مقدمة

لا يفصلنا عن الانتخابات المحلية في نسختها التاسعة إلا أيام ولا جديد بخصوص إطارها القانوني والسياسي. فمنذ الاقتراع الأول بتارخ 29 ماي 1960 إلى آخر اقتراع بتاريخ 12 شتنبر 2003 والحال هي الحال. لا جديد ولا تغيير رغم الشعارات الرنانة والوعود المبشرة بالتنمية والإصلاح وتبقى السمة الغالبة على المشهد السياسي المحلي:

1- اختصاصات عريضة لسلطات الوصاية على المجالس المنتخبة تشل حريتها وتجعلها تحت رحمة ونزوات السلطة.

2- فساد انتخابي مزمن: رشوة، تزوير، اختلاسات.

3- سوء تدبير شؤون الجماعات وممتلكاتها وماليتها.

4- غياب برامج تنموية شاملة ومعقلنة.

5- بطء كبير في تنفيذ المشاريع التنموية بسبب تسلط المخزن وبيروقراطيته وبسبب النقص الكبير في التمويل.

6- منتخبون جماعيون غير مؤهلون أخلاقيا ومعرفيا لتدبير المجالس الجماعية.

بناء عليه، ومساهمة في فضح لعبة المخزن ومخططاته التضليلية البائسة من جهة، وسعيا للتوضيح والتنوير من جهة أخرى نقول كلمة مركزة في موضوع الساعة. في مخيلة المخزن أما الشعب، ولله الحمد، فقد وعى اللعبة بشكل جيد وكاف، وما عاد ينطلي عليه مكر المخزن وخواره. وما مقاطعته البطولية لانتخابات 7 شتنبر 2007 التشريعية التي هلل لها المخزن بكل ما أوتي من إمكانيات وقوة إلا دليل قاطع وبرهان ساطع لمن كانت له ذرة بصيرة أو قطرة ضمير.

مقاربتنا للموضوع ستكون قانونية وسنسائل فيها فصول المدونة المنظمة لعمل وسير المجالس الجماعية دون الخوض في مظاهر الفساد الأخلاقي السياسي وتقنيات التنظيم الانتخابي والتقطيع الانتخابي والتعديلات القانونية الأخيرة، رغم ما لكل هذه الأمور من أهمية قصوى وتأثير بالغ على العملية الانتخابية برمتها.

1- الجماعات المحلية: المفهوم والاختصاص

جاء في الفصل 100 من دستور المغرب في الباب الحدي عشر: “الجماعات المحلية هي الجهات والعمالات والأقاليم والجماعات الحضرية والقروية”. وجاء في الباب الأول من الميثاق الجماعي المادة 1 “الجماعات هي وحدات ترابية داخلة في حكم القانون العام تتمتع بالشخصية المعنوية والاستقلال المالي. وتنقسم إلى جماعات حضرية وجماعات قروية…”. و هي كما ينص الفصل 101 من الدستور “تنتخب مجالس تتكلف بتدبير شؤونها تدبيرا ديمقراطيا طبق شروط يحددها القانون…”.

الجماعات المحلية إذن مفهوم واسع، لها شخصية معنوية واستقلال مالي وتنتخب ساكنتها مجالسا تعنى بتدبير شأنها المحلي تدبيرا ديمقراطيا. وهذا يجعل منها الفاعل الرئيس قانونيا ودستوريا باعتبارها هيئة منتخبة تستمد قوتها وشرعيتها من الشعب، وباعتبار دورها التنموي البنائي اقتصاديا وسياسيا واجتماعيا وثقافيا.

هذا ما يفرضه المفهوم السليم للحق والقانون: إرادة الشعب فوق كل إرادة وسلطته فوق كل سلطة. وهذا ما نراه في واقع البلدان المتقدمة والديمقراطية.

إن دور المجالس الجماعية هو دور تنموي بالأساس يسعى إلى تنمية الجماعات اقتصاديا واجتماعيا وثقافيا.

