تحت عنوان “السلطة والعدل والإحسان.. من يمسك العصا من الوسط” كتب السيد “توفيق بوعشرين”، مدير ورئيس تحرير يومية “أخبار اليوم” حلقتين في عموده “الرأي الآخر” في عددي 75 و76، يحاول تحليل بعض جوانب علاقة السلطة بالجماعة، محملا مسؤولية “بقاء جماعة كبيرة خارج التأطير القانوني” للطرفين، وإن بتفاوت، ومعتبرا أن طمأنينة الدولة لهذا الواقع تفكير خاطئ، وواصفا عقل الجماعة في المقابل بـ”المثالي” الذي يفتقد “مسحة من الواقعية”.

وقد طالب بوعشرين، في خلاصة كلامه، الجماعة بسلسلة مطالب، وهي: “زرع بذور الواقعية في تفكيرها، تحصين جسدها من العنف، قبول العمل في ظل الدستور الحالي والمطالبة بتعديله”. ليخلص إلى القول بأن “هذه هي قواعد اللعب الديمقراطي، غير هذا مغامرات لا يقدر عاقل على دخولها”.

وقبل الدخول في نقاش مدى موضوعية هذه الأحكام ورصانة هذا التحليل أبدي ثلاث ملاحظات قد تفيد في هذا النقاش:

أولا: الزميل توفيق بوعشرين لا يقدم نفسه كصحافي مكلف بتجميع الأخبار فقط، بل هو باحث يتعداها إلى التحليل والتعليق. وهو فعلا يمتلك من أدوات البحث ما جعله يفرض اسمه في الساحة الإعلامية المغربية وبعضً من منتديات الحوار والنقاش الفكري والإعلامي والسياسي. وهذا ما يُحمِّل صاحبنا مسؤولية مضاعفة في دقة ما يذهب إليه، ليس على مستوى صحة المعلومة وإنما على مستوى رصانة التحليل أيضا، وإلا فإن صفة “الباحث” تصبح تحت مشرط “الجرح والتعديل”.

ثانيا: أكيد أن “العمود الصحفي” مساحة للتحليل والتعليق والرأي، والأكيد أيضا أن التعليق والتحليل على مستوى العمود يمتاز بالتناول الخفيف للمواضيع المطروحة وذلك للمساحة المخصصة للعمود، وهذا بخلاف “المقال التحليلي” الذي تتسع فيه المساحة للتعاطي الأكثر جدية مع المواضيع المعقدة والمركبة.

ولأن صاحب العمود يدرك ذلك فإنه غالبا ما يتحاشى الدخول في مثل المواضيع التي ذكرنا مجملة أو أنه يتناول جانبا منها أو يخصص حلقات كافية لإعطاء الموضوع ما يستحق من المعالجة، وهذه الآلية الأخيرة-حلقات- وظفها صاحب العمود “توفيق بوعشرين” في مواضيع أخرى في عموده السابق في جريدة المساء. غير أنه اكتفى بحلقتين “خفيفتي الظل” عن موضوع مركب يخص العدل والإحسان ونظام الحكم يمتد لأزيد من 30 سنة ويطال مختلف المجالات، مما أفقد التحليل العمق والجدية المطلوبين.

ثالثا: لي على موضوع بوعشرين ملاحظات كثيرة بعضها له علاقة بأخطاء في المعلومات (كالقول بأن قيادة الجماعة قالت في آخر لقاء صحفي إن الدولة “لا تستدعيك إلى المفاوضات إلا إذا أرادت منك شيئا” وما أتبعه توفيق من استنتاجات)، وأخرى بالتعارض في الاستنتاج والتحليل (كالقول بأن العدل والإحسان لم تعد بالقوة التي كانت عليها في التسعينات، ثم القول بأن الجماعة تنشط على طول خارطة البلاد واستعراض عدد من أوجه هذا النشاط ثم توصيفها بالجماعة الكبيرة)، ومنها ما يفتقر إلى الحجة والدليل (كالحديث عن ضرورة إدراك الجماعة لبنية الأنظمة الحاكمة المعقدة قبل تحريك أوراق المطالب) وغيرها. ولكن حتى لا نصبح في دراسة عوض مقالة نقدية أكتفي بنقاش ثلاث أفكار محورية أوردها الكاتب.

