أجرت جريدة “الشرق الأوسط” حوارا مع الأستاذ فتح الله أرسلان الناطق الرسمي لجماعة العدل والإحسان قال فيه إن قضية واحدة كانت ولا تزال موضع خلاف مع الدولة، هي الحرية، مضيفا «إننا لا نطلب أكثر من أن نتمتع بحرياتنا الأساسية في التنظيم والحركة والتعبير التي يكفلها الدستور والقانون».

ورفض أرسلان تحديد الهيئات السياسية المغربية التي دعت جماعته إلى الانخراط في الحياة الحزبية، وعزا ذلك إلى أن «الظرف السياسي الحالي غير مناسب لتحديد هيئة بعينيها». وتطرق أرسلان إلى مواقف جماعة العدل والإحسان من عدة قضايا، ترتبط بالانتخابات البلدية المقبلة، وبتقييمها للتطورات السياسية الحالية، وللمحاكمات المتعلقة بشيوخ السلفية الجهادية، وغيرها. وفي ما يلي نص الحديث:

سؤال:

ما سر اختيار هذا التوقيت بالضبط لخرجتكم الإعلامية الأخيرة التي قد تفسر على أنها موقف يراد به التأثير على الناخبين؟

جواب:

ليس هناك أي سر، كل ما في الأمر أننا عقدنا لقاء تواصليا مع عدد من الصحافيين بمناسبة الذكرى الثالثة لحملة القمع الشرسة والمتواصلة التي تشنها الدولة ضد جماعة العدل والإحسان منذ 24 مايو (أيار) 2006، ولا تزال مستمرة حتى الآن. وبالمناسبة سألنا الصحافيون في شتى المجالات، وأثاروا معنا قضايا كثيرة، فأجبناهم عن تساؤلاتهم. وغير هذا فإن الناس أحرار فيما يذهبون إليه من تفسيرات.

سؤال:

أعلنتم أخيرا مقاطعتكم للانتخابات البلدية المقبلة، ما هي الأسس التي اعتمدتم عليها في المقاطعة؟

جواب:

موقفنا من الانتخابات بالشكل الذي تجري به في المغرب ليس جديدا، إنما أعدنا التأكيد على مقاطعتنا لها ما دامت تجري ضمن نفس السياق والشروط. فالانتخابات وما تفرزه من مؤسسات تبقى مجرد مسوح زائفة تحاول الدولة أن تغطي بها عن حقيقتها الاستبدادية. أما الشروط فهي كونها لعبة متحكما فيها بالكامل حيث لا تسمح بإفراز حزب أو تكتل قوي متجانس، ولا تخول لمن تفرزه الانتخابات أي سلطات حقيقة لأن أهم السلطات والاختصاصات هي بيد مؤسسات وهيئات تابعة مباشرة للملك. بناء على هذه المعطيات، نحن في جماعة العدل والإحسان نقاطع هذه المهازل التي لا يتجاوز دورها إهدار المال العام مثلما يقاطعها الشعب على نطاق واسع.

سؤال:

ما هي الهيئات السياسية التي عرضت على الجماعة إدماجها في الحياة السياسية، ودخولها الحكومة؟

جواب:

أحسب أن الظرف السياسي الحالي غير مناسب لتحديد هيئة بعينها.

سؤال:

متى جرى آخر لقاء بينكم وبين أحد ممثلي القصر، ومن هو، وما هي الأجواء التي مر فيها؟

جواب:

كان ذلك مع بداية الألفية، وكان هذا اللقاء مع حسن أوريد ممثلا للملك محمد السادس. وقد أثار معنا نقطة واحدة، هي قضية حصار الأستاذ عبد السلام ياسين (زعيم الجماعة) الذي كان قد أمضى وقتها عشر سنوات محاصرا في بيته. وكان واضحا أن الحكم يسعى فقط للتخلص من هذا الملف لما كان يسببه له من إحراج كبير. ولم نلمس أي إرادة لديه لحل قضية جماعة العدل والإحسان من جذورها. فنحن عبرنا عن أن المشكلة ليست فقط في أن يخرج أو يدخل الأستاذ عبد السلام ياسين إلى بيته ويستقبل زواره، القضية أكبر من ذلك بكثير، هي قضية جماعة وخيار ومشروع ينبغي أن تكون له حرية الحركة والتنظيم والتعبير. وفي غياب الإرادة الحقيقية لحل الملف بهذه الحيثيات توقفت اللقاءات.

