العالم يتغير بسرعة مذهلة، وعقارب الساعة تدور من غير أن تنتظر الكسالى والمتقاعسين. وخريطة العالم تتغير بسرعة. وبينما تُتَداول الأيام بين الاتجاهات والمشاريع المختلفة والمتناقضة في الغرب، يعيش المغرب، والمغرب الكبير (الإسلامي العربي الأمازيغي…إلخ) والعالم العربي تحت نير الأنظمة العشائرية التي تحكم الدستور ولا يحكمها دستور.

فمن كان يظن أن أمريكا اللاتينية التي استمر فيها حكم العسكر لعشرات السنين ستستيقظ وتتحول إلى الأحسن؟ ومن كان ينتظر قبل ذلك أن تشق إفريقيا الجنوبية العنصرية طريقها إلى الديمقراطية والحريات والعدالة بعد قرون الميز العنصري؟

من كان يظن أن بعد العهد المتعصب المتشنج لجورج بوش الابن سيعود التسامح إلى الولايات المتحدة (لا أقصد هنا حروبها ضد المسلمين وأرضهم ولكن أقصد المستوى الداخلي) وستعود سيادة الدستور ويعود التوازن إلى مؤسساتها؟ ومن كان يظن أن ذلك الشعب سيختار لنفسه رئيسا من حفدة المستعبدين؟

من كان يظن أن الصين الشيوعية المنغلقة على نفسها ستتحرر شيئا فشيئا وتغزو العالم بمنتجاتها الرخيصة والآن وغدا بسياراتها وتقانتها المتطورة.

لكنك تصاب بالذهول ما إن تنتقل من هذا العالم الذي تموج فيه التغيرات موج البحر وتتوالى فيه الأفكار والمشاريع المختلفة إلى أرض المغرب والمغرب الكبير والعالم العربي. كأن هذه البقعة بدعة من الأمر مقارنة مع غيرها من الأمم. وكأن عقارب الساعة تتوقف، والأفكار تموت، والمشاريع قد دفنت، وكأن روح مقاومة هذا الجسم قد خربت، وكأن أرضه قد أصبحت خاوية على عروشها من النساء والرجال الفعلة، فارغة من الحركة كأن لم تغن بالأمس.

المغرب نموذجا

ولنضرب على ذلك مثالا: هذا البلد الجميل الذي حباه الله تعالى بكل الخيرات من كل صنف، وأودع فيه من الإمكانات والقدرات ما تحلم به أغنى الدول في العالم، ولكن تسلط عليه جراد بشري يمص دماء الناس ويهدر كرامتهم ويستهلك أخلاقهم ويسلبهم آدميتهم ودينهم.

كم من مشروع طرح في الساحة وحظي بالحوار الصادق والاحترام الذي يستحقه والتفاعل المنشود؟ كم من حركة مجتمعية تمكنت من الاقتراح من دون أن يقمع رجالها ونساؤها ويسجن زعماؤها وتدفن أفكارها؟ لا شيء!

كم حكمت المغرب من حكومة وطنية منبثقة من الشعب وتعبر عن طموحاته، ثم كتب لها أن تعيش؟ لا شيء!

كم من تحرك شعبي وقع، مهما كان عفويا أو فوضويا ثم كانت ثمرته أن يغير الحاكمون عقليتهم ويراجعوا أفكارهم ويعترفون بقصورهم الفظيع في كل شيء؟ لا شيء!

الخطاب الذي لا يتغير

الخطاب الرسمي الذي لا يتغير والذي تسوقه الأبواق الرسمية وشبه الرسمية وغير الرسمية، إلا من رحم الله الرحمن الرحيم، يدور حول الزعماء والحريات والحالة الاجتماعية:

1. فأما زعماؤنا فهم ملهمون في أفكارهم، راشدون في سياستهم، أوفياء لشعبهم. قولوا لي صدقا: أصحيح هذا؟ وأجيبوني بصدق فقط بقلوبكم من غير أن تنبسوا بكلمة، حتى لا يطلع عليكم رقيب!

2. وأما الحريات فهي في ازدياد مستمر، والبلد يعيش في واحة من حقوق الإنسان وحرية التعبير، وغير ذلك من عناصر هذه الأسطوانة التي سئم الناس منها وسئمت هي أيضا من أن تعيد نفسها على مسامعهم!

3. وأما الحالة الاجتماعية فهي بخير، وكأن المغرب هو جنة الأرض!

سبحان الله العلي الحكيم!

فلم يهرب الشباب منه إذن؟ ولم يغامرون بحياتهم ويلقون بأجسامهم النحلية التي أكلها الفقر في عباب الأمواج ليعملوا خدما كالعبيد على الضفة الأخرى للبحر المتوسط؟!

لم تقبل الأسر المغربية، كثير منها إلا من رحم الله، أن تقدم بناتها، واحسرتاه، في ريعان الصبا والشباب للذئاب الجائعة إلى اللحم البشري الطري التي تقبل كالجراد من بقاع الأرض كلها مقابل حفينة من اليوروات والدولارات والريالات؟

لماذا كلما نظرت في وجوه المغاربة ترى سحابة مقيتة من الهم والعبوس من شدة ما يئسوا من كل شيء، وكأنهم سلبوا إنسانيتهم، وأزيلت قلوبهم من بين أضلعهم؟

التاريخ الوجيز للمشاريع التغييرية في المغرب

• في أواخر الخمسينيات والمغرب قد أقبل على أخذ زمام أموره بيده على إثر الاستقلال الصوري المشروط، كان للحركة الوطنية أفكار لبناء المغرب وكان للمقاومة وجيش التحرير طموح لاستكمال الاستقلال وإقامة نظام مستقل حق الاستقلال عن المحتل، لكن هذا الطموح وتلك الأفكار تحولت بين عشية وضحاها إلى حمام دماء ذهب ضحيته خيرة رجال المقاومة وجيش التحرير والحركة الوطنية الحقيقية، وأقنع المخزن الشعب أو فرض عليه أن يقتنع بأنه هو المحق وأن كل تلك الطموحات والأفكار متسرعة ووراءها مصالح شخصية ليست في صالح البلاد.

