أجرت يومية “المساء” حوارا مع الأستاذ فتح الله أرسلان، الناطق الرسمي لجماعة العدل والإحسان، حول عدد من القضايا الوطنية وموقف الجماعة من الانتخابات ونظرتها للتأطير الرسمي للعمل السياسي وعلاقة الجماعة بنظام الحكم… وقضايا أخرى. نعيد نشر الحوار تعميما للفائدة:

سؤال:

كيف ستسوق الجماعة هذه السنة موقفها من الانتخابات؟

جواب:

لا يتطلب منا الأمر جهدا استثنائيا، لأن مقاطعة الانتخابات لم تعد محصورة في جماعة العدل والإحسان، بل أصبح الشعب في أغلبه يقاطع هذه المهازل تلقائيا، لأنه يعايش ويعاين آلاف الأدلة يوميا، عبثية المجالس الجماعية والبرلمان والحكومة، وأصبح يدرك أن لا فائدة من وراء تصويته على هيئات لن تكون لها أية صلاحيات ولن تغير من وضعه المتأزم شيئا، إن لم تكن هي من أسباب تعميق الأزمة لأنها أبواب لهدر المال العام فقط، في الوقت الذي يوجد فيه القرار بيد لوبيات موازية لها النفوذ المطلق، وهي لا تُنتَخَب وليست هناك مجالات لمساءلتها ومحاسبتها.

ودعني أقول لك إن كثيرا من المشاركين أنفسهم يدركون أن لا جدوى من الانتخابات وأنها ليست سوى مناسبة للاسترزاق وتحقيق المصالح الشخصية، باستثناء قليل من ذوي النيات الحسنة الذين يقرون أيضا أن دورهم لا يتجاوز التنفيس وقضاء بعض الحاجيات البسيطة للناس.

سؤال:

سبق أن صرحتم بأن عددا من الأحزاب خطبت ودكم وعرضت عليكم المشاركة في الانتخابات تحت يافطتها، هلا كشفتم عن هذه الأحزاب وما المانع لديكم لتجريب هذه الوصفة؟

جواب:

أقدر أن الظروف السياسية الحالية غير ملائمة لتحديد الجهة المقصودة.

أما عن المانع من أن ننخرط ضمن حزب معين فهو تشبثنا بحريتنا كاملة كما يتمتع بها غيرنا، ولأننا نرفض أسلوب اللجوء والاستئجار السياسي، لاقتناعنا أنه ليس له من هدف غير الاحتواء والتقزيم. ثم لأننا نحب الوضوح ونرفض الالتواء.

سؤال:

ما هي خلفيات اختيار الجماعة هذا الظرف للكشف عن خبايا وتفاصيل المفاوضات مع الدولة، هل هي القطيعة النهائية أم الرغبة في استئنافها؟

جواب:

لسنا من بادر بالحديث عنها وإنما أجبنا عن أسئلة الصحافة حول هذه القضية وغيرها. وأنت تعرف أيضا أن لقاءنا مع الصحافيين جاء بمناسبة الذكرى الثالثة لحملة السلطات على جماعة العدل والإحسان التي انطلقت يوم 24 ماي 2006 وهي مستمرة حتى اليوم. هذا كل ما في الأمر، أما التفسيرات التي أعقبت تصريحاتنا فليست لنا يد فيها.

ثانيا أنت سميتها مفاوضات ونحن قلنا في اللقاء، وأعيد ذلك الآن، إننا لم نشعر لحظة أننا كنا بصدد مفاوضات، إنما كنا أمام ضغوطات ومساومات حاول بها النظام ثنينا عن مبادئنا وإدخالنا إلى مربعه من غير شروط، فوفقنا الله للثبات وخرجنا من بين كماشات المخزن سالمين غانمين، والحمد لله على ذلك.

بهذا فلا نحن أعلنا عن إنهاء مفاوضات ولا نحن بصدد استئناف أخرى، لأنها لم تكن أصلا حتى تتوقف أو تستأنف. كل ما تفعله الدولة هو حرب متواصلة ضدنا، إما بالمباشر من خلال القمع والاعتقالات والتضييق، أو من خلال المساومات. وهذا بالطبع أسلوب النظام منذ كان، فهو لا يحاور ولا يفاوض إنما يملي فقط.

سؤال:

ما هي شروط الجماعة للتفاوض مع الدولة؟

جواب:

المفاوضات بين أي طرفين تقتضي الحرية أولا، بعيدا عن أي إكراه أو تحت لي الأذرع، وتقتضي ضمان الاشتراط للطرفين، لا أن يرسم أحدهما مربعا وعلى الآخر أن يدخله مرغما. كما أن التفاوض يتنافى كليا مع عقلية التعليمات والأوامر.

هذا هو الواقع الآن وهو غير مشجع، أما إذا انتفت هذه الموانع وتوفرت تلكم الشروط فلكل حادث حديث.

