُحَمّل الأبرياء أوزار المخطئين المبطلين الكبراء لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم. إن الله يحب المقسطين. ولعل المنهاج النبوي الذي هو التطبيق العملي السلوكي للوحي كما عاشه الرسول الأكرم صلى الله عليه وسلم مع أصحابه يعلمنا في كل أصوله التي نستمد منها علاقاتنا بالآخر أن نأخذ بالحيطة والحذر عند مراعاة حقوق الآخرين مهما كانت دياناتهم وتصوراتهم وأفكارهم وأنماط حياتهم.

أما العداوة بين الغرب والمسلمين فهي تاريخية عقدية أخذت اليوم كل الأبعاد، وتبقى القضية الفلسطينية لما لها في نفوس المسلمين من هيبة وقداسة المحك والعتبة الكبرى التي من دونها لن يكون هناك تواصل وتقارب فتعايش وتعاون. ثم هذا الجزء من ذاكرة المسلمين الذي تسكنه مجازر العراق وخرابه وأفغانستان وباكستان بوادي سوات والصومال والسودان والشيشان وغيرها. هذا عسكري، والإسلاموفوبيا الآلة العقلية التي خرجت من رحم الاستشراق والتي يراد بها أن تطفئ وتشكك في وحي الله ونوره يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم والله متم نوره ولو كره الكافرون

سؤال:

هناك من يصنف العالم إلى دار كفر في مقابل دار الإسلام، بينما تعتمدون تصنيفا مغايرا هو أمة دعوة مقابل أمة استجابة. ما الفرق بين التصنيفين؟ وماذا يترتب عن هذا التصنيف على مستوى التفكير والموقف من الآخر وعلى مستوى الفعل؟

جواب:

إن أي خلل في العلم والتصور والفهم له عواقب وخيمة. وهناك ألفاظ قرآنية عديدة تشير إلى هذا الأمر العقلي كالرشد، والسداد، والبينات، والصراط المستقيم، والهدى، والنور، والمشي السوي وغيرها كثير تدعو المسلمين ليتمثلوا دينهم تمثلا صحيحا سليما ويقتدوا وينهلوا من تجربة نبيهم ومنهاجه القويم. ولعل القارئ إذا عاد إلى كتاب الأستاذ المرشد عبد السلام ياسين حفظه الله “محنة العقل المسلم” سيجد من العلم النافع في هذا الشأن ما سيغنيه عن الكثير من الجدل والبحث ويرفع اللبس والغموض ويقي العثرات.

نعم، يعتمد المؤمنون والمؤمنات في جماعة العدل والإحسان التصنيف الذي ذكرت: أمة الدعوة وأمــة الاستجابة. الآخـر يمثل موضوع ومجـال وفضاء الدعوة لما لنا معــهم مـن قرابة “يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء، واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام. إن الله كان عليكم رقيبا”. إذن هناك رحم يجب مراعاة حقوقها. وهذه أمانة على المسلمين أداؤها، وأداؤها أن نبلغ رسالة الإسلام والمعاد ولقاء الله. ولا ننسى حديث رسول الله الذي رواه الإمام أحمد رحمه الله وهو دعاء كان يدعو به رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “اللهم ربنا ورب كل شيء ومليكه أنا شهيد أنك الله وحدك لا شريك لك، اللهم ربنا ورب كل شيء ومليكه أنا شهيد أن محمدا عبدك ورسولك، اللهم ربنا ورب كل شيء أنا شهيد أن العباد كلهم إخوة”.

فسواد الأحداث وظلماتها وشدة البلاء وتعاقبه يجب أن لا ينسينا وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ندور مع القرآن حيث دار. وإذا سبق إلى العقل المسلم تصنيف الناس على قاعدة الكفر والإسلام والبغض في الله والحب في الله بلا حكمة وسَعَة واستحضار لأمر الدعوة وتعظيم المروءة وتقدير لمراتب الناس ومعادنهم وقابلياتهم فقد يندفع بحماسة زائدة فيستبيح دماء وأعراضا وأموالا بغير موجب شرعي. وهذا خلط وتخبط وقع فيه الكثير من أبناء الإسلام الذين لم تتشرب قلوبهم معاني الإيمان. فالجهاد له أبوابه وشروطه وأخلاقه وآدابه ومقاصده ونياته.

