أجرى موقع الجماعة حوارا مع الباحث الأستاذ محمد منار، عضو الأمانة العامة للدائرة السياسية، حول عدد من القضايا المرتبطة بالانتخابات الجماعية، وموقف العدل والإحسان منها. فيما يلي نص الحوار:

سؤال:

ما جديد انتخابات 12 يونيو 2009 قانونيا وتنظيميا وسياسيا؟

جواب:

لقد عرف الإطار القانوني والتنظيمي للانتخابات الجماعية بعض التغييرات، وذلك من خلال إدخال تعديلات على مدونة الانتخابات والميثاق الجماعي، يمكن أن نذكر في هذا الصدد تخفيض سن الترشيح من 23 سنة إلى 21 سنة، وإقرار بعض الإجراءات التي من شأنها الرفع من نسبة تمثيلية المرأة في مجالس الجماعات والمقاطعات، وتمكين الأحزاب السياسية من الحصول على لوائح المسجلين، ورفع العتبة التي يكون على أساسها توزيع المقاعد من 3% إلى 6%، وغير ذلك من التعديلات، التي لا يمكن نكران أهمية بعضها لو أنها طُبقت في بيئة سياسية سليمة. أما وأن هذه التغييرات تتم داخل بيئة سياسية ملوثة فإننا يمكن أن نؤكد من الآن أنه لا طائل منها. إن الاكتفاء بتعديلات قانونية وتنظيمية جزئية لا يمكن أن يضفي المصداقية على انتخابات يكرس الواقع السياسي من يوم لآخر شكليتها وفسادها. ماذا سيصدق الناس؟ هل سيصدقون تلك التعديلات القانونية؟ أم سيصدقون ما يعيشونه ويرونه بأعينهم من فساد وعبث. مرتزقون سياسيون يرحلون من حزب لآخر، وحين يعلن أن القانون يمنع ذلك، يقال أنتم لا تعرفون كيف وُضع ذلك القانون، وأنه وُضع بتوافق بين الأحزاب السياسية رغم أنها تعرف أنه مخالف للدستور.

إن كل المحاولات التي كانت تتوخى إظهار انتخابات الملك محمد السادس بمظهر غير مظهر انتخابات الملك الحسن الثاني قد فشلت الآن، وكل مظاهر الفساد السياسي التي كانت سابقا تتجدد الآن، وربما بشكل أكثر خطورة، فالمال والولاء للمخزن والزبونية والقبلية هي من يتحكم في الانتخابات اليوم، ونحن لا نوجد، في الغالب، أمام تنافس انتخابي لخدمة مصالح البلد، وإنما نوجد أمام تسابق مصلحي لأفراد وفي أحسن الأحوال لفئات، وإذا كانت الأدبيات السياسية تتحدث بسخرية في زمن الحسن الثاني عن تلك الأحزاب التي تظهر في آخر لحظة وتقدم أكثر عدد للمرشحين، وتحصد أغلب الأصوات، فها نحن نرى ما يشبه ذلك.

سؤال:

ماذا عن السياق الذي تجري فيه هذه الانتخابات، محليا ودوليا؟

جواب:

العالم يعرف هذه الأيام حراكا سياسيا، ويعود ذلك إلى عدة عوامل، في مقدمتها الأزمة الاقتصادية العالمية، فبعد أن عرفت أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية في أواخر الألفية الثانية هجرة الكثير من المواطنين من عالم السياسة إلى عالم الاقتصاد، والمشاركة في السوق عوض المشاركة في السياسة، نشهد اليوم عودة إلى العمل السياسي والنقابي من قبل فئات عريضة أصابتها الأزمة الاقتصادية في حقوقها ومصالحها، ومن العوامل أيضا هذه التصريحات الجديدة للرئيس الأمريكي “باراك أوباما”، وما تثيره من تجاذبات هنا وهناك، كما تتزامن الانتخابات المغربية مع انتخابات البرلمان الأوروبي والانتخابات النيابية في لبنان والرئاسية في إيران. إلا أن المغرب، ورغم تنظيمه لانتخابات جماعية، فإنه لا يعرف حراكا سياسيا حقيقيا، فلا يزال هناك جمود سياسي رغم بعض المحاولات المصطنعة لإحداث رجات سياسية من أجل جلب فضول الناس، والجمود السياسي هو شيء آخر غير الاستقرار السياسي، بحيث إذا كان هذا الأخير شرطا للتنمية الاقتصادية والاجتماعية، فإن الجمود السياسي يقتل كل إمكانات النهوض والتنمية. وإذا كان الاستقرار السياسي يحيل على دينامية وحيوية في الفعل السياسي، فإن الجمود السياسي يحيل على هدر للزمن السياسي، وكلما ازداد هدر الزمن السياسي كلما ازدادت خطورة الآثار والعواقب. وإذا كان الاستقرار السياسي نتيجة لروابط اجتماعية قوية، فإن الجمود السياسي يكون نتيجة تناقضات اجتماعية ولا ينتج إلا مظاهر اجتماعية تهدد الجميع. إن ما يعرفه المغرب الآن من تفشي لما يسميه المسؤولون الأمنيون بـ”جرائم القرب” من أسبابه هذا الجمود السياسي، ليس فقط لأنه يعطل إمكانات التنمية الاقتصادية والاجتماعية التي هي ضرورية لكل أمن روحي واجتماعي، ولكن أيضا لأنه يعطل إمكانات التأطير التربوي والسياسي.

