كان للانكسار التاريخي الذي عرفته الأمة وتحول نظام الحكم من خلافة راشدة إلى ملك عاض ثم جبري والبعد الزمني عن مرحلة الوحي –النبوة- وما خلفه من انحسار للدور المركزي للإسلام بعد نقض عروة الحكم. روى الإمام أحمد بالسند الصحيح أن رسول الله عليه وسلم قال: “تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها. ثم تكون ملكا عاضا، فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها ثم تكون ملكا جبريا فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها. ثم تكون الخلافة على منهاج النبوة”.

آثار بليغة على الأمة تمثلت في غياب العدل وتكريس الحكم الوراثي وتفرق الإرث النبوي وتوزعه إلى مجموعة من العلوم: علوم القرآن، علوم الحديث، علوم الفقه ثم علوم السلوك والتربية، انبرى مجموعة من العلماء ورثة النبوة إلى العض على هذا الإرث بالنواجذ والمحافظة عليه من الاندثار والضياع بعد اتساع الشقة عن فترة النبوة. فكانوا بذلك جزءا من “المن” الذي بشر به رسول الله صلى الله عليه وسلم لحمل المشعل وتجديد دين الأمة، روى أبو داود والبيهقي والحاكم بسند صحيح عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة عام سنة من يجدد لها أمر دينها”.

عرفت الأمة اختلافا حول تحديد هذا “المن”، فهناك من اعتبر أن ذلك يخص فردا مجددا على خطى رسول الله صلى الله عليه وسلم تحيى به الأمة حياة النبوة بعد سنوات من الفتنة والغربة عن دين الله. وإن كان هناك شبه إجماع على أن مجدد المائة الأولى هو سيدنا عمر ابن عبد العزيز رضي الله عنه فقد اختلف الأمر بعد ذلك، حيث أضحى الانتماء المذهبي أو الفكري عاملا حاسما في تحديد هذا المجدد.

بينما هناك من اعتبر هذا “المن” جماعة من المسلمين تقود عملية التجديد والتغيير، يحيي بها الله عز وجل الأمة ويعيد عزتها. فأمام سيل التحديات التي تواجه الأمة و تعدد الاجتهادات والاختصاصات، لم يعد مقبولا أن يتصدى للإجابة عليها طرف واحد بل يجب أن تتضافر الجهود من خلال اجتهاد جماعي، يمكن من إحقاق الحق وإبطال

الباطل وتدليل الصعاب. بذلك نكون أمام “من تجديدي” في بعده الفردي والجماعي، روى الإمام الدرامي عن المسيب بن رافع “كانوا إذا نزلت بهم قضية ليس فيها من رسول الله صلى الله عليه وسلم أثر اجتمعوا لها وأجمعوا. فالحق فيما رأوا! فالحق فيما رأوا!”.

لكن هذه الجماعة لا يمكن أن تؤسس من عدم فالمفروض وجود من يؤسس ومن تجتمع عليه الأمة على غرار فترة النبوة والخلفاء الراشدين ومن جاء بعدهم من العلماء الذين قادوا الأمة في فترة من تاريخها عندما كان للعلماء الكلمة على غرار سلطان العلماء العز ابن عبد السلام رحمه الله.

فالفرد المجدد مطلب شرطي لا غنى للأمة والجماعة عنه على اعتبار أنه لا يمكن التجديد من فراغ وفي غياب منهاج يحدد معالم الطريق التي يجب السير عليها والاجتماع حولها للانطلاق، مما يوفر وحدة التصور ووحدة السلوك المؤدي إلى وحدة الولاء. ودون ذلك تعرض الجماعة للتصدعات والانشقاقات أو الاندثار لقدر الله.

وتتجلى هذه الضرورة أكثر في العملية التربوية والسلوك إلى الله، فهذه المسألة لا يمكن أن يتصدى لها إلا رجلا ربانيا، عارفا بخبايا القلوب وملما بواقع الأمة يدل على الله. يقول الشيخ عبد القادر الجيلاني رحمه الله :”مريدو الدنيا فيهم كثرة، ومريدو الآخرة فيهم قلة، ومريدو الحق عز وجل الصادقون في إرادته أقل من كل قليل. هم القلة والعدم كالكبريت الأحمر. هم آحاد أفراد في الشذوذ والنذور” 1 .

فالمجدد المربي الذي يجمعك على الله مع الجهاد، سيرا على خطى رسول الله صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين من بعده نحو الخلافة الراشدة، يمثل استثناءا لا يتكرر في الزمان والمكان. وللالتفاف حول هذا المطلب- المفقود- ابتدعت بعض الحركات الإسلامية ما يسمى بالقيادة الجماعية الغرض منه تضييق فجوة الخلافات والتصدعات، والتوفيق بين التوجهات النافدة فيها. ويظهر ذلك بجلاء في الانشقاقات والانسحابات التي تعرفها بعض الحركات الإسلامية نتيجة الرغبة في الهيمنة من طرف هذا الفريق أو ذاك، والتي تكاد لا تختلف عن باقي الأحزاب الموجودة إلا في الشعارات المرفوعة، لأن الالتقاء في البداية كان التقاء عاطفيا يفتقد للمشروع، يقول الأستاذ عبد السلام ياسين: “لكن جماعة لا تتجاوز قيادتها مستوى عامة المؤمنين جماعة كالجماعة وليست بها، ليست بها حتى يكون اللب الإحساني فقار ظهرها وسر نشأتها، وعماد بنائها، حتى يكون حب الله ورسوله حاديها، والشوق إليه عز وجل رائدها والسير إليه منهاجها.” 2

كان للانبعاث الجديد للإسلام، من خلال الصحوة الإسلامية، أثر ايجابي عميق على الأمة جدد الأمل لديها من أجل التغيير والإصلاح على خطى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد قرون من العض والجبر، وما خلفه من فراغ احتلته أحزاب ذات إيديولوجيات ومرجعيات لا تمت للأمة بصلة استطاعت أن تفرض حضورها بمساعدة حكام العض والجبر التي اختارت النموذج الغربي كبديل للمشروع الإسلامي.

لكن سرعان ماتحولت بعض هذه الحركات الإسلامية إلى بوق للحاكم ومبرر لممارساته، راضية بأن تلعب دور شاهد الزور وإعطاء الانطباع بأن كل شيء على مايرام، بل أضحت مستعدة لتقديم التنازلات تلو التنازلات في ارتماء بليد في أحضان الحاكم، مقابل الحفاظ على الامتيازات والعطايا التي يدفع بها الحاكم في المناسبات،

ضاربة عرض الحائط الرسالة التي من أجلها وجدت ألا وهي الشهادة بالقسط. قال الله عز وجل: يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط.

يجب على الحركة التي تبتغي البناء وإعادة الخلافة الراشدة التي وعد بها الصادق المصدوق ألا تتسرع الثمار والنتائج، وترضى بأنصاف الحلول وانتظار ما يجود به الحاكم، فمن يمنح يمكن أن يمنع، مما ينعكس سلبا على العمل الإسلامي وبذلك نفور الأمة من المشروع الإسلامي.


[1] الفتح الرباني ص 58. \
[2] المنهاج النبوي ص133.\