أولا: “الزوجة المعلقة”.. من أجل توسيع نطاق “المدونة”

“وضعية جماعة العدل والإحسان في المشهد السياسي المغربي كالزوجة المعلقة، لا هي مطلقة ولا هي متزوجة”، هكذا افتتح توفيق بوعشرين حلقته الأولى من الموضوع معتبرا أن هذا الوضع مريح للسلطة التي تريد إبقاء الجماعة في وضعها الراهن “بين المنزلتين” فلا هي بـ”حزب سياسي معترف به” ولا هي بـ”جماعة محظورة ممنوعة الحركة والنشاط”.

إذا كانت وضعية “الزوجة المعلقة” يصح الاصطلاح بها على حالة معينة في العلاقات الأسرية الاجتماعية بناء على تأطير شرعي معروف، فإن الانتقال باللفظ وإيحاءاته للتداول داخل مجال آخر يدفعنا إلى تحديد الأرضية التي عليها نتحرك والإطار الذي إليه نحتكم. إذ الواضح أن بوعشرين انطلق في توصيفه هذا على أساس مختلٍّ ديمقراطيا وارتهن لنظرة قاصرةٍ سياسيا:

* ففيما يخص الأساس المختل فهو التسليم بشرعية وديمقراطية الإطار السياسي الرسمي، ولذلك أسماه بوعشرين بـ”حقل الممارسة الشرعية”، ومن تم أحقية-إن لم يكن إلزامية- التقيد بمساحته وقواعده وضوابطه لكل من أراد ممارسة العمل السياسي والتصدي لقضايا الشأن العام. وعليه فكل من رفض هذا الإطار ومارس العمل السياسي من خارجه فهو إما “زوجة معلقة” أو “مطلقة” أو “عانس” أو “زانية”، وهي الرؤية التي لا تستقيم مع كتابات بوعشرين نفسه الذي يشتكي من غياب الممارسة الديمقراطية وهيمنة الحكم الفردي في المغرب.

إن التأطير الدستوري والسياسي والقانوني للعمل السياسي في المغرب يجعله “بيتًا للطاعة” على كل داخل للحمى السياسي لـ”السيد” في تعارض صارخ مع نصوص واضحة في “مدونة الديمقراطية”، وإن الإطار السياسي الرسمي لا يستند إلى أدنى مسحة من الديمقراطية والتأطير السياسي السليم والتداول على السلطة، وبالتالي فإن “عقد القران” مع مخزن سفيه وفق شروط الإذعان التي يفرضها وضمن هذا الأساس المختل ديمقراطيا لا يعدو أن يكون “زواج متعة” أو “زواج عرفي” يسمى بميزان الشرعة الديمقراطية والشورية “سفاحا سياسيا غير شرعي”.

وعليه فإن دعوة العدل والإحسان إلى “قبول العمل في ظل الدستور الحالي والمطالبة بتعديله” لم يؤسس له صاحبنا التأسيس الفكري والسياسي اللازم، لأن المأدبة الرسمية التي يدعوها لها مأدبة مصالح لا تدبير للشأن العام فيها وقسمة ضيزى لا عدل معها.

* أما النظرة القاصرة التي حكمت، في رأيي، توفيق بوعشرين في توصيفه للوضع الذي تعيشه الجماعة والموقع الذي تحتله إزاء النسق السياسي الرسمي، فهي النظرة إلى مجمل المشهد السياسي من الداخل والانحصار في هذه الرؤية. إذ لا شك أن للعمل السياسي بوابات وأوجه ومساحات، ولا يختلف اثنان في أن الاشتغال من داخل النسق الرسمي إحدى أهم هذه البوابات ولكنها ليست الوحيدة، خاصة عندما لا تؤدي مختلف قنواتها إلى ممارسة حقيقية للسلطة ولا يتعدى أن يكون حضور الفاعل السياسي فيها ديكورا تجميليا لتزيين واجهة الاستبداد.

