أجرى موقع الجماعة حوارا مع الأستاذ عبد الواحد متوكل، الأمين العام للدائرة السياسية، تحدث فيه عن المفاوضات مع الدولة والحملة المخزنية على الجماعة وعن التهم الموجهة لها وعن الآفاق التي تستشرفها وعن انتخابات 12 يونيو 2009.

سؤال:

هل يمكن أن تذكرونا بسياق اللقاء الصحفي الذي عقدته قيادة العدل والإحسان مع الصحافة يوم الخميس 21 ماي 2009؟

جواب:

بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. في الرابع والعشرين (24) ماي 2006 شنت السلطات المخزنية حملة قمعية واسعة ضد جماعة العدل والإحسان. وهذه الحملة وإن لم تكن جديدة على الجماعة، ولا مستغربة من نظام يتضايق ممن يقول لا للفجور والطغيان، فإنها تميزت بحدتها والمدة الزمنية التي استغرقتها –ولا تزال متواصلة- وكثرة الحماقات التي ارتكبتها سلطات المخزن، متجاوزة بذلك قوانين الأرض وشرائع السماء. وتخليدا لهذه الذكرى الأليمة قد دأبنا في الجماعة على تنظيم مجموعة من الأنشطة التربوية والثقافية والتحسيسية والتواصلية. واللقاء الذي كان يوم الخميس 21 ماي 2009 مع ثلة من الصحفيين يدخل في هذا الإطار.

سؤال:

أثار حديثكم عن مفاوضات مع السلطة سابقة إعلامية. ماذا يمكن أن تقولوا بهذا الصدد؟

جواب:

الحديث عن المفاوضات لم يكن بدافع منا، وإنما جاء في معرض الجواب عن أسئلة الصحفيين. والموضوع ليس سرا، وقد تمت الإشارة إليه مرات في مناسبات سابقة. لكن الجديد هذه المرة ربما هو التفاصيل، لاسيما وأنه في بداية اللقاء مع هؤلاء الصحافيين أعلمناهم بأن لهم كامل الحرية في أن يسألوا عما يريدون وبدون خطوط حمر. وقد حاول بعض من قرأ عن هذا الموضوع أن يستنتج منه ما لا يصح لا منطقا ولا مروءة؛ بل هناك من حمّلنا المسؤولية في فشل تلك المفاوضات، وساوى من حيث يدري أو لا يدري بين الجلاد والضحية، ورمانا بالتعنت والتشدد والمثالية وغير ذلك من الأوصاف القدحية التي نحسب أننا منها برآء. بل إن أحدهم، ولم يكن حاضرا في هذا اللقاء، انتزع عبارة من سياقها ليبني عليها ما لا يجوز، في حين تجاهل ما ذكره عدد من الصحفيين الذين حضروا. وأعني هنا عبارة مفادها أن النظام لا يفاوض، إنما يملي وعلى الآخر أن ينفذ ويُمضي دون نقاش. فهل هذا هو الحوار المطلوب الذي يأسف على فشله صاحبنا، ويُحمّلنا المسؤولية الكبرى في ما آل إليه!

لم يكن بنا من تعنت، يا حبيبي، ولكن الخطة كانت مكشوفة. وهل يمكن الوثوق بمن تابع الجميع ما صنع منذ عقود في كل من رام الإصلاح أو حاول أن يقاوم الفساد؟ وهل يمكن أن تأمن مكر من يساوم أحيانا بشكل فج، وأحيانا بتلطف ملوحا بما سموه بـ”الإعانات التي يستحقها أمثالنا الطيبون”. لقد كنا نعي جيدا، وبناء على معطيات موضوعية وواقعية، بأن النظام لم تكن لديه إرادة جادة في الحوار، وإنما كان يرغب في استباق الأحداث التي كانت تتفاعل في المنطقة المغاربية آنذاك، كما كان يسعى لتحجيم المكاسب التي تحققت بفضل الله عز وجل وكرمه، ثم بصمودنا وعدم رضوخنا. كان يريد أن يذبحنا سياسيا، ويرمي بنا في طريق معتمة، فَوَقَانَا الله شر ما بيت ومكر.

