قال تعالى: فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ * رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ * لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ.

للمسجد في الإسلام وفي حياة الأمة أدوار محورية وهامة، لا تقوم مؤسسة دونه بها ولا تعوضه بأي شكل من الأشكال، بل إن مؤسسات المجتمع المسلم تمتح من نورانيته وتتزين بروحانيته وتسري فيها معانيه.

المسجد المدرسة

المسجد مدرسة عملية يومية متكررة متجددة، يتعلم فيها المسلم النظافة والطهارة، والتنزهَ عن اللغو، والفرائضَ والسننَ، فيه تغشاه روحانيته ويتطلع إلى معالي الأمور دينا ودنيا، ولهذه الأهمية البالغة كان أول ما بناه النبي صلى الله عليه وسلم بعد هجرته مسجد قباء، قال ابن إسحاق: فأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بقباء في بني عمرو بن عوف يوم الاثنين والثلاثاء ويم الأربعاء ويوم الخميس، وأسس مسجدهم)، وشارك الجميع في بناء هذا الصرح ولسان الحال والمقال:لئن قعدنا والنبي يعمل *** لذاك منا العمل المضللوقد بُني قبل مسكنه صلى الله عليه وسلم، فكان الأساس الركين الذي قامت عليه الدولة الإسلامية. ومن المسجد تخرج هؤلاء القادة الذين نشروا السلم والسلام في العالمين. ومن المسجد سطعت أنوار الحضارة، ولم تكن قط من القصور والثكنات أو الفضائيات… ومن المسجد تخرج المصلحون والدعاة والقادة وأرباب المعرفة والفكر وسادة التربية والتوحيد والإعداد. يقول الإمام ابن تيميه رحمه الله متحدثاً عن المساجد موضحاً ما كانت عليه في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم: وكانت مواضع الأئمة، ومجامع الأمة هي المساجد، فإن النبي صلى الله عليه وسلم أسس مسجده المبارك على التقوى، ففيه الصلاة والذكر والقراءة، وتعليم العلم والخطب وفيه عقد الأولوية، وتأمير الأمراء وتعريف العرفاء، فيه يجتمع المسلمون عنده لما أهمهم من أمر دينهم ودنياهم) 1 .

كما كان المسجد على مر التاريخ هو ذاك اللحام الذي يجمع أبناء الأمة على صورة واحدة قلبا وقالبا، ولا شك في ذلك فمن مسمياته الجامع، وظلت الأمة حاضنة للمسجد قائمة به ومنه، عمارة وتعميرا وتموينا ودعما بالأوقاف والأحباس، فكان يحتل من المدينة والمدشر موضع القلب من الجسد، يضخ في شرايين حياة الناس دماء صافية ملؤها الأمن والسلام والسكينة. وساد الإخاء بين أفراد المجتمع وعم التصافي. وحينما غاب دور المسجد أو غيب وتعطل، ظهر الأثر غما وكمدا على مستوى الفرد والجماعة وفي كل مناحي الحياة، ولازالت الجهود حثيثة للتضييق على دور المسجد وشل وظيفته وتحجيم دوره.

إقامة ذكر الله

وهذه الوظيفة هي أم الوظائف، وما شيدت إلا لهذه الغاية قال تعالى: فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ. يرابط المؤمنون راكعين ساجدين، تالين مسبحين مهللين، تسمو أرواحهم وتتنور قلوبهم فيشعون نورا على الأمة ومن مناراته تأتي نسائم النصر والتمكين. الذكر دستور المحبة، ومن أحبه الله تولاه، وكتب له القبول في الأرض فسارت دعوته على رؤوس الأشهاد. والفراغ القلبي والغفلة البعيدة عن المسجد وروحه وعن الله داء عضال يكبل العزائم.

التربية والتعليم

كلها وظائف قام بها المسجد من خلال حلق الذكر والعلم، فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ القرآن، ويعلمه أصحابه، ويفسر لهم أحكامه ومضامينه، وكل ذلك في صور شتى كالقراءة في الصلاة وخطب الجمع والأعياد وصلوات الكسوف والاستسقاء والدروس الأخرى بعد الصلوات والمواعظ، وإجابته صلى الله علية وسلم على أسئلة الصحابة، وتعبير الرؤى التي كان يعرضها الصحابة على النبي صلى الله علية وسلم، وكان رسول الله دائما معهم مرشدا وموجها.

الوظيفة الاجتماعية

المسجد ملتقى جميع المسلمين، ومن غاب سألوا عنه، فإن علموه مريضا عادوه، وإن كان له ميت عزوه وواسوه، الجائع والعاري هناك يعرف، وما وجود أهل الصفة فيه إلا دليل على مدى تكافل المسلمين فيما بينهم، فيحمل إليهم الطعام، ويتسابق إليهم أهل المسجد أهل البر والإحسان، وربما جاء الرجل فاصطحب واحدا أو أكثر يستضيفه لبعض الوقت، وجالس رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل الصفة وآكلهم. يهب الجميع حين ينادى “من يضيف ضيف رسول الله”. فلهذه الوظيفة الاجتماعية دور كبير في نسج علاقات المسلمين فيما بينهم وتعزيز الأواصر بين الأفراد حتى يصيروا جسدا واحدا إذا اشتكى منه عضو تداعى له الجميع بالسهر والحمى. في المسجد تقضى الحاجات، ويُتعاون على البر والتقوى.

إن المسجد كما كان – وكما ينبغي له – موعدا لأداء الصلوات، كان يحتضن الفقراء والمساكين.