فالفرق بين العقليتين واسع، وبين الذهنية شاسع. عقل يُقبل على الآخر بروح منبسطة وقلب شفوق حريص حامل بشارة الإسلام، متلطف ناطق بالحكمة، مصبوغ بالرحمة، محتسب صابر صامد. وفي نفس الوقت على أهبة واستعداد للدفاع عن النفس وإغاثة المستضعفين من النساء والرجال والولدان. مقابل عقل متربص عنيف غلبه سوء الظن مع كثافة في الطبع والحس. نسأل الله الغني الحميد أن يلهمنا رشدنا ويجعلنا على أثر نبينا نحيا ونموت على هديه صلى الله عليه وسلم.

سؤال:

بعد أحداث 11 شتنبر بدأ البعض يتحدث عن الخطر الأخضر – أي الإسلام – إلى أي حد يمثل الإسلام خطرا على الغرب وعدوا له؟

جواب:

يملك الغرب إمكانات هائلة للتأثير على العقول وتوجيه الرأي العام. وهو قناص بارع وخبير مبدع في اقتناء الفرص للتهييج والتعبئة وتبرير عنفه وعدوانه. نعم، لقد كانت أحداث 11 شتمبر زلزالا أحدث رجة عنيفة في الغرب وفي غيره من دول العالم، لكنه جاء في فترة حكم رئيس أمريكي دموي عنيف غارق في كبريائه وخفة نفسه وسطحية تفكيره وضيق نظرته. اعْتَقَد أن النار والحديد سيكفيانه للقضاء على الإسلام وأن الفرصة سانحة للانقضاض والغلبة. واليوم نشاهد انهيار مشروعه، أما الإسلام فلا زال ينتشر وينتصر. يفعل ذلك لأنه ليس خطرا بل ملاذا، ليس تهديدا بل أمنا، ليس حربا بل سلاما. من أراد أن ينال منه طرحه. وله اليوم ولله الحمد والمنة أبناء وأتباعا في دول العالم وهم في تزايد.

فلسفة صناعة العدو يعرفها الجميع، وإذا كان بعض مفكري الغرب وصناع القرار قد نجحوا مع التجربة الشيوعية المادية العنيفة فلن يفوزوا مع الإسلام: الرحمة الإلهية الربانية. سيبقى الإسلام عاليا غالبا بإحسانه وإيمانه وإسلامه وعدله وتعظيمه للكرامة الآدمية ودعوته للأخوة الإنسانية وتربيته لأبنائه على التعايش والتعاون مع الآخرين ومد الجسور وبناء الأحلاف معهم وعقد العهود والمواثيق ضد كل ما ومن يضر ويهلك ويجور. والحفاظ على الأديان والدماء والأموال والمروءات من مقاصده الكبرى. لا يراه خطرا إلا المستبدون الجبابرة الطغاة ومرضى النفوس والعقول الذين يستعبدون الناس بغير حق ويمنعونهم قهرا من حقوقهم وأسماها حق المعرفة، معرفة الله سبحانه والاستعداد للقائه وتحقيق العبودية له وحده.

سؤال:

كيف يمكن استيعاب أجيال المسلمين الناشئة في الغرب ليحافظوا على إسلامهم بالموازاة مع الاندماج الإيجابي في مجتمعاتهم؟

جواب:

صحيح هناك اندماج سلبي واندماج إيجابي. الاندماج السلبي هو ما تدعو إليه فئات عريضة من مؤسسات الغرب ووسائل إعلامه، وهو تجريد المهاجر من كل عناصر ومكونات هويته، وإحداث تغيير جذري في عقليته ونفسيته وذهنيته لتتغير بالتالي غاياته وما يحمله ولو اللمم من معاني وأصول. وهذا لا يعني إلا ضياع أنبل ما يملكه المسلم والمسلمة: المعاد والمصير والآخرة. وتضييع الآخرة والتفريط فيها علما وفقها وخلقا وسلوكا عمليا ووازعا واستعدادا وتهمما ضياع لدين المرء بالكامل.

