نظمت جماعة العدل والإحسان، يوم الخميس 21 ماي 2009، لقاءً صحفيا مع ثلة من الإعلاميين الممثلين لمنابر صحفية متنوعة وذلك بمناسبة الذكرى الثالثة للحملة المخزنية على جماعة العدل والإحسان والتي خلفت آلاف المعتقلين والمحاكمين والملاحقين منهم مئات النساء والأطفال، وعشرات البيوت المغلقة والمشمعة، ناهيك عن صنوف أخرى من التضييق التي طالت دعوة وقيادات وأعضاء العدل والإحسان.

وقد أطر اللقاء كل من الأساتذة أعضاء مجلس الإرشاد: فتح الله أرسلان الناطق الرسمي للجماعة، وعبد الواحد المتوكل الأمين العام للدائرة السياسية، وعمر أمكاسو نائب الأمين العام للدائرة، وعرفت حضور الأستاذين محمد السلمي منسق الهيأة الحقوقية وعضو الأمانة العامة للدائرة السياسية وحسن بناجح مدير مكتب الناطق الرسمي وعضو الأمانة العامة، وتميز اللقاء الصحفي بشفافية في النقاش وانفتاح بين قيادات الجماعة والصحفيين وحديث في مختلف المواضيع.

الحملة المخزنية في ذكراها الثالثة

وشدد الأستاذ فتح الله أرسلان على تزامن الندوة مع الذكرى الثالثة للحملة المخزنية والتي انطلقت في 24 ماي 2006، وهي الحملة التي دعا “إلى استحضار حجمها الضخم، من محاكمات واعتقالات وتشميع للبيوت وتضييق في الأرزاق على التجار وأصحاب الشركات”، وأكد على أن الحملة مستمرة ولكن لأن أحداثها اكتست طابع الاعتياد اليومي فهي لا تسترعي اهتمام الصحفي، وهو ما ينبغي الانتباه إليه.

واعتبر الناطق الرسمي للجماعة أن “تصرفات الدولة لا قانونية إزاء الجماعة”، من جهته ألمح الأستاذ عبد الواحد المتوكل إلى أن “الحديث عن انطلاق الحملة المخزنية في 24 ماي 2006 لا يعني أنه قبل هذا التاريخ كانت العلاقة بين الدولة والجماعة جيدة، بل إن تاريخ الجماعة مليء بالتضييقات والاعتقالات والسجون…”.

كما كشف عن استمرار سلوكات السلطات القمعية في حق العدل والإحسان مذكرا بآخر اعتقالات شهدتها مدينة آسفي قبل أيام لأخوات كن يعقدن مجلسهن الخاص، وأكد أن “السلطة المغربية تحاول بهرجة الاعتقال وتضخيمه من خلال الإنزال المكثف للسلطات إلى عين المكان وتخويف أهل الحي”.

وعندما تساءل الصحفيون عن إمكانية إصدار الجماعة لجريدة خاصة وتقديم الوثائق إلى الجهات الإدارية من أجل إحراجها على الأقل، قال الأمين العام للدائرة السياسية بأن “المنع يشمل ما هو أقل من ذلك بكثير فما بالكم بإصدار جريدة”، وذكرت قيادة الجماعة بالمنع الذي طال الجرائد السابقة (رسالة الفتوة، العدل والإحسان، مجلة الجماعة…) وكذا حجب مواقع الجماعة الإلكترونية، مشددين على تفادي إعطاء فرصة تقديم طلب تأسيس جريدة للنظام.