سؤال:

ما طبيعة الشروط والظروف السياسية التي تطالبون بتوفرها للتحول إلى حزب سياسي؟

جواب:

مسألة تكوين حزب سياسي في المغرب لا ترجع فقط إلى المجموعة التي ترغب في ذلك، ولا يتعلق الأمر فقط بإجراءات قانونية وإدارية ينبغي سلوكها. إنما الحاسم في الأمر هو إرادة الحكم الذي كان دائما، ولا يزال، يعتبر الحزب منحة وإكرامية وليس حقا. الحزب في منطق الدولة محرم عليه أن يطمح إلى الحكم أو الاشتراك في ممارسته ضمن تكتل معين تبعا لتوازنات صناديق الاقتراع. إنما تحرص الدولة على احتكار الحكم وكل السلطات بشكل فردي، ولا تتجاوز الأحزاب أدوارا هامشية هي أقرب إلى ديكور يكمل به الحكم تأثيث مسرحية الديمقراطية المزيفة، مما أفقد السياسة معناها، وهو ما دفع الشعب إلى فقدان الثقة في السياسة وممارسيها، وأصبح يجمع النظام والأحزاب في سلة واحدة ويقاطع كل ما يأتي منهما. والنسبة الهزيلة للانتخابات البرلمانية في سبتمبر (أيلول) 2007 خير دليل على ذلك.

سؤال:

ما هي النقاط التي ما زالت موضع خلاف بينكم وبين الدولة؟

جواب:

قضية واحدة كانت ولا تزال موضع خلاف، هي الحرية؛ فنحن لا نطلب أكثر من أن نتمتع بحرياتنا الأساسية في التنظيم والحركة والتعبير التي يكفلها الدستور والقانون رغم العلل التي تشوبهما. لكن الدولة تصر على حرماننا من أبسط هذه الحقوق وتشن علينا الحروب تلو الأخرى.

سؤال:

كيف قرأتم وعد الدولة أخيرا، على لسان وزير الداخلية، بإمكانية العفو عن معتقلي السلفية الجهادية في حال اعترافهم بأخطائهم، وما رأيكم في الحكم الصادر أخيرا على حسن الكتاني وأبو حفص، المتهمين على خلفية تفجيرات مدينة الدار البيضاء في 16 مايو (أيار) 2003؟

جواب:

الدولة تعرف ارتباكا واضحا في معالجتها لمثل هذه الملفات، ففي الوقت الذي اعترفت أعلى سلطة في المغرب بوجود تجاوزات في تدبير هذه القضايا، والأكيد أن مثل هذا الاعتراف لم يأت إلا بعدما أصبح الأمر ظاهرة فاضحة وملفات متراكمة، لا نجد أي مراجعة من الدولة في سياساتها الأمنية والقضائية تحديدا. فلا يمكن مواجهة العنف، الذي ندينه، بعنف مطلق يخلط فيه الحابل بالنابل، ويؤخذ فيه الآلاف بجريرة أفراد.

فلو ابتدأت الدولة بنفسها واعترفت بأخطائها الجسيمة وعلى رأسها الغياب الكلي للعدل لبدأت باقي المشكلات في الصلاح التدريجي. لأن من أبرز صور غياب العدل غياب قضاء مستقل ونزيه. وبالتالي فساد التحقيق، والحيف في المحاضر والملفات فتكون النتيجة الغالبة هي تلفيق التهم وكيل الأحكام.

سؤال:

كيف تتابعون ما يجري حاليا من تفاعلات على المشهد السياسي المغربي؟

جواب:

نتابع مجريات الواقع السياسي المغربي بقلق كبير. فكل الأحوال السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأخلاقية تسير من سيئ إلى أسوأ. هناك انسداد كلي، أهم مظاهره تعطل كل المؤسسات، والبروز الأوحد للقصر ومحيطه، ويكفي أن تطالع الواقع التعليمي الكارثي، وتعاين أزمة المعيشة الخانقة، وتلاحظ نسبة البطالة، في مقابل تمييع المشهد الحزبي والعزوف الكبير للشعب عن العمل السياسي. ولا ينبغي أن يفهم مما قلت أننا عدميون ولا نستحضر بعض الإنجازات والإجراءات والمبادرات الرسمية التي يروجون لها في الإعلام الرسمي، لكنها تبقى بسيطة جدا وجزئية لا تتجاوز دور المهدئ، ولا تساوي شيئا أمام حدة النزيف، ولا تصمد أمام الواقع البئيس الذي يعاني منه غالبية الشعب، التي تكافح كفاحا مريرا من أجل أبسط مقومات الحياة في ظل الغلاء الفاحش، والتقلص المهول في فرص الشغل وخنق القروض لغالبية الطبقة الوسطى، ناهيك عن الفئة العريضة، وهي فئة الفقراء المضغوطين ضغطا قاتلا على كافة المستويات. هذا الانسداد نتج عنه احتقان خطير يدفع كل غيور إلى القلق من الآتي. اللهم اجعله خيرا.