من المفارقات العجيبة أن يكون في الناس من يظن بأنه في ظل الاستبداد الجامع لكل المخازي يمكن أن يتحقق التغيير المرجو، وبالدخول في جحره والقبول بشروطه يمكن التدافع مع قوى الفساد، والتقدم خطوات على درب الإصلاح المنشود.

لا أدري كيف يمكن أن يقنع المرء نفسه وعقله بالقبول بممارسات تتمثل فيها قمة الاستخفاف بالعقول، وبالدخول في هذا المعمعان الذي اختلط فيه الحابل بالنابل والتبست فيها المواقف والمصطلحات والألوان حتى لم يعد يُعرف من باليمين ومن باليسار، ومن يوالي ومن يعارض، حتى إن أحدهم تحدث هذه الأيام عن القصر المعارض والملك المعارض، والكل معارض حتى الحكومة معارضة. وفي كل يوم تسمع حديثا ومن ذات الشخص ينقض ما أبرم أمس، ويمسي على موقف ويصبح على آخر مغاير، دون أن تتحرك فيه ذرة من حياء تمنعه من التمادي في هذا الإسفاف غير المسبوق.

بصراحة لا أدري كيف تتأتى راحة البال والضمير مع هذه المسرحية الهزلية التي لم تعد تضحك أحدا، وإن أضحكت فضحكا كالبكاء، كما قال أبو الطيب، والتي تسميها دولة المخزن زورا بالانتخابات، لاسيما وأن عامة الناس، فضلا عن عقلائهم، قد هجروها واستهجنوا الخوض والخائضين فيها.

وحتى المشاركون، وبصرف النظر عن الدوافع والحوافز، يعرفون جيدا حقيقة هذه المهزلة المعروضة، ومن ثم قل من يجرؤ منهم اليوم على التحدث إلى الناس في موضوع الانتخابات، أو يحاول إقناعهم بجدواه. لذلك تراهم يلجؤون إلى بعض الأطفال أو الشباب مستغلين الحاجة أو الفراغ السائب لينوبوا عنهم في دس منشوراتهم وإشهاراتهم تحت أبواب المنازل والعمارات، مثل المتلبس بفعل قذر يخشى الفضيحة، أو يستأجرون من يشتت تلك الأوراق في الشوارع والأزقة فيلوثون ما ليس بحاجة إلى مزيد، ويضيفون إلى القمامة المتكدسة هنا وهناك أكواما من الأوراق يفوح منها نتن الرداءة وفساد الذمم.

ورغم أن هذه الانتخابات قد أصبحت، نظرا للظروف التي تتم فيها والشروط المذلة التي تخضع لها، مبتذلة وممجوجة، بل وحتى مستقذرة من أكثر الناس، فإنه من المؤسف أن تستبد بالبعض حمية الدفاع عن موقف الانخراط في هذه اللعبة والمشاركة في ما أسماه بحق الملك الراحل بـ”السيرك”، فيقع في خلط عجيب ويعتمد قياسا لا يصح، واستدلالا لا يستقيم، فيتورط بالتالي، من حيث يشعر أو لا يشعر، في التدليس وبما يشبه بمحاولة استغفال ذكاء الناس.

فتارة يتم تشويه الموقف المعارض قبل تسفيهه والإجهاز عليه. ومثال ذلك القول إن المقاطعين مثاليون وغير واقعيين، ويريدون أن يتم التغيير طفرة واحدة، وينتظرون لسذاجتهم حتى يكون كل شيء على ما يرام وبعد ذلك يشاركون. ولاشك أن الحديث عن المقاطعة بهذا الأسلوب فيه تبسيط شديد من شأنه أن يشوه الموقف ويعرضه في صورة كاريكاتورية تسهل للباحث عن انتصار وهمي تسفيهه وتبيان عدم جدواه. وهذا أسلوب لا يليق لا مروءة ولا دينا ولا خلقا. ولولا تماسك موقف المقاطعين والرافضين لدولة الاستبداد ودين الانقياد، لما كان هذا الصدى الواسع وهذا التجاوب الكبير معه. فهل يمكن اتهام كل هؤلاء بالبلادة وغياب الحس السياسي الصحيح؟!