• وفي الستينات والسبعينات تحول الكثير من الناس إلى الأرضية الاشتراكية والشيوعية والماركسية لاقتراح مشاريع والعمل على التغيير. مشاريع طموحة على العموم كانت رغم طبيعتها الإلحاقية للمعسكر الاشتراكي والسمعة السيئة جدا لذلك المعسكر على مستوى الحريات. على العموم عفا الله عما سلف، ولسنا هنا لنحاكم أحدا. لكن جواب المخزن كان مرة أخرى أنها مشاريع غريبة وتحركها أيد أجنبية وليست في صالح البلاد. وقمعت هذه المشاريع، وفرض المخزن مرة أخرى على البلاد رؤيته ووعد أن المغرب سيتغير وسيصبح دولة متقدمة وديمقراطية و… إلخ. وما زلنا ننتظر!

• وفي السبعينات والثمانينات انتفض العسكر مرات أو حاول الانتفاض ليغير بدوه الأمور، أو بالأحرى ليقلبها، لكن تلك المحاولات تحولت لكابوس مريع ومسلسل من المذابح ذهب ضحيته الكثير من رجال الجيش والمدنيين، وفرض المخزن مرة أخرى تصوره بأن هؤلاء كلهم فاسدون بلا استثناء وأنهم لو حكموا المغرب لأفسدوه أكثر من إفساده هو له.

• وفي الثمانينيات (بل ومنذ السبعينات) بدأ بعض العلماء يتململون وشرعت حركات إسلامية في اقتراح ما عندها. وأتت العدل والإحسان، في شخص مرشدها الأستاذ عبد السلام ياسين، بمشروع متكامل للتغيير بالرفق، فلا حجة ليقال أنهم كالعسكرسيجرون البلاد إلى حمام دم؛ ومن مصدر أصيل فلا حجة أن يقال إنها أفكار مستوردة غريبة؛ وفي صيغة اقتراحية تشاركية فلا يقال أن لهم مصالح شخصية. ولكن تعامل المخزن لم يتغير، وحاول مرة أخرى أن يفرض نفس الشيء على الناس ويقنع العالم أنه الأصلح.

وخلال هذه المسيرة استعمل المخزن أناسا من حثالة المجتمع، يكتبون في الجرائد، ويلقون المحاضرات، ويخطبون في وسائل الإعلام السمعية البصرية، إلى جانب أدواته القمعية ومراكز التعذيب والملاحقات والمحاكمات وغيرها. لكن وقع “الكارين حنوكهم” 1 كان دائما أقوى على حركة التغيير من القمع، لأنه يخلط الأوراق ويجعل الحق يختلط بالباطل في أذهان الناس. وما أدرانا؟ فلعل وزره أكبر وأفظع عند الله العدل الحكم. وقد نهى رسول الله وحبيبه عليه الصلاة والسلام نهيا شديدا منكرا على قول الزور.

وكلما قرأت مؤخرا بعض مقالات “الكارين حنوكهم” البئيسة تنبهت إلى هذا الحديث النبوي الشريف وتنبهت إلى الحكمة من التأكيد النبوي على فظاعة شهادة الزور.

أما آن الأوان للتغيير؟

إن التغيير سنة من سنن الله، الحكيم العليم، في الكون. وليس في مِلك أحد أن يمنعه عندما يحين أوانه. ولا يمكن أن تكون هذه البقعة استثناءً في أرض الله. ولأن كل عناصر التغيير قد توفرت مع مرور الوقت، فإنه سيقع لا محالة، ولا يعلم الغيب إلا الله. لكن لنا من باب الكسب البشري، ومن باب السعي في الأرض الذي دعي إليه الإنسان من ربه القوي العزيز، أن نختار هل نجعله جرعات متتالية سريعة ولكن مرتبة مسبقا، أم نترك الأمر على عواهنه فيأخذنا فجأة في شكل طوفان كاسح أو صدمة كهربائية محرقة، لا قدر الله.

وتعامل المخزن مع هذه المشاريع بعقلية الإقصاء والاستخفاف جعلت من حصيلة الإصلاحات السياسية والاجتماعية والتربوية أصفارا متتالية على يسار صفر أصلي لا يسمن ولا يغني من جوع. مما يحتم على أي حركة تغييرية ستقع أو يرتب لها أن تشرع من هذا الصفر وتنطلق منه لتبني على أساس من التقوى.

وإن من أكبر خسائر المغرب أنه لم يراكم شيئا في مسيرته السياسية، عدا الفشل الذريع والأبنية الدستورية والقانونية والإدارية الخربة.

والله غالب على أمره، ولكن أكثر الناس لا يعلمون


[1] جمع “الكاري حنكه” مصطلح دارجي مغربي لوصف من يبيع لسانه وبيانه لنصرة الظالمين.\