فعلى المستوى الاقتصادي فإن مسؤولية المجالس تتجلى في الحفاظ على ممتلكات الجماعات وتنمية مواردها الاقتصادية بجعلها أكثر مردودية ونفعا خدمة لمصلحة المواطن وتخفيفا من مشاكله المادية من فقر ومرض وبؤس وحرمان.

كما تقع عليها مسؤولية ترشيد صرف موارد الجماعات في مختلف المجالات: سكن، صحة، تعليم، خدمات… وإحداث مشاريع استثمار للمساهمة في تحسين مستوى معيشة السكان والرفع من المستوى الاقتصادي للجماعات البالغ عددها حاليا في المغرب 1503 جماعة، موزعة على 1282 جماعة قروية و221 جماعة حضرية.

وعلى المستوى الاجتماعي، فإن مسؤوليتها تتجلى مثلا في توفير وتلبية الحاجيات الأساسية للساكنة في مجال الشغل والسكن والصحة والتعليم… وستكون من مسؤولياتها الكبرى البحث الدائم على مناصب شغل للعاطلين والتفكير في مشاريع استثمار للتخفيف من حدة البطالة والفقر والجهل والأمية والتهميش. كما ستعمل على بناء المرافق العمومية الكافية لتوفير الخدمات الأساسية للمواطنين: مدارس، مستشفيات، سكن اقتصادي لذوي الدخل المحدود…

وعلى المستوى الثقافي فإن مهمتها هي النهوض بالشأن الثقافي للجماعات وما يتطلبه ذلك من بنيات تحتية ودعم مادي ومعنوي للجمعيات الثقافية والتربوية الجادة سعيا لترسيخ القيم التربوية والأخلاقية الكفيلة بتنمية الوعي الشعبي والارتقاء به والقضاء على مختلف أشكال الأمراض الاجتماعية المتفشية في الأوساط الشعبية من رشوة وزبونية، وغش وفساد، وركود واستسلام، واستقالة ولا مسؤولية.

كانت هذه باختصار شديد أهم أدوار المجالس المحلية. أدوار لن يتردد أي مواطن عادي لحظة واحدة في تأكيد انتفائها عن مجالسنا المحلية. فما هي أسباب غيابها؟ وما السبيل للنهوض بالفعل الجماعي في بلادنا؟

2- الميثاق الجماعي ووصاية المخزن وهيمنته على المجالس المحلية

إذا كان “الدستور السلطاني”، بتعبير الأستاذ عبد السلام ياسين، يكرس هيمنة المخزن على الشأن العام فإن “الميثاق الجماعي” يكرس هيمنته بالوكالة على الشأن المحلي.

وإذا كان المخزن بدستوره الحالي يشكل أكبر وأول معيق للديمقراطية والتنمية وطنيا، فإنه بميثاقه الجماعي الحالي يشكل أكبر وأول معيق للديمقراطية والتنمية محليا.

وبذلك يكون الميثاق الجماعي آلية مخزنية مصغرة لتكريس الفساد والاستبداد وإعاقة الإصلاح والتقدم. وهذا ما سنراه بالواضح والملموس من خلال مواد هذا الميثاق.

– فحسب المادة 19 من الميثاق فالوالي أو العامل هو من يتوصل بالاستقالة الاختيارية لأعضاء المجلس الجماعي ليخبر بعد ذلك رئيس المجلس. وهو (الوالي أو العامل) من يقرر في مفعولها. تنص المادة 19: “يوجه عضو المجلس الجماعي الذي يرغب في التخلي عن مهامه الانتدابية طلب استقالته الاختيارية إلى الوالي أو العامل الذي يخبر فورا رئيس المجلس الجماعي كتابة، ويسري أثر الاستقالة ابتداء من تاريخ إعلان الوالي أو العامل عن استسلامها وتوجه فورا نسخة هذا الاستلام إلى رئيس المجلس الجماعي لإخبار المجلس بذلك أو عند صدور الإعلام بالاستلام بعد مرور خمسة عشر يوما بعد تجديد هذا الطلب في رسالة مضمونة”.

