مقدمة

بتاريخ 24 ماي 2009 تكون قد مرت ثلاث سنوات على الحملة المخزنية الموجهة ضد جماعة العدل والإحسان، تفننت فيها آلة الظلم والبغي بأنواع شتى من الأساليب. تتبعت الخطوات، وتنصتت على الهواتف، وراقبت البيوت وشمعتها، وشردت أهلها، ولفقت التهم زورا وبهتانا، وفتحت المحاضر، وأطلقت الشائعات لإخافة الناس ولم تفلح في تحقيق مآربها الخسيسة.

أجلب المخزن بخيله ورجله، وتفنن في أساليب المكر والخداع. حاكم وحاصر، لكنه لم يفلح في تحقيق أهدافه حتى أصاب أعوانه الإعياء وأخذ منهم الجهد مأخذه.

حصيلة الحصار الميدانية

كانت الحملة المخزنية ترمي إلى إحكام الحصار على أنشطة الجماعة، توقعت أن يكون لاشتداد خناقها الأثر السريع على أعضائها فتصيب تحركاتهم بالارتباك، وبرامجهم بالاختلال، وعزائمهم بالخور، هكذا بكل بساطة.

مرت السنوات الثلاث ولا زالت، ولله الحمد والمنة من قبل ومن بعد، هامة الجماعة شامخة لا تخاف في الله لومة لائم، ولا يثنيها ما تلاقي من كيد الكائدين عن خطها الواضح الداعي إلى نبذ العنف، وإلى التمسك بمنهاج القوة في مقاومة الاستبداد في جذوره الفكرية والسياسية والحركية وحتى في مظاهره الجزئية والكلية على مسرح الواقع المعيش.

والمخزن بطبعه لا يستفيد من الدروس، ولا يستخلص العبر، لأن غضبه وحقده وتعصبه الأعمى يطفئ نور عقله ويكدر صفاء “بصيرته”، فيكابر ويعاند ويدعي أنه حقق أهدافه بامتياز. ويعاود الكرة فيحاصر ويضايق ويطلق العيون والآذان لتتصيد فرص الانقضاض على فرائسه، وفرائسه مواطنون عزل، يطمحون لأن تسمع أصواتهم ويسمح لهم بالتنظيم والتعبير والمساهمة في اقتراح الحلول لأزماتنا المتفاقمة.

وسط هذه العواصف الكيدية التي مرت بالجماعة، لم يتعلم المخزن من دروس الماضي والحاضر. فهو يكرر نفسه ويكرر أساليبه وينتظر أن تؤثر هذه الهجمات على مسار الجماعة ونهجها، بل إنه ينتظر أن تأتي قيادة الجماعة مستجدية راكعة تطلب العفو والصفح وطي صفحة الماضي.

ولا يمكن وصف المخزن فيما يروم تحقيقه مع الجماعة إلا بالغباء والعنجهية والتكبر، لأن القليل من حصافة الرأي يجب أن يجبره على توزين قوة الجماعة بالمنطق الصحيح الذي يدفعه إلى فسح المجال أمامها كي تمارس وظيفتها الإستراتيجية في حسن توجيه الرأي العام والإسهام في رسم معالم المستقبل المنشود.

إن استعراضا للوقائع وتدقيقا في تداعياتها وتأثيرها على الطرفين يركز في أذهان المتابعين ما يلي:

1- الجماعة لم تتأثر التأثير السلبي المنتظر من قبل السلطة، بل تفاعلت مع الضغط وتأقلمت مع الحصار، ولم تحقق السلطة أهدافها المعلنة أو الخفية، اللهم ما كان من ضريبة الحصار كالمضايقات والاعتقالات والتهديدات… والخبر كما يقال ما ترى لا ما تسمع. فالسلطة لم تستطع أن تحد من أنشطة الجماعة ولا أن تشل حركتها الدؤوبة، ولعل ما عبرت عنه الجماعة من انتفاضة مدوية وهبة قوية، بمناسبة تضامنها مع قطاع غزة يفضح زيف الدعاوي وتهافت الأماني المعسولة.