أليس من المؤسف والحال ما ذكرنا أن يعُدَّ بعضهم الخضوع للحكم الفردي واقعيةً والمقاومة تعنتاً ومثاليةً؟ وبدلا من أن يتوجهوا باللوم والعتاب لمن تضرر بإفسادهم وظلمهم الإنسان والحيوان وحتى الجماد، تراهم لا يتركون فرصة إلا وانتهزوها للنيل منا ورمينا بكل أنواع الاتهامات. فهل يريدون أن نكفر بمبادئنا وأخلاقنا وعقولنا كما فعلوا فنكون سواء. قاتل الله الجبن والخسة والنذالة. دُلونا يا أصحاب الحكمة والواقعية، ويا من تتمتعون بحصافة الرأي وبُعد النظر على نموذج قائم ناجح في بلدنا، أو أعطونا المثال من أنفسكم وبأنفسكم واصنعوا شيئا يغرينا بالخروج من مثاليتنا والنسج على منوالكم الراشد كما تزعمون. فإن لم تفعلوا، وما أحسب أنكم فاعلون، فَهَلاَّ شيء من الحياء، وأدناه ما أشار إليه الشاعر العربي في قوله:أقلوا عليهم لا أبا لأبيكم *** من اللوم أو سدوا المكان الذي سدوا

سؤال:

كيف تقيمون نتائج الحملة المخزنية بعد مرور ثلاث سنوات على انطلاقها؟

جواب:

لا ننكر أنه قد لحقنا من هذه الحملة الظالمة أذى كثير، وتسببت لنا في متاعب جمة، لاسيما أنها كانت شاملة عمياء، وتورطت في ممارسات مُدانة بكل المقاييس، وغير مسبوقة حتى في زمن ما يسمى بسنوات الرصاص. ولاشك أن العمل في أجواء الترهيب والإرهاب، ومداهمات البيوت والاعتقالات العشوائية والمحاكمات ليس بالأمر الهين. ولكن برغم كل هذا، فإن جماعة العدل والإحسان تمكنت بفضل من له الحول والطول، جل وعلا، أن تصمد وأن تحافظ على تماسكها ومواصلة أداء رسالتها؛ بل إنها جعلت من هذه المحنة منحة، ومن المتاعب حوافز على المقاومة والتحدي، وإبداع الوسائل الكفيلة بمواصلة العمل بكل أبعاده التربوية والدعوية والسياسية والإعلامية وغيرها. وقد بذل إخواننا وأخواتنا جهودا نرجو أن تكون لله خالصة، من أجل أن يجعلوا من هذه المحنة وسيلة إيضاح لتبيان الفجور والطغيان السائدين في البلد، ولفضح الشعارات الزائفة، والمواقف المتخاذلة أو المتصالحة مع حكم الجبر ودين الانقياد.

وحاولنا من جانب آخر أن نستثمر هذه المحنة لتقوية بنائنا الداخلي -والضغط من خارج يساعد في العادة على هذا- وفي تصعيد الحيوية في أطرنا وكفاءاتنا، وفي استثمار ذكائنا الجماعي لتجويد أساليبنا التنظيمية الدعوية الحركية، وحفز الجميع ليساهم كل بما يستطيع، برأي أو فكرة أو اقتراح أو مشروع أو غير ذلك، مما جعل العدل والإحسان لا تعرف الرتابة، وتتمتع بحيوية موصولة ما نحسب أن هناك تيارا سياسيا أو مجتمعيا يسامينا فيها.

وعموما فإن العمل في الشدة، وإن كانت تحيط به متاعب كثيرة، فإنه تمحيص للصف ووقاية من الانتهازيين، واختبار للرجولة، وتمرين على الإبداع، وصقل للمواهب، وتربية على التعلق الدائم بالله واستمطار رحمته ومدده وعونه. ونظن أن كسبنا في هذه المجالات كان جيدا، والحمد لله، ونسأل الله المزيد. ولو لم يكن من إنجازات الجماعة إلا أنها، بفضل الله ومنه، قد صمدت رغم كل الضربات التي استهدفتها منذ التأسيس وإلى اليوم، وقاومت وحافظت على وجودها وتماسكها، لكان ذلك كافيا وإنجازا لا يسع المنصفين إلا الإشادة به.