وعن اعتقالات إيطاليا التي مست عددا من أنصار مدرسة العدل والإحسان كشفت قيادة الجماعة أن يد النظام المغربي كانت ضالعة في تحريك الملف، وقال فتح الله أرسلان، مجددا نصاعة منهج العدل والإحسان من كل ما يمت إلى بصلة، بأن “الحكم الابتدائي والاستئنافي قضى ببراءة أنصار مدرسة العدل والإحسان مما نسب إليهم”. وبدوره أكد الأستاذ عمر أمكاسو، نائب الأمين العام للدائرة السياسية، أن عددا من خطوات الدولة ترتبط برغبتها في تحجيم دور وحجم وجود الجماعة داخل وخارج المغرب، وقال بأن “وجود الجماعة خارج المغرب هو امتداد فكري لمدرسة العدل والإحسان، إذ الروابط تنحصر فيما هو فكري وتربوي وليست تنظيمية”.

بين المشاركة الانتخابية والسياسية

واستأثر الحديث عن عمل الجماعة السياسي ومقاطعتها المستمرة للانتخابات مساحة واسعة من أسئلة الصحفيين واستفساراتهم، وأكد مسؤولوا الجماعة على أن العدل والإحسان وإن كانت تقاطع انتخابيا فهي تشارك سياسيا، لأن المشاركة السياسية ليست رهينة بالمدخل الانتخابي. وهنا قال الأستاذ عبد الواحد المتوكل “إخوتنا في المشرق يتحدثون على ما يسمونه بخط المغالبة الأهلية، وهو الخط الذي ينبني على العمل السياسي من داخل المجتمع والضغط السياسي على نظام الحكم”.

بدوره أكد الناطق الرسمي فتح الله أرسلان “دورة الحياة السياسية في المغرب دورة عبثية، لا سلطات للحكومة والبرلمان والمجالس المنتخبة، فالملك هو الحاكم الفعلي. ولا حزب يستطيع تنفيذ برنامجه ولا نصفه أو ربعه، إذ أن خطاب الملك يلغي حتى البرنامج الحكومي، والحكومة مشكلة من خليط غير متجانس. والانتخابات في النهاية هي تمديد لعمر الأزمة إلى ولاية أخرى قادمة”. هذا الصوت يؤكد الأستاذ أرسلان يمثل الآن 80 في المائة من المغاربة.

وتساءل الناطق الرسمي للجماعة “المعارضة السابقة التي دخلت للعبة والحكومة، ماذا قدمت؟ وما الذي تبدل؟ فهو نموذج لا يشجع أحدا على الدخول”. وأكد أن العدل والإحسان تقدم نموذج المعارضة الحقيقية. وأكد بدوره الأستاذ المتوكل على أن “نظام الحكم في المغرب نظام فردي استبدادي”، وقال بأن العدل والإحسان لن تدعوا لمقاطعة الانتخابات الجماعية لأن الشعب أصلا يقاطع.

وفيما يخص المقارنة بين خياري العدالة والتنمية والعدل والإحسان قال الأستاذ فتح الله أرسلان بأن “العدالة والتنمية تعارض التدبير الحكومي أما نحن فنعارض النظام أصلا، لأن هذه المؤسسات لا صلاحيات لها”. وإذا كانت “العدالة والتنمية تسير بشكل جيد وفق منطقها في التقييم، فإن تقييم هذا الخيار وفق منطقنا لم ولن يقدم شيئا في ظل الشروط الحالية. وعموما هذا خيار وهذا خيار والزمن هو الحكم”. بدوره قال الأمين العام للدائرة السياسية “العاقل من يتعظ بغيره، وهذا ليس من منطق الاتهام بل الواقع، فالعبث هو من يحكم، والإشكال السياسي هو محور أزمة البلد”.

من جهته رأى الأستاذ عمر أمكاسو أن العدل والإحسان إذا كانت تقاطع اللعبة الرسمية فهذا لا يعني أنها تنتظر بسلبية بل إن “الجماعة حاضرة بقوة في أعماق المجتمع وتنشط بشكل مستمر ولها يد في مختلف الأحداث، من خلال لجان متابعة غلاء الأسعار، وقضية قبيلة دوبلال، وأحداث سيدي إفني، ومساعدة سكان المدن التي غرقت في فيضانات هذا العام في الوقت الذي غابت فيه الحكومة…”. غير أنه قال بأن “العدل والإحسان ليست حزبا سياسيا حريصا على الاستثمار وليست مضغوطة بزمن سياسي وانتخابي معين لذلك لا نركب على الأحداث ولا نستغلها. والجماعة لا يحكمها هاجس الظهور الروتيني والدائم”.

