مقدمة: المغرب سياسيا

1- نظام الحكم: ملكية وراثية انفرادية، حيث يرث الحاكم السلطة والنفوذ -والصولة والصولجان- من أبيه مباشرة دون حاجة لرأي الأمة، ومن غير شروط تعاقدية مع الشعب، فتجتمع في يده –بل تحث رجله- جميع السلط التشريعية والتنفيذية والقضائية؛ قائد الجيش وإمام العلماء وملك الفقراء وهو الذي يعين شيوخ الزوايا وشيوخ الرياضة وشيوخ المال والأعمال… الحكومة والبرلمان والأحزاب أعوان له.

2- الأحزاب السياسية: خليط من الليبراليين والاشتراكيين والإسلاميين، يجمعهم الخوف من المخزن أو سميه “المخزنفوبيا”، وتفرقهم المصالح الشخصية، وهذه الأحزاب بكثرتها عدديا لا وزن لها واقعيا، لا على مستوى التأثير في اتجاه إصلاح نظام الحكم ولا على مستوى التغلغل في واقع الناس. اللهم بعض الاستثناءات الشاذة التي تُعد من قلتها في حُكم العدم. يظهرون في موسم الانتخابات ثم يختفون في الثلوج إلى موسم قادم يتكفل المخزن وحده بتحديد تاريخ انعقاده.

3- الحركة الإسلامية: ميزتها الأساسية أنها أصيلة لم تُستورد لا من الشرق ولا من الغرب وأنها صاحبة رسالة خالدة متجذرة في عمق الأمة الإسلامية ومنتشرة في كل مكان، لكنها ممنوعة من حقها في التأطير العلني للناس، وخاصة منها جماعة العدل والإحسان التي رغم قانونيتها وسلميتها تتعرض للتضييق والاضطهاد بسبب موقفها السياسي من نظام الحكم.

لماذا الانتخابات؟

فطن الناس إلى آلية الانتخاب قصد قطع الطريق عن الاستبداد والانفراد بالحكم والفوضى والعنف، إذ يخول حق الانتخاب للناس بمحض حرياتهم ورغباتهم وقناعاتهم أن يختاروا مَن يحكمهم (فرد أو مجلس) ليتكلف بمهام حفظ الأمن وضمان السلم وتوفير المعاش… ولا معنى للانتخاب وحرية الاختيار إذا حُرم الناس من اختيار من يحكمهم من بين مرشحِين مختلفين ومتنافسِين على أساس مشاريع مجتمعية واضحة. ولا فائدة من الانتخابات إذا لم تجسد الإرادة العامة لمجموع مواطني البلد، وإذا لم تكن وسيلة للتغيير.

بعبارة وجيزة: لا قيمة للانتخابات إذا لم تَقد إلى امتلاك سلطة ممارسة القرار في جميع المستويات من الأعلى إلى الأدنى.

هل نحتاج في المغرب -اليوم- إلى انتخابات؟

الانتخابات المغربية لا علاقة لها بممارسة السلطة وإصدار القرار، إذ السلطة والقرار بيد هيئات غير منتخبة: الملك ومستشاروه وسفراؤه وأعوانه وجنرالاته واللجان الملكية والمنظمات الاستخباراتية والولاة والعمال والباشاوات والقواد… حيث تُحتكر السلطة بكاملها من طرف جهاز ضخم ومنظم خارج صناديق الاقتراع، يمتد من الملك إلى المقدم.

أما ما يسمى حكومة منتخبة وبرلمان وجماعات محلية فهي امتدادات للسلطة الأم/ اللامنتخبة، لا مشروع لها ولا برنامج إلا ما تمليه تعليمات المخزن من فوق. وما فتئ الوزير الأول عباس الفاسي يصرح بهذه الحقيقة باستمرار: “سأطبق توجيهات صاحب الجلالة”.

