الجماعات المحلية بالمغرب كما يحدها القانون هي الجهات والعمالات والأقاليم والجماعات الحضرية والقروية؛ تنتخب مجالس تتكلف بتدبير شؤونها تدبيرا ديمقراطيا يحدد اختصاصاته الفصل 30 من ظهير شتنبر 1976 اختصاصات تشمل كل التدابير اللازمة لضمان النمو الاقتصادي والاجتماعي والثقافي للجماعة. وبناء عليه فالهيئات السياسية تطلع بمراكز القرار ومسؤولية تسيير الشأن المحلي، إلا أن البعض منها ورغم أهمية تدبير هذا الشأن تقاطع الانتخابات المحلية وترفض المشاركة، فما الداعي إذن لهذه المقاطعة، وما دوافعها ومبرراتها؟؟؟

التزوير والفساد

لا أحد ينكر ما للجماعات المحلية من أهمية اقتصادية اجتماعية وثقافية، حيث تعتبر العصب الحيوي للتنمية، ولكن وللأسف أصبحت الجماعات المحلية جهاز هضمي لكل راغب في الاستفادة من نهب المال العام وأصبحت المركز الحيوي لتزوير المعطيات وإتلاف الحقائق وفبركة الميزانيات وقمع الأغلبية لصالح الأقلية الحاكمة أو الفائزة بصفقات تدبير المال العام، في غياب أي رقابة شعبية أو حصانة جماهيرية لأملاكها، في ظل بناء هرمي مخزني حيث راكمت التمثيليات الحزبية أخطاءها وهزائمها السياسية على أنقاض مصالح الساكنة، بتوافق وتناغم بين رؤساء مجالسها والعمال والولاة.

قد يرى البعض مبالغة في هذا الوصف ويرجع هده المظاهر المرضية إلى ما تعانيه الجماعات المحلية من سلبيات موضوعية عديدة انطلاقا من التقطيع الترابي ومركزية القرارات والوصاية والرقابة المفروضة عليها، انتهاء بضعف الإمكانات.

فمسؤولوا السلطة الوصية يستغلون جميع الفرص ابتداء بصناعة الخريطة الجماعية، ومرورا بإعداد اللوائح الانتخابية، والتحكم في توجيه الناخبين، وغض الطرف عن ممارسات بعض المرشحين، وانتهاءً بإعلان النتائج التي تكون موجهة لجعل مسؤولي الجماعات المحلية رهن إشارة السلطات الوصية، وفي خدمتهم.

نهب المال العام باسم الوصاية وغياب الرقابة

بشهادة من يعايشون التجربة فإن سلطة الوصاية تستغل الموارد الجماعية عن طريق ابتزاز المجالس الجماعية عند المصادقة على المشاريع المقدمة، فلا تصادق إلا على ما يوافق توجهها العام وخياراتها، وبالأساس على ما يدر نفعا على رجال السلطة المعنية ولدلك فهي تغض الطرف عن استغلال الموارد الجماعية من طرف المستشارين.

صحيح أن هذه المجالس بحاجة إلى هيأة للرقابة لضبط الموارد من جهة، ولصرف تلك الموارد من جهة أخرى حفاظا على التنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية للجماعة، لكن أكيد أن وزارة الداخلية لم ولن تقوم بهذا الدور فلا يعقل أن يتولى الذئب مهمة حراسة الخرفان.

صحيح أن هناك هيئة تسمى “المجلس الأعلى للحسابات” الذي من المفروض أن يقوم بهذا الدور لكن عيبه أنه غير مستقل عن الحكومة فهو يعمل تحت إشرافها، ومادامت الحكومة متكونة من أحزاب راكمت أخطائها وهزائمها السياسية على المستوى المحلي والمركزي وهي ذاتها المتورطة في نهب موارد الجماعات المحلية فلن ننتظر من هيئتها هذه سوى أن تكون عصى المخزن يضرب بها كل من خالف أوامره وخرج عن طاعته أو على الأصح لم يسير وفق قواعد اللعب أو اللعبة.

