أجرى موقع الجماعة حوارا مع ذ. عبد الهادي بلخيلية عضو مجلس الإرشاد تحدث فيه عن دعوة العدل والإحسان وعن دعاوي تراجع الجماعة وعن العنف وعن الحملة المخزنية.

سؤال:

هناك من يتحدث عن تراجع في دعوة العدل والإحسان وفي إقبال الناس عليها بعد هذه الحملة المخزنية عليها، فما حقيقة هذا الأمر؟

جواب:

بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على سيدنا محمد وآله وصحبه. في البداية أشكر لكم هذه الفرصة التواصلية التي مكنتموني فيها من التواصل مع جمهور الموقع الإلكتروني للجماعة. أما عن حديث البعض عن تراجع الجماعة، فهذه من الدعاوى المغرضة والتهم الواهية التي يسوقها الواهمون للنيل من دعوتنا بعد ما فشلت الحملة المخزنية الشعواء علينا. تلكم الحملة التي بدأت منذ أواخر ماي 2006م حين أعلن وزير الداخلية، في عبقرية غير مسبوقة، أن جماعة العدل والإحسان خارج القانون بسبب إكثارها من أنشطتها. تلكم الحملة المقيتة التي استعمل فيها المخزن كل الأساليب الشيطانية لاجتثاثنا بدءا بمنع الأنشطة وضرب واعتقال الأعضاء ومحاكمتهم، مرورا باقتحام البيوت وتشميعها والاستيلاء على الممتلكات، وصولا إلى تشريد العائلات واعتقال المؤمنات وترويع أطفالنا وجيراننا وأحبابنا. والحقيقة أن الذي يكثر من أنشطته جسم سليم معافى بلا شك. والواقع أن من تعرض لكل ذلك الهجوم الوحشي وصمد ونجح في معركة الوجود أبعد بكثير من أن ينعت بالتراجع أو الضعف. فالعكس هو الصحيح لأن هذه الحملة المخزنية لم تأت إلا بعد أن أغاض السلطة الحيوية التي تعيشها الجماعة والانفتاح الكبير الذي عمدنا إليه بفتح بيوتنا ومحاضننا وقلوبنا للناس المقبلين علينا أفواجا للاطلاع على مشروعنا التربوي والسياسي.

لقد كان من أهداف تلك الحملة ترهيب الناس وإبعادهم عنا وعن أنشطتنا. لكن السحر انقلب على الساحر، إذ حظينا ولله الحمد عقب كل اضطهاد يتعرض له أحد أعضاء الجماعة، بتعاطف كبير والتفاف منقطع النظير، إذ لم يتوان الجيران عن زيارة بيوتنا ولم يتردد كل من عرفنا وشهد بصدق دعوتنا في التعبير عن مواساته ودعمه لنا واستنكاره الشديد لما يمارس علينا.

وهناك دليل آخر على قوة الجماعة وانتصارها في هذه المعركة هو استمرارها في أنشطتها المتعددة والمختلفة. فقد تواصلت اللقاءات التربوية (مجالس النصيحة، الرباطات،…) رغم المداهمات، واستمرت الأنشطة الإشعاعية (المحاضرات، المظاهرات والوقفات التضامنية مع غزة،…) رغم الحصار ومظاهر العسكرة التي تلجأ إليها السلطة.

إن تقييمنا الموضوعي لما حدث، وبدون مزايدة، أننا ولله الحمد ربحنا من تلك الحملة الظالمة ما لا يمكن كسبه في الظروف العادية، فقد توسع صفنا وتماسك، وازداد المتعاطفون معنا وتميز موقفنا السياسي، واتضحت مظلوميتنا، وازداد صيت الجماعة في الداخل والخارج.

سؤال:

يلاحظ أن الجماعة مستمرة رغم الحصار المضروب عليها، وهناك من يرجع ذلك إلى الأساس التربوي الذي تتبناه الجماعة، ما سر عدم فعالية هذا الحصار؟

جواب:

من مفاهيمنا المنهاجية الكبرى مفهوم اقتحام العقبة. فكل منتسب لجماعة العدل والإحسان يوطن نفسه منذ البداية على أن طريق الدعوة ليست مفروشة بالورود، بل هي عقبة كأداء يجب اقتحامها. والعقبات كثيرة: عقبة النفس الميالة إلى الدعة والسكون، وعقبة الأنانيات المحيطة بك، وعقبات الأعداء والخصوم المتربصين. فكيف نصانع هذه العقبات لاقتحامها؟ كيف نتغلب عليها؟

إن جماعة العدل والإحسان تربي أفرادها على حمل مشروعها الدعوي والمنافحة عنه وعلى المدافعة بالتي هي أحسن حتى تبلغه لعباد الله المؤمنين وجماهير المسلمين والناس أجمعين وفق منهاج رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام.