بل إن المادة 21 من الميثاق تعطي للسلطة الوصية حق إصدار قرار الإقالة أو التوقيف في حق كل عضو امتنع – في نظر المخزن – عن القيام بمهامه أو ارتكب أفعالا مخالفة للقانون أو أخلاقيات المرفق العام، دائما في ينظر المخزن. ونحن نعلم جيدا مفهوم الصالح والطالح في قاموس المخزن، كما نعلم كيف يخرق القانون وكيف يلوي أعناق النصوص الصريحة فضلا عن المتشابهة. تنص المادة 21: “كل عضو من المجلس الجماعي تبثت مسؤوليته في ارتكاب أعمال أو أفعال مخالفة للقانون ولأخلاقيات المرفق العام يمكن بعد استدعائه للإدلاء بإيضاحات كتابية حول الأعمال المنسوبة إليه توقيفه لمدة لا تتجاوز شهرا واحدا بقرار معلل لوزير الداخلية أو عزله بمرسوم معلل يتم نشرهما بالجريدة الرسمية”.

أكثر من ذلك، المادة 25 تعطي لوزير الداخلية حق حل المجلس بالكامل أو توقيفه إذا رأى – في نظر المخزن دائما- أن مصالح الجماعة مهددة!! وهو ما يجعل المجالس وأعمالها تحت رحمة الداخلية ونزواتها، خصوصا إذا كان المجلس جادا في فعله، مخالفا لسياسة الفساد والإفساد، أبيا مستعصيا على سياسة التدجين والاحتواء المخزني. تقول المادة 25 من الميثاق: “إذا كانت مصالح الجماعة مهددة لأسباب تمس بحسن سير المجلس الجماعي جاز حل المجلس بمرسوم معلل ينشر في الجريدة الرسمية. وفي حالة الاستعجال يمكن توقيف المجلس بقرار معلل يصدره وزير الداخلية وينشر في الجريدة الرسمية. ولا يمكن أن تتجاوز مدة التوقيف ثلاثة أشهر”.

بل الأدهى من ذلك والأخطر أن المادة 69 تجعل مقررات المجلس الجماعي الخاصة بالمسائل الأساسية والمصيرية كـ”الميزانية والحسابات الخصوصية والحسابات الإدارية” و”إحداث المرافق العمومية الجماعية وطرق تدبيرها”… خاضعة لوصاية المخزن وهيمنته ولا تكون قابلة للتنفيذ إلا إذا حضيت بموافقة سلطة الوصاية. وهو ما يضع أكثر من علامة استفهام على استقلالية المجلس ومصداقيته وصلاحياته ويحوله إلى مؤسسة صورية على غرار مؤسسات الدولة الأخرى: الحكومة، البرلمان، المكاتب، اللجان… تنص المادة 69: “إن مقررات المجلس الجماعي الخاصة بالمسائل الآتية لا تكون قابلة للتنفيذ إلا إذا صادقت عليها سلطة الوصاية طبق الشروط المحددة في المادة 73 بعده:

1. الميزانية والحسابات الخصوصية والحسابات الإدارية؛

2. فتح اعتمادات جديدة ورفع مبالغ الاعتمادات من فصل إلى فصل؛

3. الاقتراضات والضمانات؛

4. تحديث سعر الرسوم وتعريفة الوجيبات والحقوق المختلفة؛

5. إحداث المرافق العمومية الجماعية وطرق تدبيرها؛

6. إحداث المقاولات وشركات الاقتصاد المختلط أو المساهمة فيها؛

7. اتفاقية التعاون أو الشراكة؛

8. اتفاقات التعاون اللامركزي والتوأمة مع الجماعات المحلية الأجنبية؛

9. الاقتناعات والتفويتات والمبادلات وباقي المعاملات الأخرى المتعلقة بالملك الخاص الجماعي؛

10. احتلال الملك العمومي مؤقتا بإقامة بناء؛

11. عقود الإيجار التي تتجاوز مدتها عشر سنوات أو تلك التي يؤدي تجديدها إلى تجاوز هذه المدة؛

12. تسمية الساحات والطرق العمومية إذا كانت هذه التسمية تشريفا عموميا أو تذكيرا بحدث تاريخي؛

13. إحداث أو حذف أو تبديل الأسواق الأسبوعية القروية أو تاريخ إقامتها.