التخلي عن تدبير المرافق العمومية وتفويتها للخواص

زيادة في بسط أسباب العزوف والمقاطعة نساءل التجربة انطلاقا من الشعارات المرفوعة من قبيل إدارة ديمقراطية، فعالة، خدومة، منفتحة، مواطنة وقريبة من انشغالات المواطنين…

فواقع الجماعات المحلية يؤكد عكس ذلك ويظهر للجميع عجزها وفشلها في تحقيق كل مهامها اقتصاديا واجتماعيا بل فشلت حتى في تدبير مرافقها العمومية وفوتتها للخواص ضاربة بعرض الحائط البعد الاجتماعي ولم تبالي بالزيادات الإضافية في أسعار خدمات عمومية حيوية.

وعليه فالبعض يرى إذا كانت الجماعات المحلية ستتخلى عن تدبير المرفق العمومي وتحتفظ بالمهام الإدارية، وهي مهام بسيطة لا تتطلب مؤهلات عالية، فلا داعي لإجراء انتخابات أصلا، هذه المهام إذن يمكن أن تضطلع بها السلطات العمومية دون حاجة لمجالس جماعية.

إشكالية الديمقراطية التمثيلية والديمقراطية التشاركية

دور الجماعات المحلية يؤهلها لأن تكون أكثر قربا من المواطنين فبهم ومعهم توضع إستراتيجية التنمية المحلية التي يراد تنفيذها، فلا ديمقراطية بدون مشاركة الساكنة، وهنا تطرح إشكالية أخرى تضاف إلى مساوئ التجربة الجماعية.

هل الديمقراطية التمثيلية حتى وإن طبقت وافترضنا جدلا أن الانتخابات الجماعية ديمقراطية، نزيهة وشفافة، فهل هي ديمقراطية محلية فعلية؟ هل القانون المنظم يمنح للساكنة حق الإطلاع والاستشارة في كل ما يتخذ من قرارات في تدبير الشأن المحلي؟ هل الساكنة على دراية بما يبرم من صفقات عمومية وعقود واتفاقات….؟؟؟

فجون جاك روسو أحد مؤسسي النظرية العقدية وهو يدافع عن الإرادة العامة يؤاخذ الإنجليز على ديمقراطيتهم التمثيلية بالقول: “يعتقد الشعب الإنجليزي أنه حر فهو مخطئ كثيرا هو ليس حرا إلا في فترة انتخاب أعضاء البرلمان فما أن ينتخبوا حتى يصير عبدا”، إذن فمن يتمتع بالديمقراطية التمثيلية و يحرم من الديمقراطية التشاركية المباشرة فهو عبد في نظر روسو أما من يحرم من كلاهما فلا أدري ما سيكون.

الحقيقة أنه لا يكفي التعبير عن الاختيار عبر التصويت وكفى، بل ينبغي أن يؤسس لحق المتابعة والمراقبة المستمرة.

خلاصة

رغم التعديلات الأخيرة للميثاق الجماعي ورغم كل “الروتوشات” فالوضع الكارثي للجماعات المحلية لا يرتفع، العقلية المهيمنة المخزنية لا تزال سيدة الموقف، فإدارة الدولة المركزية والإدارة الترابية تقرر وتفصل وتوزع وتقطع وتقنن حسب هواها، وباسم الوصاية ينهب المال العام وتزور الحقائق وتعرقل البرامج إن وجدت أصلا، فالتنظيم المحلي حقيقة كله اختلالات يصعب معه على أي مستشار أن يقاوم تأثير المغريات مهما كان صلبا وإلا فمصيره التهميش والإقصاء.

قبل الأخير أوضح أني لم أغفل الموقف السياسي من المنظومة ككل، فحسبي أني أريد التركيز على أسباب المقاطعة المرتبطة بوضع الجماعات المحلية لا غير وأتجنب إسقاط الموقف من الانتخابات التشريعية على الجماعية، وإن كان الأمر سيان، وعلى العموم فلا ديمقراطية في ظل الاستبداد، ولا خير ينتظر من دستور ممنوح سوى القهر والطغيان ومزيد من الفساد والإفساد.

وأخيرا ولكل ما ذكر وما لم يذكر اختارت بعض الهيئات ومعها معظم سواد الشعب خيار مقاطعة العملية الانتخابية، وفضلت العمل السياسي من خارج المؤسسات.