الفصل الثاني: تعدد مشاريع إصلاح التعليم العالي

بلغت أزمة التعليم العالي خلال عقد التسعينات أوجها، وأصبح من الضروري إيجاد حل لتلك المشاكل الطافحة على السطح، وتشكل وعي عام بضرورة إصلاح شامل للتعليم العالي، يثمن مكتسبات ظهير 25 فبراير 1975، ويطورها، ويتجاوز تلك الإعاقات التنظيمية والمالية والبيداغوجية، ويستجيب لمختلف التحديات.

إلا أن الذي لوحظ، رغم اشتداد الأزمة، ورغم الاضطرار إلى الإصلاح، أن هذا الأخير ظل مفقودا. فهل هذا يعني افتقاد القوة الاقتراحية، والقدرة التصورية، التي تمكن من وضع تصور شامل للتعليم العالي؟

كلا، لقد ظهرت العديد من مشاريع الإصلاح، ما يجمعها من مضامين ومحتويات أكثر مما يفرقها؛ إلا أنها لم تعرف طريقها إلى التطبيق إلا بصورة جزئية، مما نتج عنه هدر الكثير من الأموال والجهود بلا طائل.

سنحاول من خلال هذا الفصل الوقوف عند هذه المشاريع، مع شيء من التنقيب بين الفينة والأخرى عن أسباب عدم تطبيقها، لنعرف هل ترتبط تلك الأسباب بالمضامين؟ أم ترتبط بالظروف المحيطة؟ أم تعود إلى طريقة الإعداد؟ أم هي كل هذا وغيره من الأسباب المترابطة المتداخلة؟

هذا ما سنحاول الإجابة عنه انطلاقا من رصد مختلف مشاريع إصلاح التعليم العالي، التي ظهرت خلال عقد تسعينات القرن الماضي، بالنظر إلى الجهات التي أصدرتها سواء كانت الوزارة الوصية (المبحث الأول)، أو النقابة المعنية (المبحث الثاني)، أو لجن توافقية (المبحث الثالث).

المبحث الأول: الوزارة الوصية: المشاريع الشاملة والمراسيم الجزئية

صدر عن وزارة التربية الوطنية مشروعان لإصلاح التعليم العالي، قبل أن يصدر مشروع ثالث عن وزارة التعليم العالي والبحث العلمي (المطلب الأول)، إلا أن هذه المشاريع ظلت حبرا على ورق؛ باستثناء بعض المراسيم الجزئية (المطلب الثاني). 1

المطلب الأول: مشاريع الوزارة الوصية عن التعليم العالي

عُرفت هذه المشاريع لدى الهيئات التعليمية والإعلامية بأسماء الوزراء الذين كانوا على رأس الوزارة في فترة إعدادها، ويمكن حصرها في: مشروع السيد الطيب الشكيلي سنة 1992 (الفقرة الأولى) ومشروع السيد محمد الكنيدري سنة 1994 (الفقرة الثانية)، ومشروع السيد ادريس خليل سنة 1996 (الفقرة الثالثة).

طالع أيضا  التعليم العالي بالمغرب (1975- 2008) -1-

الفقرة الأولى: مشروع السيد الطيب الشكيلي (1992)

عندما كان السيد الطيب الشكيلي وزيرا لوزارة التربية الوطنية عمل رفقة مستشاريه وبعض الكفاءات الوطنية المنتمية للأسرة الجامعية على إنضاج مشروع لإصلاح التعليم العالي، وبعد ثلاث سنوات من العمل 2 ، صدرت وثيقة بعنوان “ورقة عمل لإصلاح جامعي شامل” في شهر نونبر 1992، وقد تضمنت هذه الورقة مجموعة من المبادئ على مستويات مختلفة.

أولا- على المستوى التنظيمي

تشبث المشروع بمكتسبات ظهير 25 فبراير 1975، والتي هي –حسب ماجاء في الورقة- مبدأ استقلالية الجامعة ومبدأ الانتخابات، ودعا في نفس الآن إلى تطويرها عبر:

أ. تحديد وظيفة الجامعة بكيفية أكثر شمولية، والتركيز على اندماجها في الوسط الاجتماعي والاقتصادي، سواء على المستوى الجهوي أو الوطني؛

ب. توسيع استقلالية الجامعة على المستوى البيداغوجي والعلمي والإداري؛

ت. تقليص عدد أعضاء مجالس الجامعات والمؤسسات بهدف إعطائها قدرة أكبر على البث، ورفع مدة انتداب المنتخبين من سنتين إلى ثلاث سنوات؛

ث. انتخاب ممثلي الطلبة في مجالس الجامعات والمؤسسات بكيفية مباشرة؛

ج. تقوية مشاركة ممثلي قطاعات التشغيل والإنتاج في المجالس واللجان الجامعية.

ومن أهم ما اقترحه المشروع إحداث “مجلس التنسيق الجامعي” 3 على الصعيد الوطني بحيث يعمل هذا المجلس على تحديد سياسة عامة للتعليم العالي، والتنسيق بين الجامعات، وتحقيق الانفتاح والتوجيه والتقويم، ومن اختصاصاته أيضا النظر في الأمور التأديبية بالنسبة لرجال التعليم الباحثين.

ثانيا- على المستوى البيداغوجي

دعا المشروع إلى اعتماد قواعد جديدة يقوم عليها جهاز التكوين، وهي:

أ. اندماج الجامعة في بيئتها، وتمتيعها باستقلاليتها؛

ب. تنويع فرص التكوين؛

ت. إقرار نظام بيداغوجي متطور يستجيب لمتطلبات التحولات التي يعرفها عالم التشغيل.