سؤال:

ألم تتعبكم سنوات الحصار؟ ألم تصبكم بارتباك، وما هي حدود الارتباك؟

جواب:

لا يمكن أن ننكر أن للصمود ضريبة، خاصة وأنت تعرف أن هذا الحصار واكب كل مراحل الجماعة إلى اليوم واستعملت ضدنا أشرس وسائل القمع، لكنها ضريبة تبقى أخف بكثير من ضريبة الاستسلام. فنحن، بحمد الله، رغم الجراح وفقنا الله سبحانه إلى أن نتعايش مع ظروف الحصار وهيأنا لأنفسنا سبلا وأساليب للعمل في ظروف الضيق والشدة. وهذا يلاحظه كل المراقبين، فكلما كثر الضغط على الجماعة كلما قوي عملها وتعددت واجهاتها، واتسع نطاق اشتغالها جغرافيا وعدديا ومجاليا.

سؤال:

هل أنتم مرتاحون للوضع الحالي، وإلى متى ستستمرون فيه؟

جواب:

لسنا من اختار هذا الوضع، هو مفروض علينا فرضا. ونعمل كل ما في وسعنا لمقاومته ونأمل أن يزول عاجلا غير آجل، لكن مع ثباتنا على مبادئنا ودون منة من أحد، فالحرية حق وليست امتيازا.

سؤال:

يتحدث البعض عن تيارات داخل الجماعة، إلى أي حد تؤكدون أو تنفون هذا الكلام؟

جواب:

لا وجود لتيارات داخل جماعة العدل والإحسان. لكن بالمقابل تزخر الجماعة بتنوع الأفكار والاقتراحات والمبادرات، وكل الطاقات والكفاءات والتخصصات والآراء تجد مجالا فسيحا وحرية واسعة للتداول وفق آليات التشاور، بناء على قاعدة الرأي حر والقرار ملزم.

سؤال:

في مقابل مواقفكم السياسية الراديكالية وقوتكم العددية، يلاحظ ضعفكم في المجالات الاحتجاجية والمطلبية؟

جواب:

نحن لا نمارس العمل النقابي والجمعوي بشكل منفرد، حتى يخضع أداؤنا لتقييم من هذا النوع. نحن نحرص على الاشتغال ضمن بعض الهيئات المجتمعية الموجودة، انطلاقا من حرصنا على العمل المشترك.

أما التنافس على استغلال القضايا الاجتماعية لاستجداء أصوات الناخبين، فنحن بعيدون عنه وغير معنيين به.

سؤال:

كيف ترون مستقبل الجماعة بعد عبد السلام ياسين؟

جواب:

مكانة الأستاذ المرشد عبد السلام ياسين، بارك الله في عمره، لا يمكن أن يعوضها أحد، لكننا نستبشر بمستقبل واعد للجماعة، لأن الأستاذ المرشد حرص منذ تأسيس الجماعة على أن تعمل بنظام المؤسسات، وزرع في أجيال الجماعة روح البذل والإخلاص والعمل لله، وأنتج بناء نظريا محكما وزاخرا ومستقبليا.

سؤال:

كثيرا ما ناديتم بالحوار دون أن يكون لطلبكم استجابة من طرف المعنيين، ما هو بديلكم وهل استنفذتم كافة مبادراتكم في هذا الصدد؟

جواب:

عندما نادينا بضرورة الحل المشترك، لم نكن حالمين لنراهن على سرعة التجاوب، فنحن نستحضر إكراهات الواقع الحالي، وندرك جيدا أن ذلك يلزمه نضج شروط أخرى مواتية لهذا المشروع الطموح. فالرهان مستقبلي ودعوتنا ما تزال قائمة، ولا نتصور حلا ناجعا من غير العمل المشترك. مع العلم أن كثيرا من الفضلاء والغيورين لا يخفون تأييدهم لفكرة الميثاق لكن يمنعهم من التجاوب العملي في الوقت الراهن التخويف الذي يتعرض له كل من يشترك مع العدل والإحسان في مبادرة ما.

سؤال:

ماذا تنتظر الجماعة لتتخذ مبادرة جديدة؟

جواب:

نعتقد أن المبادرات التي تقدمنا بها ما تزال صالحة، لأن التشخيص الذي طرحته ما يزال قائما، والاقتراحات التي اقترحتها ما تزال صالحة، بل لعل الاتجاه الذي صارت إليه الأمور بعد هذه المبادرات يزيد اقتراحاتنا صدقية ومصداقية ويؤكد أنها اقتراحات جادة بإمكانها أن تساهم بالفعل في تجاوز محن الواقع البئيس.

هذا من جهة، ومن جهة أخرى إذا تبين للجماعة، في لحظة من اللحظات، أن الأمر يقتضي مبادرة جديدة فلن نتأخر وقتئذ عن تقديم مساهماتنا في ما نراه حلا يساهم في إنقاذ البلد مما يتخبط فيه من محن.

أما طرح المبادرات فقط من أجل المبادرات أو للفت الانتباه فلسنا بحمد الله من هواة ذلك.

المصدر: جريدة “المساء”، عدد 834، الأربعاء 27 ماي 2009.