أما الاندماج الإيجابي فيجب أن يكون مطلب المهاجرين المسلمين باعتبارهم حملة رسالة سماوية. وبيان وتبليغ هذه الرسالة من الأمانات الكبرى لأبناء الإسلام. ولإعداد الناشئة لهذا الأمر الجلل العظيم نركز على أمور أذكر منها ثلاث:

– الأسرة: باعتبارها المحضن الأساسي الذي تتشكل فيه الشخصية الإسلامية بكل أبعادها خصوصا الروحية والقلبية والأخلاقية. وهي المأوى والمدرسة التي تحفظ الناشئة من اعوجاج الفطرة وتُنمي فيهم المحامد والمحاسن والفضائل والذوق السليم والآداب اللطيفة، وتسكن في قلوبهم بالجهد والدعاء حب الله ورسوله وحب القرآن والولاء له والاستماع لأخبار الآخرة وحب الخير للمسلمين والناس أجمعين.

– التربية الإيمانية: أن نوقظ في الناشئة قلوبهم ونربيهم على شعب الإيمان قبل سن التكليف وبعده بتدرج وصبر وأناة ونختار لذلك أنسب الأوقات والفرص وألطف العبارات والإشارات.

– البيئة: أن نربيهم على التواصل والانفتاح داخل محيط خاص وبيئة صالحة لتكون لهم روابط قرابة وأخوة وصداقة يتدربون عبرها على التثبت والتعلق بالمروءات والخير والحق والصلاح ليكون لهم ميزانا. ومتى قوي فيهم وعندهم هذا الميزان واشتد عوده كانوا أكثر استعدادا لمخالطة الناس والتعاون معهم على كل أمور المعاش والمسير في الدنيا، وتكون لهم قابلية التأثر والتأثير والأخذ والعطاء بدون فقدان للأصول، وبدون انكفاء وانزواء والرضا بالهامش والتهميش.

سؤال:

أقدمت السلطات المغربية على تأسيس مجلس للجالية المغربية في الخارج، هل بإمكان هذا المجلس أن يؤطر هذه الفئة من المغاربة؟

جواب:

هناك دوافع متعددة للهجرة نحو الغرب خصوصا نحو أوربا التي يعتبر موقعها الجغرافي وتنوعها اللغوي والثقافي ورخاؤها الاجتماعي عناصر إغراء. فهناك صراعات عرقية دموية، وهناك غزو عسكري لبعض البلدان، وهناك حصار التجويع الذي تمارسه بعض دول الاستكبار، وهناك وهناك. وإذا نظرنا إلى تجربة المغاربة نجد أن البؤس والفقر واستبداد الحكم وفساد الذمم وخراب التعليم وانتشار الإجرام والانحراف والإحساس بمرارة الإهانة والاحتقار وعدم توفر أدنى الشروط المادية والمعنوية للكرامة الآدمية من الدوافع والعوامل التي أرغمت الآلاف من الرجال والنساء وحتى الأطفال على الفرار خارج بلدهم. فكيف يمكن للسلطات المغربية وللنظام السياسي الفاشل بالمغرب أن يُعزّهم خارج بلدهم وقد أهانهم داخلها، أن يُوَعّيهم ويؤطرهم هناك وقد خانهم ومسخ فيهم وسلب منهم كل شيء هنا. للسلطات المغربية مقاربة ذات بعدين لمسألة المهاجرين. بعد أمني أي العمل ما في الوسع حتى لا يصبح المهاجرون قوة اجتماعية منظمة واعية متحررة متحركة معارضة خارجة عن وصاية النظام المخزني المغربي. وبعد مادي نفعي حتى يبقى هؤلاء مصدرا وخزانا ضخما للعملة الصعبة. ما عدا ذلك فهو أباطيل وتلبيس وخداع. وقد سمعنا الكثير عن فضائح التزوير والرشوة والضغوطات والتجسس التي مارستها السلطات المغربية الخبيرة دوليا في ذلك عند اختيار ممثلي المهاجرين.