2- الجماعة لم تعرف أدنى مؤشر على جنوح بنائها الداخلي نحو الانشقاق أو الانسحاب أو الاستقالة، ولم تستطع السلطة أن تبث في نفوس القيادة أو الأعضاء روح الاستسلام واليأس. والذي يدل عن أصالة مشروعها وسمو غايتها وحكمة قيادتها أن تكاتفها وتعاضدها ازداد، وازداد معه تعاطف الناس وتقديرهم. فما تعرضت له الجماعة كان كافيا لإبادة تنظيمات قائمة، ويستأصلها عن بكرة أبيها.

3- تعاملت الجماعة مع ضربات السلطة بقدر كبير من التعقل والرزانة. ففي ظل هذه المحنة المتسمة بالعنف، لم تكتف بالتظلم والاحتجاج، بل ساهمت في فضح تسلط النظام على البلاد والعباد، وسارعت إلى إطلاق نداءات متكررة من أجل الحوار حول ميثاق مع كل من له رغبة في المشاركة لإخراج البلاد من أزماتها.

الدرس العملي من الحصار

إن عزوف الجماهير عن المشاركة في مسرحية الانتخابات، إجماع قاطع على إفلاس المنظومة التي تدبر شأن البلاد وكسادها، كما أنها دليل ساطع على بداية الرجوع إلى عتبة اليقظة اللازمة للمغاربة كي يقرروا مصيرهم ويحددوا مستقبلهم.

لا أحد ينكر ما يشكله هذا النكوص الجماهيري عن الانتخابات من امتعاض وإحراج للسلطة الحاكمة، فهي تتأكد يوما بعد يوم أن لعبتها انكشفت وأن القهر والحصار يمكن أن يصد الناس وقتا عن الجادة، لكنه لن يثنيهم عن الالتفات إلى الواجب لتصحيح المسار وإرجاع الأمور إلى نصابها.

وما من شك في أن جماعة العدل والإحسان تمتلك حضورا قويا ومؤثرا في الواقع المغربي على المستوى السياسي والتنظيمي والفكري والبشري.

استثمرت الجماعة طيلة فترة وجودها في قلب المجتمع المغربي لتربي أبناءها وبناتها على الاستقامة والرجولة الإيمانية والمروءة، وبفضل هذه التربية لم تشكل أبدا هذه الجموع عامل ضغط على الجماعة حتى تبحر بها في عباب المغامرات السياسية والمقامرات الانتخابية.

بل إن الانضباط وحسن الأداء شكل رسائل واضحة لمن يهمهم الأمر تبين ماذا أعدت الجماعة من رجال لخدمة هذا الوطن، وإلى أي حد يمكنها أن تلعب دورا فاعلا في تغيير حال البلاد إلى ما هو أرقى وأحسن.

لذلك فجماعة العدل والإحسان بحركيتها المتئدة ونسقية فكرها العميق وشموليتها في طرح البدائل واقتراح الحلول تمثل توازنا رائدا ومفتاحا مهما لحل أزمة البلاد. فبالإضافة إلى كل هذه المميزات يمثل السؤال المركزي، الذي يدندن حوله منهاج الجماعة التربوي والفكري والتنظيمي والسياسي، “أي إنسان لأية قضية؟” ضمانة قوية تقدمه للمغاربة لتجاوز النكسات المتكررة في تاريخنا على أيدي محترفي السياسة.

فمتى يا ترى يستفيق المخزن من سباته، ويدرك أن الوقت ليس في صالحه؟ ومتى يتجنب ردود الفعل المتشنجة ويغلب التعقل والرزانة في اتخاذ القرارات؟

عليه أن يدرك أن عقارب الزمن تدور وتدور معها الظروف والأوضاع، والكيس من يتوقع الأسوأ، ويسعى لتجنبه.