أما فشل الحصار المخزني فمرده إلى الأسباب التالية: أولا لأنه حصار ظالم بجميع المعايير، والله تعالى لا ينصر الظالم على المظلوم. ثانيا: هذا الحصار مكر سيء بدعوة صادقة نقية طاهرة، ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله. ثالثا: إن المعاناة والابتلاء والأذى لا يزيد أصحاب الدعوات إلا تمسكا بها وثباتا عليها ويقينا في نصر الله لعباده المؤمنين، والحصار المخزني الجبان لا قبل له بهذه العقيدة في معركة التدافع بين الحق والباطل. رابعا: جسم الجماعة لحمته حب وتحاب في الله وتعاهد على نصرة دين الله وبذل وقت وجهد وتجارة مع الله لن تبور بإذن الله. فحينما نعيش الاجتماع على ذكر الله وعلى تلاوة القرآن وعلى مدارسة سير الصحابة فذلك لا شك يغرس في القلب حلاوة الإيمان ويعمق الشوق إلى الله سبحانه وتعالى فتهون أمام هذا العطاء الرباني جميع أصناف المعاناة والتنكيل التي تتعرض لها الجماعة.

كما أن صحبتنا لأخينا المرشد حفظه الله نبع فياض نتشرب منه معاني الرجولة والإحسان والربانية. وهذا الرجل الذي ابتلي وأوذي واستصغر كل شيء من أجل هذه الدعوة الغالية يجعلنا نسير معه وبصحبته من أجل تبليغ كلمتنا واضحة ناصعة لا نخاف في الله لومة لائم. وهذا طريق الدعوات الصادقة، قال سبحانه عز وجل: ولقد كذبت رسل من قبلك فصبروا على ما كذبوا وأوذوا حتى أتاهم نصرنا ولا مبدل لكلمات الله

سؤال:

بالإضافة إلى الهجمة المخزنية، تتعرض جماعة العدل والإحسان بين الفينة والأخرى لحملات تشويه من قبل بعض التيارات التكفيرية. في نظركم لماذا يحدث ذلك؟ ومن يقف وراء هذه التيارات؟

جواب:

هذه التيارات التي تكفر الأمة وتتبنى العنف وسيلة لنشر أفكارها تُجانب سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم في مخالطة الناس والصبر عليهم وتحمل كل ما يترتب على نشر الدعوة، وشعار رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك: “اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون”، “إني أريد أن يخرج من أصلابهم من يوحد الله”، …

ثم إن هذه التيارات مجانبة للفهم السليم لكتاب الله عز وجل ولسنة المصطفى صلى الله عليه وسلم. وهي بطبيعتها المنكفئة على ذاتها لا يمكن أن تنبت وتثمر وسط الأمة لأن رؤيتها للدين مجانبة للحكمة والرحمة اللتين أمرنا بهما شرعا. لكن هناك أياد بلا شك تدعمها من أجل محاربة دعوة العدل والإحسان وكل دعوة صادقة. فإذا كان البعض يُكفّر ويُعنّف على الناس بجهل وبغير علم، فإن بعضا من التيارات التكفيرية تكيل لدعوتنا الاتهامات بإيعاز من السلطات المخزنية التي تستغل كل شيء من أجل النيل منا. لذلك لا يتردد البعض في تكفيرنا أو نعتنا بأشنع النعوت من أجل تشويه جماعتنا، محاولا إرضاء السلطة وتعبيرا عن شكر “نعمة” من يغدق المال بغير حساب على كل مستعد للإجهاز على الدعوات الصادقة.

ونحن نربأ بأنفسنا أن ننخرط في المعارك الهامشية والمفتعلة لأن غاياتنا أكبر ومشروعنا أشرف من أن نتيه في سفاسف الأمور.

كما أن فكر جماعة العدل والإحسان ينبني على أصول محكومة بالقرآن والسنة. وقد آثرت الجماعة منذ تأسيس بنائها النظري للعمل الإسلامي أن ترسخ مفاهيم الرفق والرحمة والوضوح والمسؤولية جوابا على العنف وأهله. وما فتئنا نرفع لاءاتنا المعروفة والمشهورة: لا للعنف، لا للعمل السري، ولا للتبعية للخارج. ثم إننا مقتنعون أن العنف يهدم، وأن العمل المبني على عنف لا يأتي بخير، وأن الرفق ما كان في شيء إلا زانه، وأنه ما نزع من شيء إلا شانه كما أوصى رسول الله صلى الله عليه وسلم.

