عاد قياديو جماعة العدل والإحسان، في لقاء تواصلي مع الصحافة، إلى تفاصيل العمليات التفاوضية التي خاضتها الجماعة مع السلطات. وأوضح كل من فتح الله أرسلان، الناطق باسم الجماعة، وعبد الواحد المتوكل، الأمين العام للدائرة السياسية، ونائبه عمر أمكاسو، أن المحاولة التفاوضية الأولى التي تمت مع قياديي الجماعة داخل السجن كانت “مجرد محاولة من المخزن لاستدراجنا، فالمخزن لا يتفاوض ولا يعرف التفاوض، ولا يأتي عندك إلا لأنه يريد منك شيئا ما”.

وأوضح قياديو الجماعة، أن عملية الوساطة قامت بها وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، والتي كان يديرها حينها الوزير عبد الكبير العلوي المدغري. وكانت رسالة الوسطاء، أن طلبوا من الجماعة توضيح موقفها من الملك الراحل الحسن الثاني، وما إن كان لهم موقف مبدئي من شخصه. ولأجل تبديد هذا الاعتقاد، طالب الوسطاء قبول قياديي الجماعة المعتقلين، بلقاء الملك الراحل. والمقابل هو السماح للجماعة بتشكيل حزب سياسي والاستفادة من الدعم العمومي ودخول البرلمان.. “وقد كانوا حريصين على إخراجنا من السجن بقدر ما كنا نحن حريصين على البقاء فيه، وقلنا لهم إن اللقاء يمكن أن يتم بعد أن نشكل حزبا ويستقبلنا الملك كما يستقبل باقي الأحزاب. واشترطنا عدم تقبيل اليد وعدم المبايعة، فرفضوا وتأكدنا أن جهة ما تحاول توريطنا، وفشلت المفاوضات” يقول أرسلان.

مفاوضات أخرى ستخوضها الجماعة مع السلطة، بعد تولي الملك محمد السادس الحكم. وأوضح قياديو الجماعة أن عددا من الملفات كانت تقلق السلطات العليا، خاصة منها تلك التي تتعلق ببعض المحاصرين والمنفيين. “وكانت الدولة محرجة كثيرا من الحصار المفروض على مرشد الجماعة بدون سند قانوني. فالتقينا بحسن أوريد، بعد وساطة من أحمد حرزني، وأبلغنا أن الملك يريد إنهاء ملف الحصار المفروض على الشيخ عبد السلام ياسين. فقلنا له إن حصار المرشد ليس مشكلة بالنسبة إلينا، بل إن لدينا أولويات أخرى مثل ملف معتقلي الجماعة. فقال لنا أوريد إن علينا أن نقبل بالتدرج وعدم المطالبة بكل شيء دفعة واحدة. فقلنا له فلنبدأ إذن بملف المعتقلين ونؤجل موضوع الحصار. فأجابنا أوريد بأنه ليس مخولا للحديث في أي ملف غير ملف مرشد الجماعة، وانتهى اللقاء”، يروي فتح الله أرسلان.

عملية التفاوض في مرحلتيها، يجب ألا تطرح خارج سياقاتها، يوضح عمر أمكاسو، والذي قال إن مبادرة الدولة للتفاوض مع الجماعة في المرة الأولى، جاءت في سياق صعود الإسلاميين في الجزائر، واقترابهم من الوصول إلى السلطة “لولا ما جرى”. وأضاف أمكاسو أن سلسلة من الاعتقالات سوف تنطلق مباشرة بعد فشل تلك الفاوضات، مما ترتب عنه الحكم على أكثر من 70 من أعضاء الجماعة بالسجن. وأوضح قياديو الجماعة أن نهاية المفاوضات كانت بتسليم الجماعة رسالة إلى الوزير العلوي المدغري، قصد نقلها إلى الملك الراحل، “لكن شكليات بروتوكولية حالت دون إتمام العملية، بعد رفض الوزارة بعض العبارات التي تضمنتها الرسالة، من قبيل “اللقاء معه، في إشارة إلى الحسن الثاني”.

من جانب آخر، اعتبر قياديو الجماعة، أن الانتخابات مجرد تمديد للأزمة إلى ولاية أخرى، “ونحن ننتظر أن ينتهي العبث، واقتناع الآخرين بما نقوله… نحن نطالب بميثاق مع باقي الفرقاء، خاصة منهم أولئك الذين كانوا في المعارضة وجربوا العمل في النسق السياسي القائم وثبت فشلهم… وإذا كان المخزن قد أفلح في إخضاع المعارضة السابقة، فإنه لن يفلح في ترويض العدل والإحسان”.

وأوضح كل من أرسلان والمتوكل، أن الجماعة على موقفها المبدئي الرافض للوضع الحالي للمؤسسات، “هناك شخص واحد يمتلك جميع السلطات، وأي من الأحزاب لا يستطيع تطبيق برنامجه… نحن نريد انتخابات حقيقية، وتعددية حقيقية، وحكومة مسؤولة ووزيرا أول مسؤولا، له برنامج ويحاسب أمام البرلمان”.

وفي قراءتهم للوضع السياسي الحالي، قال مسؤولو العدل والإحسان، إن ما يجري يعتبر استخفافا بذكاء المغاربة، وأن رد الشعب جاء سلبيا، لكنه قد يتحول في وقت ما إلى رد “إيجابي”. وعندما طالب الصحافيون الحاضرون في هذا اللقاء الصحافي بتوضيح معنى الرد “الإيجابي” الذي تتوقعه الجماعة، أكدوا أن الجماعة تتحرك بقوة، وكل التغييرات التي تقع يوجد للجماعة يد فيها، وهي تعمل على تعبئة الشعب وإعداده وتكون الكوادر.. نحن نعمل كحكومة قائمة الذات، لدينا مكاتب دراسات ومختصون، حتى إذا ما جلسنا للنقاش، تكون لدينا أفكار وتصورات واضحة”.