ومن أهم ما أكد عليه المشروع إسناد المبادرة البيداغوجية للأساتذة الباحثين، واقترح، فيما يرتبط بنظام الدروس، إعداد مسالك تتكون من وحدات دراسية مستقلة، تشمل كل منها تعليما نظريا أو تطبيقيا أو هما معا، وتهم مادة أو عدة مواد، ولها أهداف ومحتويات ومناهج تدريس مشتركة، وتشمل الحصة الزمنية لكل وحدة دراسية ما بين 80 و100، ساعة ويتكون كل من السلك الأول والسلك الثاني من أربعة فصول دراسية، يشتمل كل واحد منها على 12 وحدة دراسية، وتتوج الدراسة في السلك الأول بـ”دبلوم الدراسات الجامعية العامة أو التقنية”، وفي السلك الثاني بشهادة “الميتيريز”. ويعتبر الطالب ناجحا في الوحدة الدراسية إذا حصل على معدل عام يعادل أو يفوق 20/10، شريطة أن لا يقل معدله عن 20/7 في أية وحدة دراسية.

طالع أيضا  التعليم العالي بالمغرب (1975-2008) -20-

ثالثا- على مستوى نظام الدراسات العليا والنظام الأساسي للأساتذة الباحثين

يقترح المشروع بهذا الصدد ما يلي:

أ. تقنين شروط ولوج السلك الثالث؛

ب. إقرار “دبلوم الإعداد للبحث” وتتحدد مدته في سنتين؛

ت. إقرار الدكتوراة الوطنية وتتحدد مدتها بين 3 و4 سنوات؛

ث. إحداث فرص متساوية لترقي الأساتذة الباحثين عن طريق إقرار مباريات وطنية؛

ج. الاحتفاظ بثلاثة أسلاك، الأستاذ المساعد، الأستاذ المحاضر، أستاذ التعليم العالي. مع إحداث الدرجة “ب” والدرجة “ج” في الإطارين الأخيرين على التوالي؛

د. إحداث ثلاثة أطر جديدة تكون بالتعاقد: المعيد، الأستاذ المشارك، الأستاذ الزائر. 4

رابعا- على مستوى البحث العلمي

أهم ما تم تسطيره في “ورقة عمل لإصلاح جامعي شامل” في هذا المجال: إحداث جهاز وطني تكون مهمته تحديد سياسة عامة للبحث العلمي، وتحقيق التنسيق بين المختبرات أو التشجيع على تكوين شبكات للبحث، والإشراف على برامج البحث، وبلورة تفاعل مع محيط الإنتاج، وابتكار وسائل عملية تكون كفيلة بجذب الباحثين المغاربة المقيمين بالخارج، واقتراح نماذج تعاون تمكن من المشاركة في برامج علمية جهوية أو دولية.

ويقترح المشروع فتح رصيد مالي خاص بذلك الجهاز، تُحدد مداخيله من الضريبة على الصادرات، وباقتطاع نسبة من الصفقات العمومية، ومن مقابل خدمات الدراسات والبحث وأشغال التطبيق.

لقد تميز مشروع السيد الطيب الشكيلي بنوع من الشمولية، كما تضمن بعض الاقتراحات الإيجابية، من أهمها تمتيع الجامعة بالاستقلال البيداغوجي. إلا أن ذلك لا ينفي عنه بعض السلبيات؛ حيث أقر واقع تعدد التعليم العالي بتخصيص المشروع للتعليم الجامعي دون غيره، كما أبقى على بعض نقائص النظام القديم، خاصة فيما يرتبط بأسلاك الأساتذة الباحثين، وقد افتقد بصفة عامة لشيء من الدقة والوضوح. لعل هذه الثغرات شكلت مبرر المعارضة القوية له من قبل بعض الهيئات على رأسها النقابة الوطنية للتعليم العالي. إلا أن ذلك لم يمنع تضمين بعض مقترحاته مشاريع أخرى للتعليم العالي، بل لم يمنع من تقنين بعض بنوده بواسطة مراسيم.

طالع أيضا  التعليم العالي بالمغرب (1975-2008) -29-

[1] استعملنا عبارة الوزارة الوصية، ولم نستعمل عبارة وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، لأن التعليم العالي كان خلال النصف الأول من عقد التسعينات تابع لوزارة التربية الوطنية.\
[2] حسب ما جاء في وثيقة “ورقة عمل لإصلاح جامعي شامل” ص 2.\
[3] يشمل هذا المجلس أربعة أصناف من الأعضاء.

– المسؤولون الإداريون: عمداء الجامعات والكاتب العام لإدارة التعليم العالي ومديروا المديريات بها.

– خمسة رؤساء مؤسسات يمثلون أنواع التكوين الرئيسية في ميدان التعليم العالي.

– خمسة شخصيات منتمية إلى مختلف قطاعات التشغيل والإنتاج والتكوين.

– خمسة شخصيات منتمية إلى مختلف قطاعات التشغيل والإنتاج في مجالس الجامعات.

وتنبثق من هذا المجلس ثلاث لجان وطنية دائمة:

* لجنة معادلة الشهادات

* لجنة التأهيل والتقويم

* لجنة البحث العلمي.\

[4] المعيد تتحدد مهمته في مساعدة الأساتذة في المختبرات وأثناء حصص الدروس التوجيهية والتطبيقية، يعين حسب الحاجة عن طريق مباراة مفتوحة أمام الحاصلين على دبلوم الإعداد للبحث.

الأستاذ المشارك الهدف منه تمكين الجامعة من الاستفادة من خبرات الممارسين في قطاعات الإنتاج.

الأستاذ الزائر هو كل أستاذ أجنبي تستعين به الجامعة في مهمات محددة المدة، وفي مواضيع مدققة.

يتكون هذا الجهاز من أمين سر دائم ومدير وكتابة عامة ومجموعات يتحدد عددها واختصاصاتها ومجلس.\