وتارة يعمد أحدهم إلى إقحام بعض القواعد الأصولية أو البناء على مقدمات فاسدة لا تتحرى التعرف أولا على موضوع النزاع. ومثال ذلك الاستدلال على جدوى المشاركة في الظروف الراهنة بقاعدة “درء المفسدة مقدم على جلب المصلحة” أو “ارتكاب أخف الضررين” أو ما شابه ذلك. لكن الذي يتم تجاوزه، سهوا أو قصدا، لست أدري، هو التنبيه على أن الخلاف ليس حول تلك القواعد، إنما في تنزيلها وملاءمتها للنازلة المعروضة.

فإذا كنت تعتبر أن المشاركة في مؤسسات صورية وبدون صلاحيات معتبرة متعينة عملا بقاعدة “ارتكاب أخف الضررين” مثلا أوقاعدة “درء المفسدة مقدم على جلب المصلحة”، فإن غيرك وإعمالا لنفس القواعد يرى عدم مشاركة العابثين في عبثهم. وإذا سلمنا بما تقول إن المشاركة في الانتخابات معدودة من الخير، فإن من حق الطرف الآخر أن يسأل عن أي انتخابات تتحدث؟ فإذا المقصود هو الانتخابات كما هو متعارف عليها لدى العقلاء، فالأمر في هذه الحال واضح وليس بوارد المنازعة فيه، وأما إذا كان المقصود هو هذه المهازل التي تسميها دولة المخزن، ضحكا على الذقون، انتخابات، فإن القول إن المشاركة معدودة من الخير لا يستقيم البتة، إلا إن قبلنا طائعين، أن نضع عقولنا تحت أقدامنا أو في جيوبنا، ورددنا ببلاهة ما يروج له الخطاب الرسمي المتهافت، وتجاهلنا موقف السواد الأعظم من الأمة. فهل يجرؤ عاقل على تسفيه رأي الغالبية العظمى من الناس علما بأن من يتمتع فيهم بالذكاء ونظافة اليد وبعد النظر وسلامة الفطرة ليس بالقليل والحمد لله.

رب قائل يقول وهل كل المشاركين أغبياء؟ لا نقول هذا، وإنما الذي نقول به هو أن المسألة، من قبل الصادقين طبعا، مسألة تقدير، تحتمل وتحتمل. وبما أن الأمر كذلك، فما السبيل يا ترى لمعرفة الصواب من الخطإ؟ وإذا لم ننصت لنبض السواد الأعظم من الأمة، وإذا لم نعتبر بتجارب الآخرين ودروس الماضي البعيد القريب، وحصيلة السابقين واللاحقين، فمن أين لنا أن نحكم لهذا الاجتهاد أو ذاك أو عليه؟

إن تشويه موقف المخالف بغرض التمكن من تسفيهه مرفوض بكل المقاييس، وإن البناء على مقدمات خاطئة، أو التعسف في استنتاج ما لا يصح، أو الاستناد إلى قياس فاسد، أو عدم تحرير مناط الاختلاف أو موضوع النزاع… كل ذلك لا يفيد في خدمة الحقيقة، والتأسيس لبيئة علمية وفكرية وثقافية صحية، قد تتنوع فيها الاجتهادات، ولا ضير، لكن مع الحرص على أن يكون المنطلق سليما، والنية لله خالصة، وأن يكون المبتغى هو السعي لمصلحة أمة الإسلام، مؤثرين السبيل الذي ترجح في تقديرنا جدواه، وليس إيثارا لسلامة الطاعم الكاسي، أو نزوعا للسهل وإن كان على حساب الدين والمروءة والأخلاق، عافانا الله.