أجرى موقع الجماعة، بمناسبة الذكرى الثالثة للحملة المخزنية على الجماعة، حوارا مع الدكتور محمد سلمي عضو الأمانة العامة للدائرة السياسية ومنسق الهيأة الحقوقية تحدث فيه عن الخروقات التي عرفتها هذه الحملة، وعن تصنيفها على ضوء منظومة حقوق الإنسان، وعن تحركات الهيأة:

سؤال:

تعيشون هذه الأيام على وقع الذكرى الثالثة للحملة المخزنية على الجماعة. هل يمكن أن تحدثونا عن الخروقات التي عرفتها هذه الحملة؟

جواب:

بسم الله ناصر المستضعفين، وقاصم الجبارين، والصلاة والسلام على قائد الغر المحجلين، أما بعد فإن الأنسب لطرح هذا السؤال في ظل الحملة، أن نسأل عن الخروقات التي لم ترتكب. لأن السلطات المغربية وفاء منها للمذكرات الرسمية والتصريحات المعلنة من قبل مسؤوليها، لم تدع بندا من بنود حقوق الإنسان إلا انتهكته. فقد مارست التعذيب والاختطاف… والاعتقال التعسفي والسياسي…والعنف ضد النساء، والأطفال، والشيوخ… ومنعت الحق في تأسيس الجمعيات أو الانخراط فيها، وصادرت حرية الرأي والتعبير، وحرية الإعلام، خاصة الإلكتروني… وانتهكت حرمة البيوت، بل صادرت حق تملكها والسكن فيها… والحق في التعليم… والحق في ممارسة الشعائر الدينية… وحاصرت رموز الجماعة وفنانيها، وخطباءها، وقيادتها… ومنعت من جوزات السفر…… ومن الوظائف العمومية، والإعلام العمومي… ومن الاستفادة من الفضاءات العمومية… وانتهكت حماية نشطاء حقوق الإنسان…إلخ. ولا زالت أجهزة الانتهاكات تواصل عملها.

سؤال:

أين يمكن أن تصنفوا حقوقيا هذه الانتهاكات على ضوء منظومة حقوق الإنسان كما هي متعارف عليها دوليا؟

جواب:

إننا حين نقوم بتكييف الانتهاكات المرتكبة مع بنود المنظومة الدولية لحقوق الإنسان، نجد انتهاك جل الحقوق السياسية والمدنية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية الممكنة في ظل الحرب التي أعلنتها الدولة على جزء مهم من الشعب بهدف إسكات صوته المعارض. فكثير من مضامين الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وكذا العهد الدولي للحقوق السياسية والمدنية، والعهد الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، والعديد من الاتفاقيات والمعاهدات انتهكت. مما يعني عدم وفاء الدولة بالتزاماتها تجاه المنتظم الدولي، ومسؤولية هذا الأخير عما تتعرض له جماعة العدل والإحسان، وضرورة فضح مناورة الجمع بين تزيين الواجهة، والطعن من الخلف.

سؤال:

ما هي التحركات الحقوقية التي قمتم بها وماذا كانت نتائجها؟

جواب:

لقد عودنا مرشد الجماعة، حفظه الله، العمل على واجهتين. إحداهما نشترك فيها مع سائر البشر، والثانية لا قبل لكثير من الناس بها. فعلى مستوى الواجهة الثانية، نحن على اتصال مباشر ومتواصل مع الحق سبحانه وتعالى، نعرض عليه بالليل والنهار شكاياتنا وتظلماتنا من هذه الأجهزة، ومن يسيرها أو يعمل فيها. ونكل إليه الأمر كله، ليكفينا شرهم بما شاء وكيف شاء، ويأخذ لنا حقنا بالكيف الذي يرضاه. والوسائل المعتمدة هي البرنامج التربوي الروحي للجماعة، خاصة أوراد الحسبلة والتفويض، وهي فعالة للغاية، ونتائجها ملموسة، وقد تحقق في هذا الاتجاه، بفضل الله، الشيء الكثير.

أما الواجهة الأخرى، فهي الشأن الحقوقي كما يعرفه عامة الناس. ونحن نعلم جيدا أن قضية العدل والإحسان أكبر بكثير من السقف المسموح به للمنظمات والجمعيات الحقوقية المغربية، في ظل دولة يمكنها توقيف مئات الجمعيات والمنظمات، وحل أحزاب سياسية بجرة قلم، أو مجرد تصريح…فنحن لا نراهن كثيرا على المشهد الحقوقي المغربي. لكن أقل ما يطلب اعتراف الممارسين بهذه الحقيقة، لأن عدم مواكبتهم لقضيتنا بالأشكال النضالية المناسبة، غير مقبول إلا من خلال هذا العذر. أما الاعتبارات الإيديولوجية، والسياسية، والمصلحية، فمن المفترض انتفاؤها عند من يتبنى حقوق الإنسان كما هي متعارف عليها. وقد حاولت بعض مكونات هذا المشهد الحقوقي، مشكورة، مراسلة الجهات الرسمية في قضايا جماعتنا، وإصدار بيانات في بعض الأحداث. لكننا لا نعلم شيئا عن ردود الجهات المعنية، ولا عن متابعة هذه الجمعيات لمراسلاتها. أما الجهات الغربية، فتتبعها لقضية العدل والإحسان مهم للغاية، ونخشى أن توظف قضيتنا للابتزاز، أو يسكت عنها مقابل الاستعمار الجديد الذي يعرفه المغرب حاليا. وقد لامسنا تراجعا غير مفهوم في بعض التقارير الرسمية لهذه السنة، مقارنة مع سابقاتها. وإذا كانت المنظمات الحقوقية الدولية الوازنة تباشر عملها معنا باحترافية عالية، فإن بعض التقارير الدولية الرسمية تفتقر إلى الموضوعية والدقة، نظرا لعدم اعتمادها على المعاينة المباشرة، أو الاتصال بالضحايا، أو بمؤسسات الجماعة، واكتفاؤها بشكل بسيط، كالأخذ عبر وسطاء.