يوجه رئيس المجلس الجماعي في ظرف الخمسة عشر (15) يوما الموالية لاختتام الدورة نسخا من جميع المقررات المتعلقة بالميادين المشار إليها أعلاه إلى سلطة الوصاية.

هذه الوصاية يعللها المخزن في المادة 68 على أنها “تهدف إلى السهر على تطبيق المجلس الجماعي وجهازه التنفيذي للقوانين والأنظمة الجاري بها العمل وكذا ضمان حماية الصالح العام وتأمين دعم ومساعدة الإدارة”!!

وبمقتضى المادة 70 من الميثاق يمكن لوزير الداخلية التدخل في قرارات المجلس وتغييرها أو إلغائها رغما عن المجلس وعن مداولاته وقراراته وإجماعه. فأي استبداد هذا وأي تسلط واستخفاف بإرادة الشعب واختياره!!. تقول المادة 70: “يمكن للسلطة المكلفة بالمصادقة على المقررات بطلب مدعم بأسبابه، دعوة المجلس الجماعي لإجراء دراسة جديدة بشأن مسألة سبق أن تداول فيها إذا ظهر لها أنه من غير الممكن الموافقة على القرار المتخذ إذا تمسك المجلس الجماعي بمقرره بعد هذه الدراسة الجديدة, يمكن للوزير الأول باقتراح من وزير الداخلية أن يبت في هذه المسألة بمرسوم معلل داخل أجل ثلاثة أشهر، باستثناء المقررات المتعلقة برفع الحسابات الإدارية التي تحكمها مقتضيات المادة 71 بعده” .

هذه الوصاية تشمل كذلك و بشكل أشد رئيس المجلس وكل قراراته وتقيد صلاحياته كما يحدد الفصل الثاني من الميثاق المعنون بـ “الوصاية على قرارات رئيس المجلس الجماعي” – وانظر إلى صيغة العنوان!!– في المادة 76 التي تجعل قراراته تحت الوصاية التامة للمخزن. والمادة 77 التي تعطي للسلطة المحلية الحق في أن تقوم مقام رئيس المجلس وتمارس كل مهامه إذا رفض القيام بواجبه وكان في ذلك مس بالمصلحة العامة وحقوق الأفراد – في نظر المخزن دائما– وهو ما يفسح المجال واسعا للسلطة الإدارية في الهيمنة على الهيئة المنتخبة من الشعب وتجاوزها والوصاية عليها والاستبداد بالقرار والفعل.

تنص المادة 76: “إن القرارات التنظيمية التي يتخذها رئيس المجلس الجماعي عملا بالمادتين 47 (البند‌‌ 2) و50 أعلاه يجب، لتكون قابلة للتنفيذ، أن تحمل تأشيرة وزير الداخلية أو من يفوض إليه ذلك بالنسبة للجماعات الحضرية والوالي أو العامل بالنسبة للجماعات القروية. تعطى التأشيرة أو الرفض المعلل للتأشيرة ابتداء من تسلم القراران داخل أجل ثلاثين (30) يوما بالنسبة لتأشيرة السلطة المركزية وخمسة عشر (15) يوما بالنسبة لتأشيرة السلطة الإقليمية.

إذا لم يتخذ أي قرار في الأجلين المذكورين اعتبر القرار مصادقا عليه.

يجب تعليق القرارات التي يصدرها الرئيس، باستثناء القرارات الواجب تبليغها إلى المعنيين بالأمر، بمقر الجماعة أو نشرها في الصحف أو تبليغها للمعنيين بالأمر بكل وسيلة ملائمة أخرى.