الوظيفة القضائية

وقد كان النبي صلى الله علية وسلم يفصل بين الخصومات ويقضي بين المتخاصمين في مسجده صلى الله عليه وسلم. ومضى الحال على ذلك في عهد الخلفاء الراشدين من بعده. في المسجد يحكم القرآن ويعرف القول الفصل في الأحكام والحدود، والشهادة بأهميتها.

الإعداد للجهاد

لم يكن المسجد فقط لهذه الوظائف فحسب بل كان أيضا مقرا لقيادة الأركان)، ففيه تعقد الألوية لقواد الجيوش، وكانت الخطط الحربية يتفق عليها فيه، وفي جنباته يتدرب الجنود على القتال، وكذلك كانت السرايا تنطلق منه. كان (أي المسجد) على عهد الرسول صلى الله عليه وسلم وعهد خلفائه الراشدين عرين أسود، ورياض جهاد، ومدرسة وجامعة، ومقر قيادة أركان الجند، ومجلس شوراهم، ذلك أن بيت الله أحق البيوت أن ينطلق منها، ويرجع إليها، ويتجمع فيها) 2 . لقد كان المسجد خير مثال لتضافر الجهود كلها وجمع الجهاد بكل أبوابه ومجالاته: جهاد المال والنفس والتعليم وجهاد الكلمة والحجة وجهاد الكفر…

من الانعتاق إلى الارتزاق والاستعباد

بهذه المعاني والوظائف التي سبق الحديث عنها كان المسجد مقرا لإعلان العبودية لله وحده إخلاصا وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا، وكان مكانا للأمن ومن دخله كان آمنا. إنها معان تدور حول تحرير العباد من أغلال الجاهلية والنفوس والظلم والجور، كان هو المنطلق لإعلان الوحدانية لله ثم تحرير العباد ليكونوا عبادا لله وحده لا مكانا لتنويم الهمم وتخدير العقول. عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: بينما نحن في المسجد يوما خرج النبي صلى الله عليه وسلم فقال “انطلقوا إلى اليهود! فقال: أسلموا تسلموا! فقالوا: قد بلغت، فقال: ذلك أريد، فقال أسلموا تسلموا! قال فقالوا: قد بلغت، فقال: ذلك أريد، ثم قالها الثالثة، ثم قال: اعلموا أن الأرض لله ولرسوله وإني أريد أن أجليكم من هذه الأرض، فمن يجد منكم بماله شيئا فليفعل وإلا اعلموا أن الأرض لله ولرسوله” 3 .

فما أحوجنا إلى مساجد من هذا القبيل يتخرج منها الجند لينطلقوا منه إلى أعداء الله، ليدافعوهم لينصروا دين الله. لكن -واحسرتاه- فقد أصبح المسجد في قبضة الظلم والجبر إدارة لمحاربة الدعوة الصادقة، وينهى فيه عن قول الحق والعمل به. وانقلب الدور وانتكست الوظيفة وصار المسجد إطراء لحكام الجبر والجور وترسيخا لعقليات القطيع، ولغا الخطيب قبل أن يلغو رواد المسجد وسلام على كلمة الحق، و”لعن الله من أيقظ الفتنة النائمة” سلاح يشهر في وجه من يلتاع لهذا البتر البئيس لتعاليم الدين وهذه الانتقائية، وتحكيم السلطان لا القرآن والكلمة الفصل للأوامر لا ما جاءت به السنة من جواهر.

المسجد مطلبا

ليس من شك في أن المسجد يمثل حجر الزاوية في تكامل الشخصية المؤمنة المتكاملة، يجد فيه العبد نفسه، ويلقي بين يدي مولاه أحماله وآلامه وأحزانه، وكيف لا وهي خير البقاع مهبط البركات والرحمات، فيه تتلاشى الفوارق الدنيوية والاجتماعية، فيصطف المسلمون قدما بقدم ومنكبا بمنكب ويتوجهون إلى خالقهم لا فضل لأحد على أحد إلا بما قدمت الأيدي، وكلهم توبة وإنابة استمطارا للرحمة واستنزالا للنصر والتمكين. والمتأمل في حال مساجد المسلمين يدرك كم هي الهوة سحيقة بين الدور المنوط بالمسجد والواقع الذي يعيشه اليوم، فأضحى في حكم الواجب على جند الله في أفق الخلافة أن يحرروا المسجد من ربقة الاستكبار والأهواء والنزوات الفردية والجماعية حتى يكون منارا للهدى والإرشاد، في حكم الجبر ينبغي أن يكون تحرير المسجد من الإسلام الرسمي مطلبا أساسيا وقبل قيام الدولة ما أمكن) 4 .

وعلى الدعاة أن يفضحوا خطط الاستكبار المحلي والعالمي في مضايقة المسجد وأهله، ومن أظلم ممّن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وسعى في خرابها أولئك ما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين، لهم في الدنيا خزي ولهم في الآخرة عذاب عظيم. كما على المؤمن أن يخدم المسجد وأهله، ويوقظ النائم منهم تعبئة لتحرير الخطب الرسمية من الولاء الفاسد والاستعباد الكاسد. المسجد موطن التأسيس لدولة القرآن، وإعادة التأسيس أيضا.


[1] ابن تيمية: تقي الدين، مجموع الفتاوى، دار الكتب العلمية، (35/95).\
[2] عبد السلام ياسين، المنهاج النبوي ط2/1989 ص 44.\
[3] رواه الشيخان وأبو داود.\
[4] عبد السلام ياسين، المنهاج النبوي ط2/1989 ص 44.\