الفقرة الثانية: مشروع السيد محمد الكنيدري (1994)

بعد أن تعرض مشروع السيد محمد الكنيدري 1 لمجموعة من الصعوبات التي تواجه نظام التعليم العالي أقر بعض المقتضيات، سواء ما يرتبط بالجانب التنظيمي والمالي، أو الجانب البيداغوجي، أو بنظام الأساتذة الباحثين، أو بالتعليم العالي الخاص، أو بالبحث العلمي.

أولا: على المستوى التنظيمي والمالي

نص المشروع على ضرورة مراجعة تركيبة المجالس الجامعية، وتحديد اختصاصات الشعب واللجان العلمية بهدف ضمان مزيد من الشفافية. واقترح على المستوى الوطني إحداث لجنة وطنية للتنسيق بنفس تركيبة “مجلس التنسيق الجامعي” 2 .

وتميز مشروع السيد الكنيدري بالانتباه إلى مشكل التمويل الذي يعد من أهم الأسباب فيما يعرفه التعليم العالي من تدهور. لكن إلى أي حد تعتبر المقتضيات التي تضمنها المشروع كفيلة بحل هذا المشكل؟

تتجلى هذه المقتضيات فيما يلي:

أ. مراجعة مقاييس تخويل المنح الدراسية مراجعة جذرية قصد التقليص من عددها، ومضاعفة قيمتها الفردية بصفة تدريجية، واعتماد معيار دخل الأبوين مع إقامة نظام صارم وعادل، وتخصيص حصة من “منح الاستحقاق” للطلبة المتفوقين الذين يسجلون في المسالك المطلوبة، بغض النظر عن الظروف الاجتماعية والاقتصادية؛

ب. إحداث نظام للقرض من أجل التكوين، لتمكين الطلبة غير الممنوحين من متابعة دراستهم؛

ت. إنشاء صندوق للاستثمار التربوي، لتغطية تكاليف الإصلاح التربوي، ومختلف الإنجازات في مجال التسيير الذي يمكن أن تقوم بها المؤسسات الجامعية، إلا أن الحديث عن موارد هذا الصندوق ظل غامضا، باستثناء التأكيد على مساهمة الطلبة في تغطية التكاليف المباشرة لدراستهم؛

ث. رفض صارم لمبدأ المجانية “فإن أسطورة مجانية التعليم العالي شعار ديماغوجي غير واقعي وغير نافع، فالمجانية لا يستفيد منها إلا الأغنياء، بحيث تمنحهم فرصة التملص من نفقات بإمكانهم تسديدها؛ والمجانية أيضا عائق للتحسين وللجودة، ذلك أن الوعي بتكلفة التكوين يحول المستهلك إلى مستفيد متنور وملحاح وأكثر احتراما للأداة الموضوعة تحت تصرفه” 3 !

ج. تشجيع التعليم العالي الخاص 4 بتجديد الأداة التشريعية والقانونية، وتسخير الإمكانات المادية والمالية، وتبسيط إحداث مؤسسات التعليم العالي الخاص، كل ذلك وفق سياسة تشجيعية تروم إقامة شراكة بين القطاعين العمومي والخاص أكثر اتساقا والتحاما.

وبجرأة غير مسبوقة، تحت عنوان غريب 5 بالنظر إلى المصدر الرسمي للمشروع، تم وضع مقتضيات ليست أقل غرابة:

أ. صياغة البنيات والمجالس المرتقبة بكيفية تجعل مقاطعة الطلبة لا تشكل عائقا مبطلا لها!

ب. بما أن الاتحاد الوطني لطلبة المغرب غير قادر على أن يكون إطارا صالحا للتربية المدنية والنضالية بالنسبة للطلاب، فإن من اللازم تشجيع إنشاء تعاضديات وجمعيات طلابية يوكل إليها تنظيم المهام الاجتماعية والثقافية والرياضية، وفي حالة رغبتها الانضواء تحت تجمع وطني فإن ذلك سيأتي بشكل طبيعي!

ثانيا: على المستوى البيداغوجي

تنقسم الاقتراحات في هذا المجال إلى شقين، شق يرتبط بالمدى القصير، ويتضمن تزكية مجموعة من الإجراءات التي كان أغلبها قيد التطبيق آنذاك، منها:

أ. توسيع وتطوير الأقسام التحضيرية لمدارس المهندسين، وإعادة تنظيم برامج المدارس العليا؛

ب. الاستمرار في فتح المدارس العليا للتكنولوجيا والمدارس الوطنية للتجارة والتسيير وكليات العلوم والتقنيات؛

ت. إدخال تدريجي للإجازات المطبقة في كليات الآداب والعلوم والحقوق؛

ث. إحداث نظام التوجيه بناء على النقط المحصل عليها في الباكالوريا؛

ج. توسيع البرامج الوطنية المتعلقة بـ”التكوين من أجل الإدماج”؛

د. استحداث الجامعة المفتوحة أو الليلية لتستجيب للعاملين والطامحين في المزيد من الدراسة.

