بلاد الغرائب والعجائب

إن مما يجعلك حقا تصدق أنك في المغرب بلاد الغرائب والعجائب، أن تجد الدولة المحترمة جدا، المستحيية دوما، كلما طرق بابها المواطنون البسطاء يقفون صارخين مطالبين بأبسط حقوقهم في وقفات احتجاجية أو تجمعات نضالية إلا وكان الجواب الجاهز: إننا سنعمل على النظر في ملفاتكم وحلها في أقرب الآجال، ويطلع علينا السادة الوزراء من قبة “البارلمان” ليتحدثوا عن إنجازات الحكومة المجيدة في ميادين إعداد وسائل العيش الكريم لهذا الشعب العظيم، إلى غير ذلك من الخطب الرنانة الطنانة التي لا طائل تحتها ولا غاية وراءها..وحتى لو استجابت الحكومة المسكينة لمطالب الشغيلة فإنها تتفضل عليهم بملاليم ودريهمات تقسمها على مرحلتين ينال منها ارتفاع الأسعار لتظل القدرة الشرائية للمساكين على حالها قريبة من الصفر أو تحته تبركا بالصفر الذي اخترعناه فوضعناه على رؤوسنا، والحمد لله. بينما يأخذ الكبار الغنيمة الوافرة يوزعونها بينهم، للفقراء الأصفار على الشمال وللسادة الكبار أصفار على اليمين لتنقلب المعادلة يزداد الفقير فقرا والغني غنى وثراء فاحشين.(وما حدها تقاقي وهي تبيض للفوقي ومول الدجاج ديما محتاج).

في الصورة المقابلة، في الوجه الثاني، لبلاد الغرائب والعجائب تجد البذخ القاروني والتبذير الشيطاني والإنفاق الصاروخي على مواسم يسمونها بالمهرجانات يأتي العراة وأنصاف العراة وأشباه العراة و”أهل الكمنجات” أصحاب “الجرات” ليعبؤوا في صناديقهم الملايين بالعملة المحلية لأهل البلد وبالعملة الصعبة لغيرهم، وتأمل…

من نصدق؟!! أقوال المسؤولين عن الأزمة وضعف الإمكانيات وسنفعل غدا وبعد غد، وضرورة التحلي بالواقعية والموضوعية في المطالب؟!!، أم نصدق الملايين تخرج أمام الجوعى المنكوبين والأميين المفقرين وأهل الشهادات المعطلين؟؟!! مهرجانات الملايين والملايير تتطاير أمام المساكين وملايين المساكين يتطايرون أمام الملايير؟!! وجيء أنت أيها المحلل العبقري لتفهم شيئا!!

صورة هلامية سوريالية أسطورية رمزية هي صورة بلاد الغرائب والعجائب!! طبعا صدق الوعود ودع عنك النقود!! وكذب عينيك وأذنيك وجميع جوارحك ثم اكذب عليها جميعا حتى تصدق نفسك ويصدقك الناس، فأنت الذي تعاني من العمى وليس بقدرتك لضعف وعيك أن ترى البشائر تترى من وراء سجف الظلام الحالك الذي يتبدى لك أينما وليت وجهك وعينيك !!هكذا!!

قالوا فقلنا

قالوا: هذا فن لا تفهمون غايته أنتم أعداء الفنون والإبداع! قلنا: وهل من الفن العري البواح والفجر الصراح؟! تبدي الفنانات الأنيقات آخر صيحات الموضة عارضات لممتلكاتهن الخاصة وسط الغرائز الهائجة والعواطف المائجة في غنج ودلال يورثان حسرة توقد جمرة تلفح وجوه الحشمة نارا متقدة. بل إنه العفن إلا ما رحم ربك!!

قالوا: هذه ثقافة وتثقيف أنى تدركوا معناهما أيها الرجعيون! قلنا: هذه سخافة تستخفون بها الجماهير العاطلة الفارغة، وتسقيف للعقول بالاستبلاد والاستحمار للبسطاء ما أتيحت لهم الفرصة ليسمعوا ويروا الثقافة الحقيقية، وهل يحمل من كان من رواد الملاهي والمقاهي مشروعا ثقافيا أو حتى يفهم معنى ومغزى الثقافة حتى ترصد له الأموال والظروف ليجر على الناس الخبال والوبال؟!

قالوا: هذا انفتاح لا تريدونه أيها المتطرفون المتزمتون؟ قلنا: هذه فضيحة أيها اللاهون وافتضاح أيها العابثون!! وهل من الانفتاح التصاق الأجساد والتقاء الأعناق والتفاف الساق بالساق؟! وهل من الانفتاح الصراخ الذي ينم عن الخشوع الذي ينزل على المرابطين الأبرار في العراء كلما أطل الفنان بطلعته البهية. أعظم به من خشوع لو كان في صلاة أو قرآن أو ذكر!