شخصيا لا أفهم لم هذا الإصرار عند كثير من “الباحثين” على حصر أنفسهم في الرؤية من داخل النسق السياسي الرسمي، فتراهم يحصرون المشاركة السياسية في المشاركة الانتخابية، وكل عمل مهما كان شعبيا وجماهيريا ومهما اكتسى من درجات التأثير فهو ليس سياسيا أو سياسيا من درجة ثانية حتى يسلك في دائرة النسق الرسمي. وأستغرب حقا هذا الإصرار خاصة في ظل واقع نظمنا العربية المغرقة في الاستبداد والسلطوية والحكم الفردي. مع أن الجميع يعلم أن للمشاركة السياسية والعمل السياسي بوابة أخرى “غير رسمية” اسمها المجتمع والشعب يطلق عليها “التدافع الأهلي” أو “التغيير المدني” أو خط “الثورة” و”القومة” أو مسلك التغيير الجذري. أي نعم يبتعد أصحاب هذا الخيار-في ظل الشروط المخزنية المجحفة- عن المؤسسات السياسية الرسمية لكنهم ليسوا معلقين ولا بين البينين أو المنزلتين، بل أمامهم مساحات أوسع وأرحب هي الإطارات الجماهيرية والفضاءات الشعبية للعمل والضغط والتأطير.

وإن القول بأن ما أملاه نظام الحكم هي “قواعد اللعب الديمقراطي” التي يعتبر رفضها والخروج عليها “مغامرات لا يقدر عاقل على دخولها”، بقدر ما يشرعن لإطار وقواعد عمل أسسها نظام الحكم بشكل فردي لم يشرك فيها الفاعل السياسي والمجتمعي، يعد أيضا اختزالا كبيرا للعمل السياسي وقفزا غير مبرر لإمكانيات التدافع والاشتغال من خارج النسق الرسمي وما يتيحه من مجالات وآليات عمل معتبرة.

فما أحوج مفكرينا إلى توسيع نطاق “مدونتهم السياسية” لئلاَّ تسقط تحليلاتهم في الرؤية الاختزالية لمجالات العمل المجتمعي والتدافع السياسي فلا يروا من حالات التموقع السياسي إلا “بيت الطاعة” أو “الزوجة المعلقة”.

ثانيا: مشروع بُني على خطاب المظلومية.. أصحيح؟

قال صاحبنا: “الذي يرجع إلى تاريخ الجماعة وأدبياتها يلحظ أن الجماعة بنت فكرها وتنظيمها وخطابها وقاعدتها على أساس الاحتجاج والمظلومية”، قال هذا الكلام في سياق قراءته لمسؤولية الجماعة عن واقع علاقتها بالسلطة، وذلك بعد أن عرض من زاوية نظره مسؤولية الدولة في الحلقة الأولى.

هذا الحكم الذي قدمه “توفيق بوعشرين” يفيد بأن مشروع جماعة العدل والإحسان تأسس على الشعور بالمظلومية فانعكس هذا الشعور على مستوى الفكر والتنظيم والخطاب والقاعدة، كما أن الجماعة وظفت هذا الخطاب ليكون “أداة من أدوات احتجاجها”.

إن هذا التعميم، وبهذا الحجم، يدفعنا إلى مساءلة “الباحث” بوعشرين عن دقته وجديته فيما ذهب إليه، لأني صراحة أرجح “شطحة القلم” على “الإدراك الحقيقي” لحجم ومعنى هذا الحكم، ومن تم فهو لا يعني ما يقول، وإلا فإن هذا الكلام يفيد بأن “المظلومية” قضية مركزية في تصور الجماعة ومشروعها المجتمعي.

وفي هذا الصدد فالجميع يعلم أن مسيرة العدل والإحسان تميزت بأسبقية المشروع على الممارسة، إذ أن محور مشروع الجماعة النظري تأسس قبل تدشين مسيرتها الحركية والدعوية، والمعروف أيضا أن المظلومبة التي مست الجماعة وأعضاءها وأنشطتها لاحقة على المشروع الذي نظرت له وتبنَّته، وبالتالي كيف بنت العدل والإحسان فكرها –السبَّاق- على المظلومية –اللاحقة-؟!.