سؤال:

دأبتم على إنجاز تقرير حقوقي سنوي عن هذه الخروقات. ما جديد تقرير هذه السنة؟

جواب:

لقد أنجزنا بتنسيق مع قطاع المحامين بالجماعة، وقطاع الشباب، والقطاع النسائي، والعديد من مؤسسات الجماعة تقارير مفصلة، عن نتائج الحملة التي تشنها علينا السلطات المغربية منذ 24 ماي 2006 إلى الآن. وقد تناقلت وسائل الإعلام نبأ التقرير الأخير الذي صدر بمناسبة الذكرى الثالثة للحملة، ونشر نصه الكامل بموقع الجماعة الإلكتروني. ونضع أنفسنا رهن إشارة الباحثين والمختصين في حقوق الإنسان، وكل من يعنيهم الأمر لتزويدهم بمادة حقوقية خصبة في الموضوع. وقد جاء التقرير الأخير مركزا للغاية، واكتفى ببعض نماذج الخروقات، والملفات الخاصة، مع ذكر الأرقام الإجمالية لحجم الانتهاكات، والمحاكمات الصورية، والغرامات الخيالية…ولم يتطرق التقرير لكثير من القضايا، نظرا لإكراهات متعددة. منها عامل الزمن، الذي حتم إصدار التقرير في ذكرى مناسبة الحملة، رغم عدم توفر الهيئة الحقوقية على كثير من المعطيات، بسبب تباطؤ بعض الأعضاء (الضحايا) في تعبئة الاستمارات الموجهة لهم بهذا الصدد. وستتدارك الهيئة الأمر بحول الله، وقد تصدر ملفات خاصة بقضايا بعينها، كقضية الفنان المقتدر رشيد غلام، الذي لازالت السلطات المغربية تضايقه بشكل مبتذل، رغم صيته العالمي. وقد كان حظه من الحلمة وافرا ومتنوعا.

سؤال:

هل تكفي المقاربة الحقوقية لفك ملف الجماعة أم أنه لا بد من مقاربات أخرى؟

جواب:

البعد الحقوقي جزء من المقاربة، أساسي لكنه غير كاف. ومن شأن شقه الدولي بصفة خاصة (لأن الاستبداد يستخف بصراخ الرعايا ولو عدوا بالملايين) المساهمة في الضغط لإقرار الحل السياسي لقضية العدل والإحسان. إنها قضية سلطة مستبدة مع معارضة مجتمعية منظمة. وإذا كانت الجماعة قد استوعبت الإشكالية منذ البداية، فرفعت شعار نبذ العنف، والقبول بالعمل في ظل المؤسسات والقوانين القائمة رغم علاتها، فإن الطرف الآخر، وهو منهمك في مقارباته القمعية والبوليسية، لا يقدر حجم الكوارث الممكن ترتبها عن منع الجماعة من تأطير الشعب. وقد مر هذا المسار بثلاثة مراحل: حاول النظام في البداية أن ينافس الجماعة في كل ما تقوم به من أنشطة تربوية واجتماعية وترفيهية. ولعل من يتتبع أنشطة الدولة يرى سبق الجماعة (إفطارات رمضان، حفلات الختان، الحملات الطبية، حقيبة التلميذ اليتيم، أضاحي العيد، المخيم للجميع، مسابقات حفظ وتجويد القرآن الكريم…) ، ثم منعها في المرحلة الثانية ليستفرد بالساحة، وفتح المجال لأطراف يعتقد أن نشاطها في الساحة سيستفرد بالاستقطاب، وربما كان التشجيع في اتجاه التشويش وإثارة النزاع بين مختلف مكونات المجتمع. فبعد دخول اليسار في حكومة “التوافق”، جيء بالسلفية كما ذكر صاحب كتاب “الحكومة الملتحية”، وبعد أحداث 16 ماي 2003 التي ذهب ضحيتها من قتلوا في أماكن التفجيرات، ومن زج بهم في السجون من الأبرياء، أغلقت دور القرآن، وجاء دور الصوفية والمواسم، وتمييع “الحقل الديني”. وفي المرحلة الحالية مداهمة البيوت، ومنع المناسبات الاجتماعية، والزيارات المتبادلة بين الأفراد والأسر. فليس بعد هذا إلا أن يمنع عضو جماعة العدل والإحسان من أن يحدث نفسه بشيء.

إن المقاربة الحقوقية إصلاحية بطبعها، ويحتاج نجاحها إلى شروط موضوعية، كوجود دولة قوية وفية لمبادئها والتزاماتها، معترفة بحقوق مواطنيها. كما يحتاج على المستوى الدولي، إلى تغيير استراتيجي يدرك الغرب من خلاله خطأه في دعم الاستبداد في مستعمراته ومحمياته، وفي تجاهل حق الحركة الإسلامية، وتعطيل المنظومة الحقوقية حين يكون الضحية من الإسلاميين. لكن الله سبحانه أكبر وأعلى وأجل، والمستقبل لهذا الدين، والعاقبة للمتقين، والحمد لله رب العالمين.