سؤال:

ما هي رهانات هذه الانتخابات سواء من قبل الدولة أو الأحزاب؟

جواب:

كما قلت سابقا الانتخابات الجماعية لـ12 يونيو تتزامن مع انتخابات أخرى تعرفها بعض البلدان، والمتتبع لتلك الانتخابات يلاحظ نوعا من الدينامية السياسية، بحيث لا تخلو تلك الانتخابات من رهانات سياسية واضحة. بكل تأكيد الانتخابات الجماعية ليست هي الانتخابات البرلمانية أو الرئاسية، لكن هذا لا يبرر غياب رهانات سياسية في الانتخابات الجماعية، خاصة مع العمل بوحدة المدينة التي أقرها الميثاق الجماعي سنة 2002.

نلاحظ أن الرهان الوحيد لانتخابات 12 يونيو، والذي تجتمع عليه الدولة والأحزاب السياسية، هو عدم تكرار مأساة انتخابات 2007، وتحقيق مشاركة مشرفة، لأن ضعف المشاركة يمس شرعية الدولة والأحزاب على السواء، لذلك نلاحظ جهودا كبيرة من أجل دفع الناس للتوجه إلى صناديق الاقتراع، لكنها جهود تبقى في نظر الكثير من المتبعين ذات أثر محدود جدا، والذي تؤكده التجارب الانتخابية هو أن رهان المشاركة يرتبط ارتباطا وثيقا بالتنافس الانتخابي، وبالرهانات السياسية للانتخابات، وهي أمور مفقودة في الانتخابات المغربية، لذلك فانتخابات بدون رهانات لا يمكن إلا أن تكون انتخابات بدون ناخبين.

سؤال:

ما علاقة هذه الرهانات بانتظارات الشعب؟

جواب:

الشعب له انتظارات واضحة تهم وضعه الاجتماعي والاقتصادي، والاستجابة لهذه الانتظارات لا تكون بتوزيع الكلام والتشدق بكلمات كبيرة، ولكن يكون بأشياء ملموسة على أرض الواقع، وهذا ما لم تلمسه فئات عريضة من الشعب إلى حدود الآن، فالفقر والبطالة والأمية والتهميش وتفشي الأمراض وغير ذلك من الظواهر تشكل معاناة يومية للملايين من المغاربة، وللأسف الشديد فإن عقودا من الانتخابات لم تفد في تجاوز تلك الظواهر، بل إننا نجد أنفسنا اليوم أمام حقيقة مفادها، أن الغني يزداد غنى، والفقير يزداد فقرا، فكيف يشارك الناس في انتخابات لا يرون فيها إلا وسيلة لتحقيق المآرب الشخصية.

سؤال:

هناك من يقول بأن الدولة تتخوف من العزوف بينما العديد من المراقبين يتخوفون من التزوير. أين ستميل الكفة؟

جواب:

الدولة تتخوف كثيرا من العزوف لأن المشاركة الانتخابية هي أبرز صور المشاركة السياسية، ومن دعائم قوة أي نظام سياسي تحقيقه لمشاركة سياسية قوية، لأن النظام الذي يعرف مشاركة سياسية ضعيفة يكون مشكوكا في شرعيته وديمقراطيته ومهددا في استمراره. كما أن ضعف المشاركة السياسية السلمية من شأنه أن يقوي احتمالات العنف والمشاركة السياسية غير السلمية وهو ما يناقض في الصميم ما يسمى باستراتيجية مكافحة الإرهاب، التي تقودها الولايات المتحدة الأمريكية، والتي على أساس الانخراط فيها يكون التعامل مع الأنظمة العربية والإسلامية.

والذي يبدو من خلال تتبع مراحل انتخابات 12 يونيو 2009 أن نسبة المشاركة ستعرف تراجعا، ليس بالمقارنة مع انتخابات 2007، ولكن بالمقارنة مع الانتخابات الجماعية لسنة 2003، لأنه من المعلوم أن الانتخابات الجماعية تعرف في الغالب مشاركة أكثر من المشاركة التي تكون في الانتخابات التشريعية، وذلك راجع إلى بعض العوامل في مقدمتها كثرة عدد المرشحين في الانتخابات الجماعية مقارنة مع الانتخابات التشريعية.