ولو دققنا أكثر، يمكن القول بأن الباحث في فكر جماعة العدل والإحسان قد يقف على محورية التربية وأولوية الإنسان ومركزية قراءة التاريخ ومصيرية العدل وحتمية الوحدة، لكن أن تكون “المظلومية” إحدى الأساسات الفكرية التي بُني عليها مشروع العدل والإحسان فهو الشيء الجديد والمستغرب بالنسبة لي، ولربما لغيري. فعندما يُقارِن مشروع الجماعة، مثلا، بين الشورى والديمقراطية مُميِّزا بين الجوهرين وقابلا الاستفادة من الآلية الديمقراطية فلا أدري أين هي “المظلومية”. وحينما يتحدث الأستاذ عبد السلام ياسين عن الوحدة الحتمية للأمة الإسلامية ويقترح لها إطارا سياسيا هو الفيدرالية لا أعلم أين هي “المظلومية”. ونفس السؤال يطرح عندما تشدد الجماعة على إعداد الإنسان وتربية الإنسان وإعمار الإنسان. والشيء نفسه يقال حينما ترى العدل والإحسان في الأمم الأخرى “أمة دعوة” يجمعنا وإياها “حلف فضول” و”ميثاق إنساني مشترك”.

ما شابه هذه الاستفهامات التي طرحناها في المستوى الفكري، يمكن أن نطرحها على السيد بوعشرين فيما يخص حضور “المظلومية” على باقي المستويات التي قال، التنظيم والخطاب والقاعدة. إذ ما معنى، مثلا، أن التنظيم بني على المظلومية؟ هل حلقاته وقوانينه وعلاقاته وثقافته تأسست على فلسفة المظلومية؟ وما معنى ذلك؟. أم أن المقصود هو أن التنظيم يراعي ما يتعرض له أعضاؤه من اعتقالات ومتابعات، ومحاضنه من تشميع، ومعلوماته من محاولات سرقة؟ وفي هذه الحالة، هل هذا مستغرب؟ وهل لدى بوعشرين قطعيات تفيد أن هذه المراعاة تستغرق مجمل عمل التنظيم ويتأسس عليها هيكله؟ وبالتالي كيف يمكن أن نطلق هذا النوع من التعميم دون تدقيق؟

كان بالإمكان القول مثلا، وبغض النظر عن اتفاقنا أو اختلافنا، أن جزءًا من خطاب العدل والإحسان الإعلامي يستحضر بكثافة المظلومية الواقعة عليه من نظام الحكم، أو أن تنظيم العدل والإحسان وبحكم الملاحقات الأمنية لعمله واشتغاله يراعي هذا المعطى في حركته وحجم نشاطه، أو أن المظلومية محورا ثابتا فيما يتلقاه قواعد العدل والإحسان… أو ما شابه من الأقوال التي يلتجئ إليها “الموضوعي” و”الباحث” و”المتخصص” خوفا من السقوط في التعميم الفج. أما القول بأن فكر وتنظيم وخطاب وقاعدة الجماعة وبالتالي تاريخ وأدبيات العدل والإحسان كلها بنيت على المظلومية والاحتجاج، فهي الأشياء التي نربأ بمن يقدم نفسه “باحثا” و”مختصا” على أن يقع فيها.

ثالثا: بين العقل المثالي والعقل الاستسلامي.. مساحة العقلاء

واستمرارا من صاحبنا في إمساك العصا من الوسط مُحمِّلا المسؤولية عن واقع العلاقة بين الدولة والجماعة للطرفين معا، انتقل للحديث عمَّا أسماه “العقل المثالي” للجماعة وهو في رأيه النصف الثانية للكأس بعد أن أوصله تحليله، في تأمل النصف الأولى، إلى انتفاء رغبة السلطة في إدخال رقم إسلامي ثان إلى المعادلة الحزبية الهشة بعد رقم “العدالة والتنمية”.

قال بوعشرين: “النصف الثاني يتحمل مسؤوليته العقل (المثالي) للجماعة، وعدم وجود مسحة من الواقعية في فكر وممارسة الجماعة”، ليستعرض مؤشرين رئيسيين للاستدلال على ما ذهب إليه، مؤشر خاص بالمفاوضات وآخر متعلق برسالة مرشد العدل والإحسان إلى الملك محمد السادس.

المؤشر الأول بُني أصلا على معطيات غير دقيقة نُقلت للرجل أو سمعها ولم يتلقفها مباشرة ممن كان طرفا فيها. فقولك بأن قيادة الجماعة قالت في آخر لقاء صحفي: “إن الدولة لا تتفاوض مع أحد، إنها لا تستدعيك إلى المفاوضات إلا إذا أرادت منك شيئا” ليس دقيقا، بل إن قيادة الجماعة قالت بأنها قبلت الجلوس للتفاوض واشترطت أمورا جوهرية وشكلية فوقع الاختلاف على نسبة لفظ الجلالة لبشر، وتكسَّرت المفاوضات على صخرة البيعة وتقبيل اليد اللذين رفضتهما الجماعة. وفي هذا السياق قالت قيادة الجماعة بأن الدولة يحكمها منطق الإملاء لا التفاوض، وإلا فمن بديهيات التفاوض أن “يريد منك الآخر شيئا” كما تريد منه.