سؤال:

يتحدث البعض عن حالة كمون سياسي داخل الجماعة. بماذا تردون؟

جواب:

لكل أن يقول ما يشاء، ويعتمد التوصيف الذي يحلو له. فالناس لهم معاييرهم المختلفة، وكل قد ينظر من زاويته، ناسيا أو متناسيا زوايا النظر الأخرى، أو من خلال منظاره هو الذي يعتبره الأحد نظرا، وهذا يجافي الموضوعية المطلوبة، والنسبية التي ينبغي أخذها بعين الاعتبار في هذه الأحوال. لا حاجة لنا بالدخول في المصطلحات، فهذا يلهي ولا يجدي. والذي يجدي أن يعرف الناس تصورنا وأهدافنا وأساليبنا في العمل، وبعد ذلك لكل أن يحكم أو يرى في خطنا الرأي الذي يريد. لكن الذي لا يُقبل هو التسرع في إصدار الأحكام دون تروٍّ أو معرفة دقيقة. والحكم على الشيء، كما يقال، فرع عن تصوره.

والذي ينبغي أن نذكر به في هذا المقام هو أننا في العدل والإحسان نعمل ونتحرك وفق تصور معين واستراتيجية واضحة. لم نتوقف ولم نتراجع. نقوم بالتقييم والتقويم بصفة منتظمة، ونراجع دفاترنا باستمرار، وما وجدنا من كسب طيب نافع أثبتناه وعمّمناه، وما وجدنا من خلل بحثنا عن أسبابه، فعالجناه بما يهدينا إليه اجتهادنا. نصيب ونخطئ، كغيرنا من الناس، ونتعلم من الخطإ كما نتعلم من الصواب. ونسير بوتيرة سريعة حينا، وبتمهل حينا، مثل الذي يسوق في طريق فيها المنعرجات والمرتفعات والمنحدرات، وفيها المستوي وغير المستوي. والحكمة تقتضي أن تأخذ بالاعتبار المرحلة التي تجاوزها، تسرع بحسبان ذلك أو تتمهل. ونحسب أننا، والمنة لله، قد وُفقنا في هذا إلى حد مفيد، ونسأل الله المزيد. ولا أدل على ذلك من كثرة الوافدين على العدل والإحسان والعاطفين والمحبين. ولولا أن أبناء وبنات العدل والإحسان يعرفون قيمة ما هم فيه لانفضوا من حوله. ولولا أن أدعياء الديمقراطية ودولة الحق والقانون وحقوق الإنسان يعرفون جاذبية مواقف العدل والإحسان والمصداقية التي تتمتع بها، لما سكتوا وعموا عما تتعرض له الجماعة من انتهاكات صارخة وظلم فاضح. ولولا أن النظام الحاكم وحلفاءه وأعوانه يعرفون قيمة المشروع الذي تدعو إليه العدل والإحسان، لما عادَوها وضيقوا عليها وحاصروها وسدوا كل المنافذ لكي لا يُسمع للعدل والإحسان صوت، ولا يكون لها أثر. يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم والله متم نوره ولو كره الكافرون

سؤال:

ما هي الآفاق التي تستشرفها الجماعة في ظل الحصار المفروض عليها وفي ظل عدم التجاوب مع مقترحاتها؟

جواب:

الحصار انتهاك صارخ لحقوقنا المشروعة في التعبير والحركة والتنظيم، وفي المساهمة في خدمة بلدنا وتبليغ دعوة ربنا. وهو ظلم بكل المقاييس، تمنعه كل القوانين وتحرمه كل الشرائع. وهو جريمة في حق بلدنا لأنه يحرمه من الاستفادة من تيار واسع وحركة وازنة، ولا نزكي على الله شيئا. وسوف نبذل كل ما في وسعنا، ونعتمد كل الوسائل المشروعة لكي يتوقف هذا العدوان، وينتهي هذا الطغيان. ونحن واثقون بأن هذا سيتحقق بعون الله تصديقا بإخباره عز وجل بأنه لا يفلح الظالمون، وبأنه لا يُصلح عمل المفسدين. وما ضاع حق وراءه طالب.