في المغرب يمكن للحاكم أن يوقف مئات الجمعيات والمنظمات دون مشورة أحد، ويمكنه حل أحزاب سياسية بمجرد تصريح، ويمكنه التصرف في أموال الأمة بلا حسيب ولا رقيب. ويمكنه أن يمنع أغلبية الشعب من حقوقها السياسية أو الاجتماعية أو الثقافية أو الفنية دون أن يكلفه ذلك أي مبرر معقول. فكثير من مضامين الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والعهد الدولي للحقوق السياسية والمدنية، والعهد الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، والعديد من الاتفاقيات والمعاهدات تُنتهك باستمرار.

إذا كان الواقع هكذا فلماذا الانتخابات أصلا؟

ألِيُقال عنا أننا ديمقراطيون حداثيون؟ لا يُعقل

أليُمَوِّه علينا الظالمون فيُدجِّنوننا ويكرسون فينا طباع النعاج؟ لا يدوم.

البعيد عن اختيارات الناس ينبغي أن يبتعد عنهم

المؤسسات السياسية الرسمية مصنوعة في قاعة مظلمة، بعيدا عن اختيارات الناس وحرمانا لهم من حقهم الذي وُلد معهم قبل أن تكفله التشريعات العالمية، وهذه الاختيارات لا تصل إلى صناديق الاقتراع، وهذه الأخيرة فارغة من السلطة والقرار، إذ السلطة والقرار إملاءات فوقية غير قابلة للمحاسبة والاعتراض، ولا تخضع إلا لمزاج الحاكم وهواه.

الحاكم المستبد ينظر إلى مخالفيه وكأنهم كائنات غريبة ومتمردة تستحق المحو والذوبان، بل وينظر إلى الشعب بكامله على أنه عالة عليه. إما أن يَركع أو يُصفع. إما أن يطيع طاعة البهائم أو يضطهد ويُتهم. ينقاد المسلمون اليوم من غير كرامة لحكامٍ اغتصبوا الحكم والمال قهرا، وفرضوا دين الخنوع والانقياد قسرا، واستولوا على الحكم وملئوا الدنيا ظلما وفقرا.

قال شاعر في الملك الأمين، بن هارون الرشيد، بعد موته:نبكيك؟ لمـاذا؟ للطــرب *** يا أبا موسى وترويج اللـعب
ولتَِرْكِ الخَمْسِِِ في أوقـاتهــا *** حرصا منك على ماء العــنب

ما قبل الانتخابات

الانتخابات تحتاج إلى سياقها، فقبلها ينبغي أن يتعاقد الناس على نوع الحكم الذي يرضونه من غير إكراه، ثم ينبغي أن يُحترم المسلسل الديمقراطي أولا بأول، بدءا بإنشاء جمعية تأسيسية لصياغة مشروع الدستور الذي يُستفتى فيه الشعب حتى ننتقل من الدستور الممنوح إلى الدستور الشعبي الذي يحدد الصلاحيات ويوزع المسؤوليات وينظم السلط ويكفل الحقوق ويضمن الحريات للجميع. آنذاك يأتي دور الانتخابات. “بدون ذلك ستبقى الانتخابات مجرد عبث سياسي لا أكثر ولا أقل”. 1

ما بعد الانتخابات

الانتخابات الحقيقية هي التي تسهم في البناء المشترك للمستقبل، وهي التي توصل الفائزين إلى مراكز إصدار القرار، والانتخابات الحرة النزيهة هي التي تؤدي إلى الممارسة الحقيقية للسلطة، وهي التي توفر إمكانية تحقيق التغيير إلى الأحسن. من نظام إلى نظام أحسن منه، أو من مشروع سياسي إلى أخر أفضل منه، أو من أشخاص مارسوا السلطة إلى آخرين يقترحون بديلا أفضل.

أما أن نسمي البهرجة انتخابات، ونسمي سوق النخاسة استحقاقات، ونزين الصورة مع رداءة المضمون فتلك كذبة بلقاء وحيلة بلهاء، لا تغني عن ظلم ولا تمنع من استبداد.

قال الشاعر:وجمال اللُّّبوس على قُبح النفوس *** كجمال الناقوس على قَبر المجوس


[1] فتح الله أرسلان، تصريح موقع “قدس برس”، 2 يونيو 2009.\