وقد كان بإمكان صاحبنا أن ينظر للحالة الثانية من محاولات تدشين مفاوضات بين الدولة والجماعة، وذلك حتى يستوثق قبل إطلاق تهمة “المثالية” على عقل ومطالب “العدل والإحسان”. إذ قبلت الجماعة مبدأ التدرج في حل ملفاتها العالقة، غير أنها طلبت البدء بملف المعتقلين الاثني عشر المحكومين بعشرين سنة، لكن “حسن أوريد”، ممثل الدولة على عهد محمد السادس، اكتفى بالقول بأنه مخول للحديث في ملف واحد هو حصار الأستاذ عبد السلام ياسين. وبالتالي فإن العدل والإحسان تدرك فعلا أن “السياسية هي فن التفاوض” لكنها تدرك أيضا أن الثبات على المبادئ أثناء التفاوض ليس بالضرورة مثالية، كما أن الاستسلام والتنازل ليس بالضرورة واقعية.

المؤشر الثاني في نظر رئيس تحرير “أخبار اليوم” على مثالية عقل الجماعة هو رسالة مرشدها إلى الملك محمد السادس عند بداية حكمه-للتصحيح أستاذ بوعشرين عنوانها “مذكرة إلى من يهمه الأمر” وليس “إلى من يهمه الأمر”-، والتي طالب فيها الأستاذ عبد السلام ياسين الملك بإرجاع “أموال والده الحسن الثاني إلى الشعب”، هكذا كتَب بوعشرين، متسائلا إن كان “هذا مطلب واقعي”؟ ومستهجنا “رفع سقف المطالب إلى درجة التعجيز”.

أولا: ما رآه بوعشرين ملكية خاصة “أموال والده”، أسماه مرشد الجماعة “أموال الأمة”، وشتان بين الوصفين وما يختزلانه من رؤية. ووفق رؤية صاحب المذكرة هذه، فالمال هو للأمة انصرف من الحساب العام إلى الخاص حين فَسدت السياسة واستُغلَّ الاقتصاد واستُنزفت خيرات البلد، ومن تم فلا تعجيز ولا مثالية في دعوة ملك جديد، يقول في بداية عهده بأنه “ملك الفقراء”، بإرجاع المال إلى البلد للتخفيف عن هؤلاء الفقراء.

وثانيا: “مذكرة إلى من يهمه الأمر” تطرح مدخلا جذريا لمسار صحيح وخطوة جدية لمرحلة جديدة، يتأسس على تجديد شرعية الحكم لتتعدى التوريث المرفوض شرعا وسياسة وتنبني على الإصلاح السياسي والاقتصادي. ومع ذلك فقد حفظت للملك الجديد مكانته ولم تحمله وزر الماضي، آملة انخراطه الفعلي في مشروع التغيير والإصلاح.

ولعل الحصيلة بعد عشر سنوات من العهد الجديد غنية عن كل حديث، فلا أموال الشعب أُرجعت ولا اقتصاد قوي أُسِّس ولا سياسة جدية دُشِّنت. لم يأخذ النظام الملكي باقتراح العدل والإحسان، فماذا اقترح ويقترح علينا “العقلاء” للخروج بالبلد من عنق الزجاجة؟

ثالثا: القول بأن هذا الاقتراح يصل إلى “درجة التعجيز” فيه من المبالغة ما فيه، إذ العجز هو عدم الاستطاعة على الفعل وخروجه عن دائرة الإمكان. فهل هذا الاقتراح ينطبق عليه هذا الوصف؟ وما المقياس، ومن المقياس، حتى يحكم أحد على أن شيئا يقع في دائرة التعجيز؟. كان وما زال نموذج الإنسان-وليسا مخلوقا آخر- الحاكم عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه متألقا وشاهدا وحجة على إمكانية هذا الطرح وجديته لا مثاليته واستحالته.