وأكد نائب الأمين العام للدائرة السياسية على أن الجماعة تشتغل باستمرار وتعد الكفاءات والطاقات والمشاريع لتسهم بها بشكل جدي لإنقاذ البلد، واعتبر أن مشروع الجماعة يركز على الإنسان وتربيته وإصلاحه لأنه هو محور التغيير. ورفض الفصل بين واجهات عمل الجماعة المتعددة ورأى أن “العمل التربوي والدعوي والاجتماعي يفتل في مشروع الجماعة الكلي ويعطيها القوة السياسية والمجتمعية المطلوبة.

وشددت قيادة الجماعة على أن المدخل الرئيسي لحل أزمة المغرب هو الميثاق الذي ينخرط فيه الجميع وللعدل والإحسان أن تسهم فيه إلى جانب غيرها. وهنا قال الناطق الرسمي بأن “الجماعة تملك مشروعا متكاملا لكنها لم تفضل طرح حتى أرضية الميثاق كي لا يدعي أحد أننا نملي أو نفرض خيارنا”.

ماهية جماعة العدل والإحسان

وفي هذا السياق أكد الأستاذ أمكاسو أن “جماعة العدل والإحسان أكبر من أن تكون حزبا سياسيا بل حركة مجتمعية، وبالتالي فهي تشتغل في واجهات متعددة محورها سلوك الإنسان وخلاصها بين يدي الله رب العالمين وعزة الأمة وتمكينها في دنيا الناس”.

بدوره رأى الأستاذ عبد الواحد المتوكل أن الجماعة تحمل “مشروعا مجتمعيا شاملا، تتكامل فيه مختلف واجهات العمل الدعوية والتربوية والاجتماعية والسياسية، وما هو معروف عند الغرب من تعارض بين الدولة والكنيسة والدين والسياسة لا يوجد في رؤيتنا الإسلامية”.

وكشف أن الجماعة لها مؤسسات تعمل في تكامل، والعمل السياسي لا يلغي باقي المجالات بل يتكامل معها. ومن ضمن مؤسسات الجماعة الدائرة السياسية التي لها مكاتب خبرة وأجهزة وهياكل تعد الدراسات وتدرس الواقع وتهيئ البدائل.

وإجابة على سؤال عن خلافة الأستاذ المرشد عبد السلام ياسين قال الناطق الرسمي فتح الله أرسلان “بأن للجماعة مؤسسات وهياكل وقوانين عن كيفية اختيار المرشد العام، ومن خلال صحبتي له التي ناهزت 40 سنة لم نلتق به يوما وإلا ويذكرنا بالموت الذي هو مصير الجميع”.

الدولة ومنطق الإملاء لا التفاوض

وإجابة على استفسارات الصحفيين حول ما عرف إعلاميا بالمفاوضات بين الدولة وجماعة العدل والإحسان، شدد الأستاذ فتح الله أرسلان على أن المخزن لا يؤمن بمنطق التفاوض بل الإملاء وابتزاز المواقف. وكشف عن محاولتين لدخول الدولة مع الجماعة في مفاوضات رسمية، الأولى في عهد الحسن الثاني سنة 1991 حين كان أعضاء مجلس الإرشاد في السجن والأستاذ المرشد تحت الحصار، والثانية في بداية حكم محمد السادس.