يحتفظ بالوثائق التي تثبت التبليغ والنشر بمحفوظات الجماعة”.

وتنص المادة 77: “إذا رفض رئيس المجلس الجماعي أو امتنع عن القيام بالأعمال الواجبة عليه بمقتضى القانون، وكان هذا الرفض أو الامتناع سيترتب عليه التملص من مقتضى تشريعي أو تنظيمي أو المس بالمصلحة العامة أو الإضرار بحقوق الأفراد، جاز للسلطة المحلية المختصة، بعد التماسها منه الوفاء بواجبه، القيام بذلك بصفة تلقائية بقرار معلل يحدد بدقة موضوع هذا الحلول”.

هذا من زاوية علاقة السلطة المحلية بالهيئة المنتخبة. أما في ما يخص الشق الداخلي للمجلس فإن الميثاق الجماعي يؤسس لهيمنة الرئيس على المجلس الجماعي ليضمن بذلك هيمنته على المجلس من الداخل، خصوصا إذا علمنا حال الانتخابات المحلية وما يشوبها من رشوة وتزوير وبيع وشراء وتبديل وترحال وتكتلات مصلحية، وعلمنا يد المخزن فيها وتحكمه في رسم خريطتها ومسارها وربانها.

ولعل أكبر مثال على تكريس هيمنة الرئيس على المجلس هو أن هذا الرئيس المنتخب لمدة ست سنوات لا يمكن إقالته من طرف المجلس الذي انتخبه ويضل على رأسه مدى ولاية المجلس بناء على القانون رقم 78.00 المتعلق بالميثاق، في الوقت الذي كان الفصل 7 من قانون 1976 يقر إمكانية إقالة الرئيس بنصاب ثلثي أعضاء المجلس بعد مرور سنتين على انتخابه.

والدافع إلى هذا التغيير في منظور المخزن هو هاجس الحفاظ على “استقرار” المجالس الجماعية رغما عن المجلس وعن إرادة وقرار الأغلبية به. لكن، إذا كان هذا التغيير القانوني قد عمل على تحقيق “استقرار” الرئاسة فإنه عمل في المقابل على تكريس سلطة الرئيس وتجاوزه للمجلس وتعطيل سير أعماله، خصوصا أثناء معارضة الأعضاء للرئيس ورفضهم المصادقة على الحساب الإداري.

إن تجربة ثلاث عقود من الانتخابات الماضية أثبتت أن إقالة الرئيس مرتبطة دائما برفض الحساب الإداري. ومرد ذالك أن المصادقة عليه تشكل فرصة حاسمة وموردا كبيرا للحصول على المال (أموال جديدة أو تلك التي صرفت رشوة وفسادا للفوز برئاسة المجلس) مما يجعل الخلافات والتكتلات في أوجها ويؤدي إلى صراعات تفضح الكواليس والاختلاسات المالية الجسيمة في مالية الجماعة وممتلكاتها وتفضح المخزن ( وزارة الداخلية وولاة وعمالا) باعتباره وصيا على المجالس، وصاحب التأشيرة التي بدونها لا يمكن تنفيذ أي قرار من قرارات المجلس أو الرئيس، وباعتباره كذلك مسؤولا على ما يحدث في الانتخابات المحلية من رشوة وتزوير وبيع وشراء.

لذلك، وبدل أن يعمل المخزن على محاربة الفساد من أصله، وهل يرجى من الحية غير السم، عمد إلى إحداث آلية استبداد الرئيس. الاستبداد بالقرار وضرب ديمقراطية المجالس أفضل من فضح المخزن وفضح الاختلاسات المالية.

هيمنة الرئيس على المجلس واستبداده بالقرار تظهر بشكل جلي في الفصل الثاني “اختصاصات رئيس المجلس الجماعي” من الباب الرابع من الميثاق (الاختصاصات) والباب الخامس (تسيير المجلس الجماعي) خاصة المواد 45 و47 و50. (تقيدها السلطة الإدارية في المادة 76 وليس المجلس!!).