ويمكنني أن أضيف، حتى لو صح أحد هذين المؤشرين اللذين أوردهما السيد بوعشرين، أو كلاهما، فإن ذلك غير كاف لإطلاق هذا الوصف والوصول إلى حكم عام عن عقل الجماعة “المثالي” ومطالبها “التعجيزية”. بل إني أجد العكس تماما في حديث العدل والإحسان عن الميثاق الإسلامي أو الوطني، والبناء المشترك للمستقبل، والدعوة للجمعية التأسيسية، والدستور المنبثق عن المجتمع عوض الممنوح، وفصل السلط، والانتخابات الحرة النزيهة التي تؤدي للممارسة الحقيقية للسلطة، وغيرها من المطالب والاقتراحات التي تعرضها الجماعة وتدعو الجميع دون استثناء للتداول فيها وفي غيرها، لننسج نسج العقلاء ونؤسس لنظام حكم يحترم شعبه ويتقيد فعلا بالحكامة الرشيدة.

وحتى لو وضعنا عقل العدل والإحسان “المثالي” جانبا، ونظرنا إلى الساحة السياسية المغربية والمطالب التي قد توضع في دائرة “الواقعية” فإنها على بساطتها وبؤسها لم تلمس طريقها، إلى الآن، نحو الدسترة والتفعيل، بدءًا من اختيار الوزير الأول من الحزب الأول في الانتخابات، ومرورا بتوسيع صلاحياته الضيقة، وليس انتهاء بضبط دورية مجلس الوزراء. أما الحديث “الواقعي” عن إصلاحات جدية تنطلق من تعديلات جوهرية في الدستور وتنتهي بملكية برلمانية يسود فيها الملك ولا يحكم فإنه حديث خافت مبحوح لا يكاد يُسمع.

إن ما بين المثالية والاستسلام مساحة واسعة جدا، يملؤها العقلاء بمطالب محدَّدة ومعقولة، يراعون فيها الواقع وتعقيداته ويستحضرون حسابات المرحلة ومتطلباتهم فيها، ويدركون أنهم لن ينتزعوا كل شيء في لحظة من الزمن، ولكنهم لا يقدمون المواقف المجانية ولا يُمنُّون النفس بأوهام العابثين ولا يبتاعون عرضا زائلا بمبادئ راسخة.

وختاما

سبق لي شخصيا أن سجلت عددا من المؤاخذات على ما كتبه السيد “توفيق بوعشرين” عندما تعاطى مع قضايا تهم العدل والإحسان، أو غيرها، في عموده السابق “الرأي الآخر” في “المساء” أو الحالي “الرأي الآخر” في جريدته “أخبار اليوم” أو في تصريحاته الإعلامية المختلفة، ولكن لم أنخرط، وغيري كثير من أبناء الجماعة، ردا أو تصحيحا أو إبداء لوجهات نظرنا فيما كتبه أو خطه غيره. ولعلها مناسبة للقول بأن العدل والإحسان راكمت في تجربتها سلوكا أصبح عرفا عفويا عند أعضائها وأطرها، وهو عدم الانخراط في السجال والجدال والرد والرد على الرد، وهو ما يُحجم الكثير من الردود على ما يُكتب في الصحافة ويُقال في الإعلام. ولكن بين الفينة والأخرى، وحتى لا يُظنَّ بأن ليس للجماعة ما تقول، يطلع صوت هنا أو هناك لإبراز بعض من نظرة العدل والإحسان ورؤيتها للأشياء.

ختاما وحتى يوضع الأمر في نصابه ولا يتعداه، أقول: تعلمنا في مدرسة العدل والإحسان ألا يشتطَّ بنا الخلاف مع غيرنا لننزلق بخسا لحقه أو توسيعا لدائرة تباين التقديرات معه على حساب المشترك والجامع مهما قل أو ضعف، وفي هذا السياق لا أخفي احترامي الشخصي لكثير مما يكتبه “توفيق بوعشرين” أسلوبا وطريقة عرض للأفكار، ولا أنكر اتفاقي مع بعض من تحليلاته وتقديراته للأشياء عندما يصيب رأيه ورؤيته ويسنده العقل ويدعمه المنطق. أما عندما يخفق في ذلك، في تقدري على الأقل، وتخونه أدوات “البحث” و”التحليل” كما فعل في قراءته للعدل والإحسان وعلاقتها بالسلطة فلا يسعنا إلا أن نختلف معه. والاختلاف لا يفسد لقضايا الوطن المشتركة ودا.