وبالإضافة إلى هاجس العزوف بالنسبة للأحزاب السياسية والدولة، هناك هاجس التزوير بالنسبة للعديد من المراقبين، بمعنى أن احتمال العودة إلى التدخل المباشر في نتائج الانتخابات يبقى واردا.

فمن المعلوم أن انتخابات 2002 و2003 وبنسبة أقل انتخابات 2007 عرفت هامشا من النزاهة بمفهومها الضيق، الذي يعني عدم التدخل المباشر في النتائج واللجوء إلى أسلوب الضبط القبلي أو الضبط عن بعد من خلال نمط الاقتراع والتقسيم الانتخابي وغير ذلك، وقد أصبح من المحتمل جدا أن تتخلى الدولة عن هذه الاستراتيجية والرجوع إلى أسلوب إدريس البصري في التعامل مع الانتخابات، وهناك بعض المؤشرات التي تدفع في هذا الاتجاه منها ما عرفته انتخابات 7 شتنبر 2007 من تدخل مباشر في بعض الدوائر، وأيضا ما شاب مراحل الإعداد لانتخابات 2009 من خروقات، خاصة على مستوى التسجيل في اللوائح الانتخابية. وقد يكون السبب أيضا النسبة الضعيفة للمشاركة، بحيث تلجأ الدولة إلى النفخ في نسبة المشاركة.

نتحدث فقط عن النزاهة بمفهومها الضيق، أما النزاهة بمفهومها الواسع فقد تأكد الآن أنها مستحيلة التحقيق في بيئة سياسية ملوثة، فإذا كانت انتخابات 2007 عرفت استعمالا واسعا للمال والرشاوي الانتخابية، فإن انتخابات 2009 عرفت وستعرف ذلك بشكل مضاعف.

سؤال:

لماذا تقاطع جماعة العدل والإحسان هذه الانتخابات؟

جواب:

في البداية لابد من توضيح، فجماعة العدل والإحسان لا ترفض الانتخابات من حيث المبدإ، بل على العكس من ذلك ترى في الانتخاب وسيلة حضارية لا غنى عنها لكل من ينشد العدل ويرفض الاستبداد، لكن الجماعة ترفض المشاركة في انتخابات شكلية تعرف مسبقا أنها لا يمكن أن تلبي من خلالها انتظارات المغاربة. إن قيمة الانتخابات في قيمة المؤسسات التي تفضي إليها. ونحن حين نتمعن في الميثاق الجماعي، خاصة في فصوله 69 و70 و76 و77 نلاحظ أن المجالس الجماعية تخضع لوصاية شاملة ومشددة من قبل المخزن، ممثلا في الوالي أو العامل، فحتى أصحاب النيات الحسنة الذين قد يشاركوا في الانتخابات الجماعية من أجل التغيير فإنهم سرعان ما يواجهون بعدة أقفال، فما يكون عليهم إلا الاستسلام للنظام الجماعي الفاسد والملوث أو إبداء بعض أشكال المقاومة التي تنتهي في الغالب بتهميشهم وإقصائهم ولما لا إقالتهم حتى.

إن الانتخابات وسيلة وليست هدفا، ونحن نرى أن المشاركة في انتخابات لا تؤدي إلى تحقيق المصلحة العامة، كذب على الشعب وتمويه للحقائق. والانتخابات التي يمكن أن تشكل فعلا وسيلة للتغيير لابد لها من شروط دستورية وسياسية وأخلاقية وهي كلها شروط منتفية في الحالة المغربية.

سؤال:

ما هو بديل الجماعة إذن؟

جواب:

الجماعة تقترح على المستوى السياسي ميثاقا بين القوى السياسية يؤسس لممارسة سياسية سليمة، تحكمها المصلحة العامة، ويطبعها التنافس السياسي الشريف، ويؤطرها حس تربوي وأخلاقي يرقى بها عن الممارسة السياسوية.

قلت على المستوى السياسي، لأن السياسة لا تشكل بالنسبة للجماعة إلا جزءا من اهتمامها، لذلك يتم التأكيد دائما على أن الجماعة ليست حزبا سياسيا، بمعنى أن أعضاءها لا يجتمعون فقط على مبادئ سياسية، ولا يهدفون فقط إلى التأثير في السلطة السياسية. وإنما هم قبل ذلك ومعه وبعده يعملون ليكونوا عند الله عز وجل من المحسنين، يتوبون إلى الله عز وجل ويدعون الناس إلى التوبة. فالتربية والدعوة يحتلان حيزا هاما من اهتمامات الجماعة، ولعل ما نلاحظه من انحطاط على المستوى السياسي في المغرب يعود في أصله إلى مشكل تربوي. والتربية تحتاج إلى صبر وزمن ونفس طويل.

وبين مطمح الميثاق السياسي والعمل التربوي الدؤوب والمتواصل هناك مساحة للحضور السياسي المتميز للجماعة إلى جانب المستضعفين والمبادرة التي تفتح الآفاق وتفضح الاستبداد وتفتل في حبل إعادة الثقة وجمع الشتات.