نورد للقارئ الكريم نصوص هذه المواد، على طولها، للوقوف على مركزية الرئيس في عمل المجالس الجماعية من خلال صلاحياته الواسعة واستبداده بالقرار في كل المجالات، في كل صغيرة وكبيرة.

تقول المادة 45: “يعتبر رئيس المجلس الجماعي السلطة التنفيذية للجماعة. يرأس المجلس الجماعي ويمثل الجماعة بصفة رسمية في جميع الحياة المدنية والإدارية والقضائية ويسير الإدارة الجماعية ويسهر على مصالح الجماعة طبقا للقوانين والأنظمة المعمول بها”.

وتنص المادة 47: “ينفد الرئيس مقررات المجلس ويتخذ التدابير اللازمة لهذا الغرض ويسهر على مراقبة تنفيذها وفي هذا الإطار:

1. ينفذ الميزانية ويضع الحساب الإداري. 2. يتخذ القرارات لأجل تحديد سعر الرسوم وتعرفة الواجبات ومختلف الحقوق طبقا للنصوص التشريعية والتنظيمية الجاري بها العمل. 3. يقوم في حدود ما يقرره المجلس الجماعي بإبرام وتنفيذ العقود المتعلقة بالقروض. 4. يبرم صفقات الأشغال والتوريدات أو الخدمات. .5 يقوم بإبرام ومراجعة الأكرية وعقود إيجار الأشياء. 6. يدبر أملاك الجماعة ويحافظ عليها ولهذه الغاية يسهر على تحيين سجل المحتويات ومسك جداول إحصاء الأملاك الجماعية وتسوية وضعيتها القانونية ويتخذ كل الأعمال التحفظية المتعلقة بحقوق الجماعة. 7. يباشر أعمال الكراء والبيع والاقتناء والمبادلة وكل معاملة تهم الملك الخاص الجماعي. 8. يتخذ التدابير المتعلقة بتدبير الملك العمومي الجماعي ويمنح رخص الاحتلال المؤقت للملك العمومي بإقامة بناء. 9. يعمل على حيازة الهبات والوصايا. 10. يبرم اتفاقية التعاون والشراكة والتوأمة”.

وتنص المادة 50 “يمارس رئيس المجلس الجماعي اختصاصات الشرطة الإدارية في ميادين الوقاية الصحية والنظافة والسكينة العمومية وسلامة المرور وذلك عن طريق اتخاذ قرارات تنظيمية وبواسطة تدابير شرطة فردية هي الإذن أو الأمر أو المنع. ويقوم لاسيما بالصلاحيات التالية:

يسهر على تطبيق القوانين والأنظمة المتعلقة بالتعمير وعلى احترام ضوابط تهيئة التراب ووثائق التعمير، يمنح رخصة البناء والتقسيم ورخص السكن وشهادة المطابقة ورخص احتلال الملك العمومي لغرض البناء وذلك طبق الشروط والمساطر المنصوص عليها في القوانين والأنظمة الجاري بها العمل،

يسهر على نظافة المساكن والطرق وتطهير قنوات الصرف الصحي وزجر إيداع النفايات بالوسط السكني والتخلص منها، يراقب البنايات المهملة أو المهجورة أو الآيلة للسقوط ويتخذ التدابير اللازمة لترميمها أو هدمها طبق للقوانين والأنظمة الجاري بها العمل، يساهم في المحافظة على المواقع الطبيعية والتراث التاريخي والثقافي وحمايتها وذلك باتخاذ التدابير اللازمة طبق للقوانين والأنظمة الجاري بها العمل، يمنح رخص استغلال المؤسسات المضرة أو المزعجة أو الخطيرة الداخلة في اختصاصه ويراقبها طبقا للقوانين والأنظمة الجاري بها العمل، ينظم ويساهم في مراقبة الأنشطة التجارية والمهنية غير المنظمة التي من شأن مزاولتها أن تمس بالوقاية الصحية والنظافة وسلامة المرور والسكينة العمومية أو تضر بالبيئة،