سؤال:

رغم حملات العنف على الجماعة طيلة عقود من الزمن يلاحظ أن الجماعة لم تستدرج إلى الرد بعنف مضاد، لماذا؟ وما هي ضمانة الاستمرار على هذا النهج؟

جواب:

العنف مرفوض عندنا مبدءا وممارسة. وستبقى جماعتنا ملاذا تربويا للأمة من أجل حماية الشباب من الانجراف وراء الأفكار المنغلقة والمتطرفة التي تزرع العنف والكراهية والتعصب. ومنذ تأسيسها والجماعة، ولله الحمد، تربي أبناءها وبناتها على هذا المبدأ، مع الصبر والمصابرة والثبات على خطنا اللاحب، والإلحاح على التمسك بحقنا المشروع في الدعوة والحركة والاجتماع على ذكر الله وحفظ القرآن الكريم، ونشر أسلوبنا المبني على الرفق والرحمة ومخالطة الناس حتى نتوسط أمة رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولم تتوان الجماعة عن هذا النهج التربوي في احتضان الشباب ليسيروا مع الجماعة وبخطواتها ووفق مبادئها حتى لا ينجروا إلى ردود أفعال تكون عواقبها غير محسوبة لا قدر الله. هكذا نتربى داخل الجماعة جيلا بعد جيل، ونتواصى بذلك في كل مجالسنا ومنتدياتنا، وهذا أكبر ضمانة للاستمرار على هذا النهج.

وأذكر هنا بالتصريح الأول لأخينا المرشد حفظه الله فور خروجه من الحصار الظالم: “مهمتنا التربية ثم التربية ثم التربية”. وهذه التربية التي نعتمدها تنعكس على سلوكنا الفردي والجماعي وعلى سيرنا الحركي وزحفنا لتحقيق أهدافنا وغاياتنا. على أن تأكيدنا على نبذ العنف أصل من أصولنا التصورية وليس تكتيكا سياسيا. ومع ذلك، فإننا نؤمن بضرورة الصلابة في الحق. كما نحذر من العواقب الوخيمة التي قد تترتب عن مواصلة التضييق على الحريات ومحاولة خنق الأنفاس.

سؤال:

هناك من يتحدث عن تجاوب فئات محددة من المجتمع مع دعوة العدل والإحسان وخاصة الفئات الفقيرة والشباب، إلى أي حد يصح هذا؟ وهل فعلا هناك توازن اجتماعي في الجماعة متناسب فعلا مع طبيعة المجتمع المغربي سواء حسب المناطق أو الشرائح أو الجنس أو السن؟

جواب:

هذه تهمة عادة ما تلصق بالحركة الإسلامية التي يحاول المغرضون أن يحصروها في دائرة الفئات الهشة والفقيرة والجاهلة. إلا أن المتتبع لمسار الجماعة يشهد بشمولها لجميع الفئات العمرية والحيثيات الاجتماعية لأن مشروعنا يخاطب الإنسان. العدل والإحسان دعوة شاملة تهتم بالإنسان في حاضره ومستقبله الدنيوي والأخروي. صحيح أنه في عهد سابق، أتاح هامش الحرية بالجامعة الفرصة لقطاعنا الطلابي والشبابي عامة للبروز القوي والواضح، وهو ما لم يتأت لقطاعات أخرى حينها. إلا أن ذلك لا يعني أن الجماعة لا تتكون إلا من طلبة وتلاميذ.

وقد ظهر ذلك جليا اليوم ولله الحمد والمنة. فالجماعة تحفل بالأطر والكفاءات من أطباء ومهندسين ومحامين وأساتذة جامعيين، والمؤتمر الوطني للمهندسين خير شاهد على الحضور القوي لإخواننا. أما رجال التعليم ونساؤه والأطر المتوسطة فالكل يشهد بالوجود المتميز والفاعل لإخواننا وأخواتنا. كما برز عمل المؤمنات وتطور بسبب نظرتنا المتميزة للمرأة ومهمتها المحورية في المجتمع ثم بجهود أخواتنا مشكورات. وحضور أخواتنا البين في التظاهرات العامة خير دليل على امتدادهن الشعبي، بارك الله.

ومن حيث الانتشار، فإن الجماعة اليوم تغطي كل ربوع الوطن حواضره وبواديه، سواء في الأنشطة الداخلية وكذا الخارجية. فقد كان حضور إخواننا وأخواتنا متميزا في كل المحطات البارزة: فقد قمنا بتغطية كل المدن المغربية وجل المداشر بالأنشطة التضامنية مع غزة، كما تفاعل أعضاؤنا والمتعاطفون معنا محليا مع المستجدات المختلفة (زلزال الحسيمة، أحداث سيدي إفني، فيضانات الغرب…) والجماعة والحمد لله لازالت تواصل نشاطها وتوسعها هدفها أن تصل كلمتها الطيبة المبشرة كل بيت وأن يحملها كل قلب وتعيها كل أذن، والله سبحانه وتعالى قادر على ذلك، وهو المستعان وعليه التكلان وهو الموفق سبحانه وما بكم من نعمة فمن الله جعلنا الله من الشاكرين لنعمه، آمين.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.