قالوا: هذا تسامح وحوار، قلنا: بل هذا إعطاء للدنية من أنفسنا وسوق للأمة المسلمة إلى مهاوي الرذيلة والكذب والبهتان يستهزئ بها كل منافق عديم الإيمان قليل الدين، يبيع ويشتري في دين الأمة بالتفاهات والحماقات يلهي بها الناس عن واقعهمالأليم.

يا لغرابة بلاد العجائب والغرائب!! تنقلب الموازين وتختل الإيقاعات فإذا الباطل حق والحق باطل والصوت نشاز والمعنى غائب والوجهة ضائعة والطريق منحرف والسائق في الغفلة ساه وفي العبث لاه وعند العذر واه.

عبث وإلهاء

ترى هل حقق الحاكمون لهذا الشعب المسكين من التنمية ما يضمن له العيش الكريم؟

ترى هل أسس الحاكمون لهذا الشعب المسكين من التربية ما يمنحه تعليما منتجا مثمرا؟

ترى هل هيأ الحاكمون لهذا الشعب المسكين الظروف المواتية ليمارس حرية حقيقية يعبر فيها عن كينونته وهويته؟

ترى هل … وترى هل..

هذه الأموال التي تبذر هكذا من أين جاء بها من بذرها ومن أمر بتبذيرها ومن رضي بتبذيرها؟! أمن أموالهم الخاصة؟! أم من أموال الشعب المجهل المفقر المسكين؟!

هذا الدعم القاروني من وراءه من الأيدي الخفية التي تحركه؟! ولصالح من تسام الأمة الذل والهوان وتقاد بقيم المجون والعري والرذيلة باسم الفن والثقافة؟!

إنها سياسة العبث المائعة والإلهاء الممنهج للشعب، يعبثون بمشاعرنا وقيمنا ويلهوننا عن المشاكل الحقيقية التي نكتوي بنارها. كل يوم يؤدي المساكين الثمن من حياتهم ومروءتهم بل ودينهم وبعد ذلك من جيوبهم وكرامتهم.

إرهاب المهرجانات

مهرجانات بلد العجائب والغرائب على ورزن معرجانات، عرج وعوج عن الاستقامة وجنوح عن الجادة سمات مميزة لمهرجاناتنا المتعددة أعدادا المتشابهة أشكالا ومضامين.

إنها مهرجانات تمارس علينا إرهابا مقيتا، على قيمنا ومثلنا لما تفرض علينا العري والميوعة باسم الانفتاح والتسامح والحوار.

تمارس علينا إرهابا لما تسرق أموالنا وثرواتنا لتبذرها على من ليسوا لا من الفقراء ولا من المساكين ولا من العاملين عليها،

تمارس إرهابا على أذواقنا لما تشوه مجالنا السمعي بأغنيات لا معنى لها ولا رسالة لها.

تمارس علينا إرهابا لما تلهينا بالعبث والسخف والتفاهة عن واقع مزر نرزح تحت نير كلكله بفعل السياسات المرتجلة لحاكمين متنفذين لا يراعون فينا إلا ولا ذمة.

إن سياسة المهرجانات واتباع الشهوات بلغة واضحة صريحة لهي من أهم آليات التدجين التي تعتمدها التربية المخزنية لنشر وعي الخنوع والخضوع وما ينتج عن ذلك من صرف الناس عن التفكير في سبب مصائبهم وأصل معايبهم ومصدر فقرهم وجهلهم.

لو أننا شعب لا تخبر التقارير الدولية والوطنية عن احتلاله للمراتب المتقدمة جدا في ذيل التخلف تنمية وتعليما وحكامة وحقوق إنسان، لجاز لنا أن نحتفل ونحتفي غناء ورقصا. أما والحال كما يعرف الكل ويعيش الكل يدمي القلوب الصادقة فإن ما يمارس علينا هو إرهاب حقيقي على أصحابه أن يحاسبوا ويحاكموا على جرائمهم الشنيعة ضد دين أمة وقيم أمة وذوق أمة يتلاعبون بها منذ قرون تحت قبضة عاتية من الاستبداد جوهر مآسينا.

فلمن نشكو مآسينا، ومن يصغي لشكوانا ويجدينا، أنشكو ذلا لوالينا؟!وهل موت سيحيينا؟!

نسأل الله العلي القدير أن يبرم لهذه الأمة أمر عز ورشد ترشد فيه ثقافتنا وتشب عن طوق الصبيانية العابثة اللاهية. وتعز فيه قيم الالتزام. ومعاني الرجولة بعيدا عن سياسات الإلهاء والإقصاء والفساد والإفساد.