يراقب محلات بيع العقاقير والبقالة ومحلات الحلاقة وعلى العموم كل الأماكن التي يمكن أن تصنع أو تخزن أو تباع فيها مواد خطيرة، يتخذ جميع التدابير الرامية إلى ضمان سلامة المرور في الطرق العمومية وتنظيفها وإنارتها، ورفع معرقلات السير عنها، وإتلاف أو إصلاح البنايات الآيلة للسقوط أو الخراب ومنع الناس من أن يعرضوا في النوافذ أو في الأقسام الأخرى من الصروح أو من أن يلقوا في الطرق العمومية أيا كان من الأشياء التي من شأن سقوطها أو رميها أن يشكل خطرا على المارة أو يسبب رائحة مضرة بالصحة، يساهم في مراقبة جودة المواد الغذائية والمشروبات والتوابل المعرضة للبيع أو للاستهلاك العمومي،

يسهر على نظافة مجاري المياه والماء الصالح للشرب ويضمن حماية ومراقبة نقط الماء المخصصة للاستهلاك العمومي ومياه السباحة، يتخذ التدابير اللازمة لجنب أو مكافحة انتشار الأمراض الوبائية أو الخطيرة. وذلك طبق للقوانين والأنظمة المعمول بها، يتخذ التدابير الخاصة لضمان السكينة العمومية خصوصا في الحالات العمومية التي يقع فيها تجمهر الناس كالمواسم والأسواق ومحلات المشاهد أو الألعاب والميادين الرياضية والمقاهي والمسابح والشواطئ وغيرها،

يتخذ التدابير الضرورية لتفادي شرود البهائم المؤذية والمضرة. ويقوم بمراقبة الحيوانات الأليفة، وجمع الكلاب الضالة، وتحكم فيها ومكافحة داء السعار وكل مرض آخر يهدد الحيوانات الأليفة طبق للقوانين والأنظمة الجاري بها العمل، ينظم و يراقب المحطات الطرقية ومحطات وقوف حافلات المسافرين وحافلات النقل العمومي وسيارات الأجرة وعربات نقل البضائع وكذا جميع محطات وقوف العربات،

يتخذ التدابير اللازمة للوقاية من الحريق والآفات والفيضانات وجميع الكوارث العمومية الأخرى، ينظم استعمال النار من أجل الوقاية من الحريق الذي يهدد المساكن والنباتات والأغراس طبقا للتشريع والتنظيم الجاري به العمل، يمنح رخص احتلال الملك العمومي الجماعي بدون إقامة بناء، يضبط وينظم تشويير الطرق العمومية داخل تراب الجماعة، ينظم و يراقب إقامة واستغلال الأثاث الحضري لغاية الإشهار بواسطة الإعلانات واللوحات والإعلانات والشعارات بالطريق العمومي وتوابعه وملحقاته،

ينظم استغلال المقالع في حدود المقتضيات التشريعية والتنظيمية المعمول بها ويسهر على تطبيق القوانين والأنظمة في هذا الميدان، يضمن حماية الأغراس والنباتات من الطفيليات والبهائم طبقا للقوانين والأنظمة الجاري بها العمل، يمارس شرطة الجنائز والمقابر ويتخذ، على وجه السرعة، الإجراءات اللازمة لدفن الأشخاص المتوفين بالشكل اللائق وينظم المرفق العمومي لنقل الجثث ويراقب عملية دفنها واستخراجها من القبور طبقا للكيفيات المقررة في القوانين والأنظمة الجاري بها العمل”.

خاتمة

هكذا يكون الميثاق الجماعي نموذجا رائدا في الوصاية والهيمنة والاستبداد. وصاية السلطة على المجلس، واستبداد الرئيس بالمجلس وحمايته من السلطة (استحالة إقالته)، والتفاف السلطة عليه في الفصلين 76 و77 اللذان يقيدان صلاحياته ويعطيانه حق الحلول مكانه.