أما الشق الثاني فيرتبط بالمدى البعيد، وقد تبنى فيه المشروع بصفة كاملة ما جاء في مشروع السيد الطيب الشكيلي.

ثالثا: على مستوى نظام الدراسات العليا والنظام الأساسي للأساتذة الباحثين

فيما يرتبط بنظام الدراسات العليا، فقد أقر مشروع السيد محمد الكنيدري ما أقره المشروع السابق، أما فيما يرتبط بنظام الأساتذة الباحثين، فقد تجلت أهم الاقتراحات فيما يلي:

أ. إقامة نظام توظيف يتبارى فيه جميع المرشحين بشفافية؛

ب. الاقتصار على إطارين اثنين: إطار الأستاذ المساعد، وإطار أستاذ التعليم العالي مع إحداث درجة “د” في الأول ودرجة “ج” في الثاني؛

ت. اعتبار الأعمال العلمية والتربوية في الترقية؛

ث. إحداث نفس الأطر المتعاقدة التي أحدثها مشروع السيد الطيب الشكيلي. 6

رابعا: على مستوى البحث العلمي

تتمثل أهم المبادئ التي تم تسطيرها في هذا المجال فيما يلي:

أ. الانفتاح على المحيط الاجتماعي والاقتصادي؛

ب. اتباع أسلوب التنافس لاختيار مشاريع البحث تبعا لمعايير وطنية؛

ت. تمويل المشاريع على أساس التعاقد واللامركزية مع الحث على مراقبة النفقات في هذا المجال؛

ث. التشجيع على إحداث شبكات وطنية جديدة للبحث مع تجميع وتفعيل الموجود منها.

يتبين مما سبق أن مشروع السيد محمد الكنيدري حاول أن يكون أكثر شمولا من سابقه، وإذا كنا نسجل عليه نفس الملاحظات السابقة –أي المتعلقة بمشروع السيد الطيب الشكيلي-، فإننا نشد الانتباه إلى تلك المفارقة الواضحة في تعامله مع كل من الأساتذة والطلاب، حيث تضمن بعض الإيجابيات بالنسبة للفئة الأولى 7 ، وتضمن، بالنسبة للفئة الثانية، ما رفضه الطلاب باستمرار (تقنين السلك الثالث، إلغاء المجانية، والتنصيص على تغطية تكاليف الدراسة، الاستغناء عن الطلبة في بنيات وهياكل مؤسسات التعليم العالي، التشكيك في قدرة منظمتهم الطلابية…)، وهذه المفارقة ترجع في اعتقادنا إلى بعض الأسباب منها:

أولا: التأثر بالحوار الذي كانت تجريه وزارة التربية الوطنية مع النقابة الوطنية للتعليم العالي؛

ثانيا: تحقيق تقدم هائل للطلبة الإسلاميين في قيادة الحركة الطلابية بالتمكن من مختلف أجهزة الاتحاد الوطني لطلبة المغرب (لجان أقسام – تعاضديات – مكاتب فروع…)؛

ثالثا: خوض حوارات بين الفصائل الطلابية غير الإسلامية والتلويح بإمكانية إحداث منظمة طلابية جديدة؛

رابعا: ما كان يعرفه المشهد السياسي من إعداد أولي للتوافق والتراضي خاصة بين المؤسسة الملكية وأحزاب المعارضة؛

إنها خلفيات جديدة على المستوى السياسي والمالي والأمني حكمت مشروع إصلاح التعليم العالي آنذاك، مما سيجعله محدودا في المضامين، ممتنعا عن التطبيق، ليفسح المجال هو الآخر أمام مراسيم جزئية ومشروع جديد للوزارة الوصية.


[1] هذا المشروع صدر عن وزارة التربية الوطنية تحت عنوان: “الجامعة في خدمة التنمية، عناصر إصلاح شامل” في يونيو 1994.\
[2] اقترح المشروع إحداث لجنة وطنية للتنسيق تتفرع عنها نفس اللجان المتفرعة عن “مجلس التنسيق الجامعي” مع إضافة لجنة رابعة هي: اللجنة الثنائية التأديبية.\
[3] وزارة التربية الوطنية “الجامعة في خدمة التنمية، عناصر إصلاح شامل” يونيو 1994 ص 19.\
[4] يبرز المشروع أهمية التعليم العالي الخاص فيما يلي:

– إعطاء الطلبة حيزا واسعا لاختيار التكوينات المطلوبة والمستجيبة لحاجات المقاولات.

– تخفيف شامل للمجهود الوطني العام والخاص في مجال التربية.

– دفع الإنتاجية العامة بإحداث تنافس بين التعليم العالي العمومي والحر والخاص وبين الخاص والخاص.\

[5] العنوان هو “تجديد الحركة الطلابية”.\
[6] مع تغيير لقب “عميد” إلى لقب “سارد”.\
[7] اقتصار النظام الأساسي للأساتذة الباحثين على إطارين فقط، فالنقابة الوطنية للتعليم العالي كثيرا ما طالبت بهذا.\