وحسب الناطق الرسمي ففي المرة الأولى كان الوسيط هو وزير الأوقاف السابق عبد الكبير العلوي المدغري الذي أرسل مبعوثين إلى السجن للقاء أعضاء مجلس الإرشاد، و”كان مدخلهم أن الملك بلغه أن العدل والإحسان ضده هو شخصيا وليس فقط تريد التغيير، راغبا في أن يلتقي مع قيادات الجماعة. وطرحوا على الجماعة إعطاءها حزبا والدخول إلى البرلمان و”الأموال التي تتسلمها الأحزاب أنتم أحق بها” كما قالوا”، وهنا أكد أرسلان أن “الجماعة ليس لديها مشكل في اللقاء لكن بشروط، وهي: ألا نخرج قبل انتهاء المدة السجنية لأنهم كانوا حريصين على إخراجنا قبل ذلك حتى يشاع بأن ثمة تفاهمات تجري بين الدولة والعدل والإحسان، أن يكون لنا حزب كما للآخرين، أن نلتقي به في سياق لقائه مع باقي الأحزاب، وكل هذا يستلزم بعض الوقت حتى نطرحه على قواعد وأعضاء الجماعة”.

من جهته أكد الأمين العام للدائرة السياسية بأن هذه المفاوضات ستتكسر على صخرة البيعة وتقبيل اليد والتي رفضتهما الجماعة، وأمام إصرار الوسيط على عقد اللقاء بين الملك ومجلس الإرشاد رغم هذا الرفض بدا أنهم يحاولون توريطنا فقط من خلال اللقاء والتقاط الصور وما يتبعها من تضارب التأويلات.

ورغم ذلك يقول الأستاذ فتح الله “طلبوا إلينا إرسال رسالة تؤكد قبولنا باللقاء، فأرسلناها إلى وزير الأوقاف نقول بأنه لا مانع كي نلتقي معه، فلم تعجبه كلمة معه طالبا تعديلها إلى جلالته، لكننا رفضنا حيث قال الأستاذ المرشد عبد السلام ياسين: إن الله خاطب نبيه الكريم “محمد رسول الله والذين معه…””، لتنتهي هذه المحاولة من المخزن بالفشل.

أما المحاولة الثانية فقد حدثت بعد تولي محمد السادس الحكم، تقول قيادة الجماعة، وانحصرت في لقاء واحد-توسط فيه أحمد حرزني- مع حسن أوريد مبعوث النظام الحاكم إلى الجماعة، و”الذي كان مكلفا-يقول أرسلان- بحل مشكل الحصار على الأستاذ عبد السلام ياسين والذي كان يحرج الدولة كثيرا، لكن قلنا له بأن مشكل الجماعة ليس فقط في حصار المرشد بل في مشكل تيار سياسي وموقفه، وعرضنا ملفات المعتقلين الإثني عشر والمعتقلين الإسلاميين والوضع القانوني للجماعة إلى جانب الحصار”، وهنا ذكر الناطق الرسمي للجماعة بأن “أوريد قال بضرورة التدرج لحل هذه الإشكالات وهو الأمر الذي لم نرفضه، فقلنا لنبدأ بملف المعتقلين الإثني عشر، لكنه قال بأنه غير مفوض إلا بالحديث في ملف حصار المرشد”. لتنتهي هذه المحاولة وليتوقف الاتصال من جهة المخزن مع بقاء محاولات جس النبض بشكل غير رسمي من خلال سياسيين وقيادات في أحزاب.

من جهة أخرى كشف الأستاذ فتح الله أرسلان أن “أحزابا عرضت على الجماعة الدخول فيها لممارسة العمل السياسي الرسمي، بعضها يوجد في الحكومة الحالية، لكننا رفضنا ذلك لأن تأسيس الأحزاب ليس منة ونحن نطالب بحقنا كاملا”. ليؤكد الأستاذ عبد الواحد المتوكل أن الجماعة ماضية في طريقها وهي “قوة هادئة” تشتغل كي يصبح التغيير رغبة مجتمعية.