إن السمة المهيمنة على الميثاق الجماعي المؤطر للانتخابات الجماعية المقبلة هي الوصاية العريضة لوزارة الداخلية وانحصار دور وصلاحيات المجالس الجماعية. وهذا ما يسطره المخزن بكل صراحة وبدون أدنى حرج في باب سماه “الوصاية على أعمال المجلس الجماعي” (الباب السادس).

هذا الاختلال القانوني الكبير هو ما حذا بالمخزن على لسان وزير داخليته إلى التأكيد في أول لقاءاته التواصلية، يوم 20/04/2009، في إطار الإعداد للانتخابات المحلية المقبلة، في عرض تحت عنوان “الجماعات المحلية في أفق 2015” على توجه الدولة نحو التقليص من سلطات الوصاية لفائدة المنتخبين.

المخزن يعلم جيدا نقطة الخلل، يعلم جيدا وصايته المطلقة على الهيئة المنتخبة منذ عقود ويعي ما ينتج عن ذلك من فساد واستياء ويأس في صفوف الشعب. يعلم كل ذلك لكن لا استعداد له للتغيير والإصلاح. ولا ينوي رفع عصاه، إن فعل، إلا في أفق 2015. مما يعني أننا مقبلون على نفس الأسطوانة في صيف 2009: انتخابات عبثية فارغة ووصاية مخزنية مهيمنة. إمعان هذا وأي إمعان في الاستهتار باختيار الشعب وإرادته وممثليه! وانتظر أنت يا مسكين حلول 2015 لترى هل سيتفضل عليك المخزن بحقك في ميثاق جماعي ديمقراطي وانتخابات حرة ونزيهة تكفل لك حقك في ممارسة سلطتك عبر من منحتهم صوتك وثقتك وتخرجك من براثين الفقر والتهميش والتبذير وسوء التدبير. والعجب ليس من المخزن وحاشيته وزبانيته، ولا من وصوليين وطفيليين ألفوا الاقتيات على فتات مائدته. إنما العجب كل العجب من عقلاء، نحسبهم كذلك، يتهافتون على مأدبته تهافت البعوض على النار، تارة بدعوى الواقعية والاعتدال وأخرى باسم الغيرة وسلامة النية والإصلاح من الداخل!!

تعددت الأسباب والنتيجة واحدة: تزكية الاستبداد المخزني وشرعنة فساده والتواطؤ معه في تفقير الشعب المغربي وتجهيله وقهره. فما السبيل لانتخابات جماعية حقيقية في المغرب؟

ما السبيل لمجالس فعلية فاعلة قادرة بالفعل على تدبير الشأن المحلي وتحقيق تنمية محلية شاملة؟

إن النهوض بالنسيج الجماعي المغربي بتركيباته السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية المعقدة يفرض إصلاحات سياسية وقانونية وإدارية جذرية وعميقة بدء من صياغة دستور شعبي ديمقراطي يؤسس لقطيعة فعلية مع الظلم والاستبداد وانتخابات تشريعية وجماعية حقيقية حرة ونزيهة، مرورا بمدونة جماعية في مستوى تطلعات المواطنين تكون من ركائزها الأساسية:

– الديمقراطية.

– الاستقلالية المادية والإدارية.

– قانون تنظيمي معقلن ومبسط يضمن: السير العادي والسليم لعمل المجالس.

– تنفيذ المشاريع والبرامج والمخططات التنموية وتطوير آليات التعاون والشراكة.

– رقابة ومحاسبة إدارية ومالية وقضائية دقيقة وصارمة.

– تكوين وتأهيل المنتخب الجماعي معرفيا وقانونيا وإشراك المواطنين في الشأن المحلي للجماعة وضمان الدعم والتمويل الكافي للجماعات بما يتناسب مع خصوصياتها وأولوياتها وحاجياتها في التنمية السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية.