ما دمت في المغرب…!

رحم الله ابن خلدون، فقليل من يدري أنه صاحب المقولة الشهيرة “ما دمت في المغرب فلا تستغرب”.

حكمة لم ينل منها تداول الأيام ولا زوال دول وممالك وبروز أخرى ولا حتى تقلب عادات الناس وأمزجتهم…والحق أن الرجل نفسه وهو الأستاذ المبرز والقاضي وكاتب سلطان زمانه الذي خبر السلطة فتنغنغ في نعيمها، قبل أن يذوق مرارة سياطها، لو امتد به العمر إلى أيامنا هذه لفغر فاه استغرابا لما يجري في مغرب اليوم…ولأدرك أن المغرب ترقى في سلم الغرابة حتى صار أغرب وأطرف بلد في العالم…

غريب إلى حد الجنون، طريف إلى حد الرثاء!

مجرد أسئلة…

مناسبة هذا الكلام المهرجانات التي تنظم في كل شبر من البلاد وفي كل وقت، حتى صار ما بين كل مهرجان ومهرجان… مهرجان. أينما ساقتك قدماك وجدت خيمة منصوبة أو منصة مرفوعة…فهذا “موازين” وهذا “مهرجان زواج” وهذا “مهرجان الفنون الشعبية” وهذا “مهرجان كناوة” وهذا “تيميتار” و.. و…

بالله عليكم، أخبرونا عن الإضافة التي تأتي بها هكذا تظاهرات؟ وما الذي يجنيه المغاربة منها؟

هل اكتفينا من كل الخيرات والمكرمات وسلكنا سبيلنا لنصل إلى ذرى المجد في ميادين الحياة، من صحة وتعليم وأمن، حتى لم يبق لنا سوى ليّ خواصر أضمرها الفقر وقلة ذات اليد وهز بطون مخمصة، قد صيرها ارتفاع الأسعار الصاروخي خاوية أو تكاد…؟؟!

أي قيمة فنية وأي قيمة أخلاقية لهذه التظاهرات، وقد غلب الغث فيها على السمين والميوعة على الحياء، ورفع الفن ليحل محله العفن؟!

اختلطت ألوان الغناء حتى صرنا أمام فسيفساء قبيحة “لا تسر الناظرين”، تضم فيما تضم “الراي” و”الراب” و”الهيب هوب” و”الجاز” و”الشرقي” و”الخليجي” و”العيطة” و”العلوة” و”أحواش” و”أحيدوس” و”البوب” و”الريكي” و”الروك” و”الملحون” و”الميتال”.. و.. و…”واابـززااف”…

أيصدق عاقل أن ثقافة واحدة تستطيع استيعاب هذا الخليط؟!

جميل أن يشذو لنا فنان ملتزم ذو رسالة كمارسيل خليفة فيحيي فينا هم القضية أو أن نستمع لعملاق كصباح فخري يصدح بصوته المتفرد… وسواهما ممن يستحق فعلا لقب فنان. لكن…

بربكم ماذا سيفيد شبابنا حضور نجمات الإغراء ممن كشفن عن ساق وادعين أنهن فنانات؟!

تأتي إحداهن لتتلوى كأفعى أمام شباب جائع لم يأت به سوى التفرج مباشرة على جسدها العاري “إلا قليلا مما يسترون”، بعد أن سئم رؤيته في كليبات القنوات الفضائية.

ماذا يجني القيمون على هذه الملتقيات من سهرات تحتسى فيها الخمور وتستهلك المخدرات وتلتصق فيها أبدان الفتيان والفتيات ويوزع فيها “العازل الطبي” بالمجان؟!

ماذا استفاد فنانونا ومبدعونا من هذه المهرجانات؟ لا شيء. فما جنته “ريهانة” أو “إليسا” في ليلة واحدة لم يكن أحد منهم ليحسن عده حتى… بَلهَ أن يحلم به مكتوبا في كشف حسابه البنكي (إن كان له حساب بنكي بالطبع).

لا عجب أن تصادف أحد هؤلاء المساكين يسير بغير هدى وسط المدينة، وقد اكتنفه هم وحَـزَن، أو جالسا في مقهى هناك يحدث أصحابه عن سيناريو فيلم لن يرى النور أبدا، أو كلمات أغنية سينفخ في الصور قبل أن تخرج للوجود…

أما ذوو الرسالة منهم فمغضوب عليهم… يُحتفى بهم في كل بلاد الأرض إلا في المغرب… وما نموذج رشيد غلام عنا ببعيد… رموه بجرم هم أعلم الناس أنه منه براء، لمّا أبى أن يجيبهم لما تهوى أنفسهم المريضة وحرضوا عليه أقلام السوء “المسبوقة الدفع” لتنال من سمعته… وهيهات.

“الفاتورة من فضلك…؟”

المصيبة أن هذا العبث يكلف جيوب المغاربة الكثير، فمثلا مهرجان “أصوات نسائية” بلغت ميزانيته نحو 10 ملايين درهم (1.4 مليون دولار) في ثلاثة أيام، أما مهرجان “تيميتار” بأكادير فبلغت ميزانيته 11 مليون درهم (1.5 مليون دولار)، في حين أن احتفالات “حضرة العمدة” شباط بذكرى مرور 1200 عام على تأسيس فاس بلغت ميزانيتها 350 مليون درهم أي ما يناهز 50 مليون دولار (انظر موقع إسلام أونلاين)..

يا حسرة على فاس!!

تصرف هذه المبالغ في عز الأزمة الاقتصادية العالمية… والدنيا كلها معبأة لما هو أسوأ من الوضع الراهن.

ما الذي يمنع حكومة الفاسي من وضع حد لهذا الهدر؟ لا تستطيع. لأن المنظمين والمستفيدين والممولين والمستشهرين ينتمون إلى الدائرة الضيقة من أهل الحل والعقد من مستشارين وكتاب خاصين ورجال أعمال وجمعيات نافذة لا كلام معها، خصوصا من حكومة لا خطر لها، ضامنها في البرلمان متربص بها.

أما المغاربة البسطاء فلا يجنون شيئا من هذا اللهو…عمدة الصويرة نفسها صرحت لإحدى الصحف أن المدينة تصرف ما شاء الله من أموال دافعي الضرائب لاستضافة مهرجان كناوة، من تهييء الفضاءات إلى جمع الفضلات، دون أن يعود ذلك على المدينة وأهلها بسنت واحد.جنى علينا عصبة جازفوا *** فحسبنا الله ونعم الوكيل

رحابة صدر…

آه..!! يريدون التسويق لصورة المغرب السياحية… رائـع!! بفضل “سياستكم التواصلية” (والمهرجانات جزء منها) أصبح اسم مراكش وأكادير مقرونا في أذهان السياح ببانكوك ونايروبي ومانيلا… وكل بلاد تستغل بناته وأطفاله في السياحة الجنسية، حتى سارت بذكرنا الركبان (من الركب وليس الركبة) وصار المغربيات يستحيين من ذكر انتمائهن لوطن يظن بأهله الظنون.

بل وتفتقت قريحة أصحابنا عن فكرة تنظيم ملتقى للشواذ والسحاقيات..ليس سرا أن مراكش (الحمراء فعلا) استضافت من 26 يوليوز إلى 2 غشت 2008 ما يسمى بـ” Gay OpenMind Tour” . دعونا نترجمها بـ”جولة الصدر الرحب للشواذ”، حدث تنظمه وكالة أسفار فرنسية بشراكة مع قنوات فرنسية “متخصصة”..

واكمداه!! 700 شاذ وسحاقية من مختلف أصقاع الأرض على مدار أسبوع في مدينة سبعة رجال ومثوى أمير المسلمين يوسف بن تاشفين…!!

إن كانت مهرجانات المخزن ستأتي بمثل هؤلاء المرضى والمنحرفين وبأمثال البلجيكي سيء السمعة “فيليب السرفاتي”… فالله الغني.

تمييع وإلهاء…

لا يتعبن أحدكم فكره في فهم هذه اللوثة التي أصابت من يهمهم الأمر.

الحكاية وما فيها أن المخزن قد انخرط منذ سنوات في سياسة تمييعية نسجت حبائلها بحبكة وإتقان في المدرسة والكلية والتلفاز، وقد بدأنا نرى ثمار غراسها شبابا مخنثا يضع الأقراط ويلبس “الطاي باس” ويتحدث “كمن نشأ في الحلية وهو في الخصام غير مبين”… وفتيات أقصى أمانيهن أن يشاركن في “ستار أكاديمي” أو “ستوديو دوزيم” ويصبحن مغنيات أو راقصات… فلا حول ولا قوة إلا بالله.

ومن جهة أخرى، فالمخزن تبنى سياسة الإلهاء، ليصرف المواطن المقهور عن همومه الحقيقية.

تمييع وإلهاء، هذه هي حقيقة أغلب هذا الضجيج الذي يسمونه مهرجانات فنية.

التمييع أخطر لأن ضياع مستقبل شاب واحد لهثا خلف السراب خسارة لا تعوض أبدا.. وما أصدق قول شوقي:ومن شرف الأوطان ألا يفوتهـا *** حسـام معـز، أو يراع مهذب
كذا الناس بالأخلاق يبقى صلاحهم *** ويذهب عنهم أمرهم حين تذهب
لكن الغبي فقط من يظن أن الإلهاء يدوم، فالناس قد تصمت على هضم الحقوق واغتصاب الحريات، لكنها لا تقوى على الصمود أمام الغلاء ولا تصبر على الجوع… وما أحداث سيدي إفني عنا ببعيد…