وأما ما ذكرت من عدم التجاوب مع مقترحاتنا فإن هذا لا يزعجنا، وحسبنا أننا كنا إيجابيين وقمنا بأكثر من مبادرة، وحذرنا من مغبة السير في الطريق الخطإ، ومن عواقب الانصياع لقوى الفساد والإفساد. ولسنا بدعا من الدعوات والحركات التي ظلت زمانا تحاول، ثم التفت الناس إلى ما عندها بعد طول تجاهل. الذي يعنينا هو الثبات على المبدإ، وإخلاص النية لله عز وجل، وبذل الوسع للتوضيح والبيان. ولاشك أنه سيأتي يوم تستيقظ فيه ضمائر، وتصحو قلوب، وتستجيب لتحولات مجتمعية ضاغطة، أو رغبة في تجنب كارثة شاملة، أو سعيا للخروج من أزمة خانقة مردية. وساعتها سيحمد من استعصوا على الترويض السُّرى، وسيرون أن مقاومة ومصابرة السنين لم تذهب سُدى، وسنكون بعون الله جاهزين للدخول في مرحلة جديدة.

وإلى ذلك الحين، الذي نأمل أن يكون قريبا، سنبقى بعون الله متشبثين بحريتنا، إذ هي أثمن ما عندنا بعد إيماننا، وسنقاوم الذلة التي يراد فرضها علينا، ونُسَاجِلُها العداوة ما بقينا، يوصي بذلك السابقون منا اللاحقين، على نحو ما قال الشاعر:نُسَاجِلُها العداوة ما بقينا *** وإن متنا نورثها البَنِينا

سؤال:

هناك من يتحدث عن دعوتكم لمقاطعة الانتخابات. ما هو الموقف العملي الذي ستتخذه الجماعة حيال اقتراع 12 يونيو 2009؟

جواب:

قبل أيام طرح علي مثل هذا السؤال وقلت إن الدعوة لمقاطعة الانتخابات هو تشريف لها لا تستحقه؛ وهو إقرار ضمني بأن العملية تكتسي شيئا من المصداقية التي تحاول الدعاية الرسمية أن تقنع بها شعبا عفَّ الكف والزيف والوعود المُخلفة. بل إن الحديث عن المقاطعة فيه تجاوز لا يصح لتساؤل جوهري حول العملية في أصلها: وهو هل عندنا بالفعل في المغرب انتخابات؟ وهل تنضبط ولو في الحد الأدنى للشروط التي تجعلها ذات مصداقية وجدوى، وهل هذه الانتخابات التي تلتهم نفقات ضخمة من أموال الأمة تفرز مؤسسات لها صلاحيات معتبرة في تدبير الشأن العام؟ فهل نصدق هذا الوهم الكبير، والكل يعلم أن العملية تخضع برمتها لتدابير محكمة تكرس بلقنة المشهد السياسي، وتضمن للسلطات المخزنية الانفراد بسلطة القرار؟ كيف نصدق لعبة يضع شروطها النظام المخزني المعروف بممارساته السوداء، ويحدد من يشارك فيها، ويتحكم في نتائجها، ويرسم المربع الذي لا ينبغي تجاوزه، ويُخضع الجميع لإرادته الاستبدادية وإملاءاته المهينة.

موقفنا العملي هو أن هذا العبث لا يعنينا، ومبادؤنا تمنعنا من أن نقول زورا أو نشارك في الترويج للوهم. والأغلبية الساحقة من المغاربة غير مكترثة، ولم تعد تثق لا في النظام ولا وعوده ولا انتخاباته. ولذلك فإنها تقاطع وليست بحاجة لمن يدعوها إلى ذلك. غير أننا لا ننكر أن موقفنا له صداه الواسع، لاسيما والجماعة بحمد الله منتشرة في طول البلد وعرضه، والتواصل غير منقطع رغم كل الممارسات الظالمة التي تسعى لمنعه أو على الأقل لتحجيمه إلى أبعد الحدود. والحمد لله رب العالمين.