لكل داء دواء يستطب به إلا الحماقة فإنها تعيي الطبيب وتدوخ اللبيب وتحير العاقل وتريك النجوم في عز الظهيرة، وإذا كانت الحماقة علة يسأل لصاحبها العلاج ويبذل كل غال ونفيس حتى تزول عوارضها عليه فيعود كما كان إنسانا سويا يعي ما يقوم به من تصرفات ويدرك ما يقدم عليه من حركات وتحركات، فإنها عندنا في المغرب أضحت سياسة يتم نهجها في مختلف مرافق الحياة وتشعباتها، ويكفي للمرء أن يتأمل في بعض المشاهد اليومية لهذا البلد حتى يدرك أنه بلد الحماقات الغريبة بامتياز، وأنه بلد يسير بلا موازين تذكر، وأنه بلد إذا قدر للموازين أن توجد على أرضه فإنها سرعان ما ستشكو للعالمين انقلابها رأسا على عقب بين لحظة وأخرى.

نعم هذه هي الحقيقة ولا نقول فندا، فحين صوتت الثلة العريضة من الشعب في آخر انتخابات تشريعية بالعزوف عن صناديق الإقتراع وقررت منح أصواتها للفراغ المريب لا لسماسرة أو أشخاص قدموا لها الوعود الحمراء لسنين من الدهر ثم أذاقوها من لغة النكران والحرمان والتلاعب ما لا طاقة لها به، كان المتوقع سياسيا أن يتم فتح حوار وطني لمعرفة أسباب اختلال الموازين ودوافع عدم انسجامها مع مصلحة السلطات والسياسيين، لكن شيئا من هذا القبيل لم يقع على الإطلاق، بل تم فتح أبواب الحقائب الوزارية وغيرها من أبواب المسؤوليات أمام أناس لم ينالوا في يوم من الأيام رضى الشعب، وشكلت حكومة بأغلبية ضعيفة لتعاقب كل من قاطع الإنتخابات على اختياره ولتساهم بدورها في تكريس أزمة سياسية عنوانها الأبرز غياب ما تبقى من حروف الثقة بين الشعب من جهة وبين الفاعلين السياسيين من جهة أخرى .

وحين ضربت الأزمة المالية العالم بأسره كان المغرب هو البلد الوحيد الذي يؤكد مسؤولوه على أنه في منأى من تأثيرات هذه الأزمة وتداعياتها على الأوضاع الداخلية، ولما ثقلت موازين الخسارة واكتوى المواطنون بنيران الغلاء واحتجوا على ارتفاع الأسعار، انقلبت الموازين فأقرت الحكومة بانضمام المغرب إلى موكب الدول والبلدان المهددة بانهيار الأسواق المالية في العالم، وعالجت بعضا من مظاهر هذه الأزمة بقمع كل تظاهرة تجوب الشوارع احتجاجا على مثل هكذا وضع.

وحين أرادت نفس الحكومة أن تنفس على المواطنين جزءا من كربهم استنجدت بمطربي وفناني الخارج قبل الداخل ليعينوها على هذا المعروف، وهكذا تقرر تنظيم مهرجان موازين بميزانية لا يعلم مثقالها إلا الذين وافقوا على جعل زمان ومكان المهرجان أياما قليلة فقط قبل انطلاق الامتحانات الدراسية وقرب الساحات المتاخمة للجامعات والثانويات، فكان ما كان من هدر للأرواح وإهدار للمال العام وتضييع لجهود الطلبة والتلاميذ وضحك على الذقون بلغ من المدى مبلغا قلبت معه الموازين بتحميل الضحايا مسؤولية ما جرى وما وقع.

وها هي ذي حمى الانتخابات البلدية المزمع إجراؤها في الثاني عشر من هذا الشهر قد بدأت بقلب الموازين لتؤكد صحة ما نقول عن هذا البلد، فحزب الأصالة والمعاصرة الذي قلب موازين الأحزاب المغربية وسلبها العديد من أعضائها وأبنائها لمجرد أن مؤسسه الفعلي وزير سابق في الداخلية وصديق حالي للملك، قرر سحب مساندته للأغلبية الحكومية الحالية والتموقع من الآن فصاعدا في موقع المعارضة، والسبب يرجع إلى تسجيل أتباع الهمة لجملة من ” المواقف السلبية لعدد من أعضاء الجهاز التنفيذي اتجاه برلمانيي الحزب وتسخير العمل الحكومي لخدمة مصالح حزبية معينة دون غيرها”، مما يؤكد وبالواضح الملموس أن قلب الموازين في بلد المغرب وفي أي لحظة أمر جاري به العمل، وأن الانتقال من المعارضة إلى الحكم أو العكس أمور لا تتعلق باحترام إرادة الشعب ومصالحه وإنما ترتبط بالدرجة الأولى بمصلحة مرشحي هذا الحزب وانتفاع ذاك الحزب.

عديدة هي الموازين التي انقلبت في هذا البلد السعيد، وبانقلابها تشكلت مفارقات كبيرة وتكونت متناقضات كثيرة وتحولت مفاهيم عدة، فالوعد أمسى وعيدا، والسياسة تخلت عن نبلها لتلتصق بالاستغلال والاستهتار والزبونية والوصولية، والسياسيون فقدوا خرائط المستقبل ورسموا لأنفسهم حدودا عنوانها الشتم والسب والقذف والتسفيه ومحاولات الاغتناء من هنا وهناك، والانتخابات فقدت مصداقيتها كما فقدت تفاعل الجماهير معها بسبب التدخلات الفوقية وما يرافق ذلك من فساد علني وآخر مستور، والعدل تحول إلى أباطيل لا تبقي للشرفاء عقلا ولا للنبلاء شرفا، والحرية انقلبت إلى سجن، والسجن أصبح مدرسة لتعلم فنون الإجرام، والإجرام أضحى مهنة من لا حرفة له، والجلاد تحول إلى ضحية، والضحية لبس ثوب الجلاد، وما خفي أعظم من كل عرض.

حين تنقلب الموازين، تتحول الآمال إلى آلام، وينقلب الأخضر إلى يابس، ويصبح سوء التخطيط دافعا قويا لتخطيط السوء، لذلك لا نفتأ نؤكد بأن ما يعيشه المغرب حاليا ما هو إلا أزمة تلوح بأفق أسود مظلم وقد حان الوقت لإيجاد حلول لها، ولن يتأتى ذلك إلا بفتح حوار وطني تشارك فيه كل الأطياف السياسية والفكرية والمجتمعية، وتناقش فيه جل القضايا الوطنية، ويتفق فيه على ما يعود بالأمن والأمان والرخاء والازدهاروالتقدم لهذا الوطن الذي أعيته الحماقات وأنهكته كثرة الموازين المقلوبة.