قياديو الجماعة أكدوا مرارا على أن “خاص كلشي يساهم”، في إشارة إلى الفرقاء السياسيين الآخرين، منطلقين من كون “المغرب تتهدده المخاطر، ووصلنا إلى هزيمة نفسية كبيرة كشعب، وعلينا أن نتجاوزها ونثق في ذكائنا بدون دماء ولا تدخل أجنبي. “الغاية هي أن نجتمع ونتفق على ميثاق مشترك، وعلى الذين تأكد فشلهم في التغيير بعد دخولهم في اللعبة أن يراجعوا أمورهم.. لا نفهم لماذا يتنافس هؤلاء الذين يتصارعون في الانتخابات”.

مناسبة هذا اللقاء الإعلامي الذي دعت إليه قيادة الجماعة، كانت هي حلول الذكرى الثالثة لما تسميه الجماعة “الهجمة المخزنية لـ24 ماي 2006″، وهي الحملة التي تقول الجماعة إنها شملت جميع أنشطتها، وكان آخر فصولها اعتقال ثماني نسوة ينتمين إلى الجماعة، كن مجتمعات في أحد البيوت بالدار البيضاء، “وهو أسلوب يقع لأول مرة، وتتم بشكل استعراضي بغرض إثارة الانتباه وتخويف الناس من الجماعة. كما يتعرض عدد من الأعضاء لمضايقات في مصالحهم وشركاتهم ومشاريعهم، من خلال إنزال الضرائب والمحاكمات وتشميع المنازل.. إنها حرب حقيقية، لكننا مصرون على مواصلة أنشطتنا وعقد لقاءاتنا”.

رسائل العدل والإحسان

لا تدعونا إلى مأدبة من “الزفت”:

في الحياة السياسية، يعتبرون أنهم كما لو كانوا يدعون إلى مأدبة من “زفت”. “يقال لنا هل ستبقون جائعين، فنقول وهل تريدوننا أن نأكل الزفت؟”.

نحن نعمل أكثر من جميع الأحزاب:

قال عمر أمكاسو، إن حجم أنشطة الجماعة لوحدها، يفوق مجموع الأنشطة التي تقوم بها الأحزاب الأخرى مجتمعة. “لكنها تقدر متى تظهر، واستطاعت الحفاظ على وجودها رغم الهجمة الكبيرة التي تشن ضدها، ولو أن غيرنا تعرض لهجوم مماثل لما استطاع تحمله”.

أثناء الفيضانات عوضنا عجز الحكومة:

قال قياديو الجماعة إنهم قدموا يد العون إلى المتضررين من الفيضانات التي عرفها المغرب مؤخرا، وإنها عوضت عجز الحكومة في بعض الحالات، “لكننا لا نراهن على إحداث ضجة ولا نسعى إلى استغلال ذلك في انتخابات… نحن نعمل بشكل متواصل”.

الجماعة نموذج المعارضة الحقيقية:

قال قياديو العدل والإحسان، إن الجماعة تمثل نموذج المعارضة الحقيقية، معتبرين أنها باتت بمثابة المرآة التي تعكس الواقع الحقيقي للمغرب. “خطابنا يكون صادما ومؤلما في بعض الأحيان، لكنه صريح ونقول ما يجب قوله لا ما تقتضي ظروف معينة قوله، كأن نقول للملك أعد أموال والدك من الخارج”.

لا فرق بين الدعوة والسياسة:

“مشروعنا مجتمعي شامل، والدائرة السياسية جزء من جسم الجماعة، ونحن لا نفرق بين المجالين الدعوي والسياسي.. هذا مشكل الكنيسة والدولة لدى الغرب وليس مشكلنا نحن”، يقول قياديو العدل والإحسان، والذين أكدوا أهمية العمل التربوي والتأطيري، بل اعتبروه أهم من العمل السياسي في الواجهة، “لأنه يعد الإنسان، هذا الإنسان الذي أصبح غائبا تماما عن اهتمام الفاعلين السياسيين… نحن لسنا حزبا سياسيا، بل حركة مجتمعية لها تصور شامل”.

أحزاب في الأغلبية طلبت منا الالتحاق بصفوفها:

قال فتح الله أرسلان، إن الجماعة لا تعيش العزلة في ظل الهجمة التي تقول إنها تتعرض لها منذ ثلاث سنوات، موضحا أن الفاعلين السياسيين والحزبيين الآخرين أصبحوا يعبرون لأعضاء الجماعة عن تعاطفهم، “بل يقول لنا البعض راكوم نتوما لي بقيتو .. وحتى بعض رجال الأمن والجمارك وموظفي الإدارات يعبرون لنا عن تعاطفهم حين نلتقي بهم”، مفسرا المواقف الرسمية لتلك الأحزاب، بالخوف من تبعات أي تعبير عن التنسيق أو التقارب مع الجماعة، “بل إن أحزابا توجد حاليا في الأغلبية الحكومية، كانت قد طلبت منا الالتحاق بها، “قالوا لنا خذوا الحزب بأكمله إذا كنتم لا تحتاجون إلا إلى هذا الإطار القانوني”.

لا مشكلة في خلافة ياسين:

نفى قياديو الجماعة أن تكون مسألة خلافة الشيخ عبد السلام ياسين مشكلا بالنسبة إلى الجماعة، وأوضح أرسلان: “إننا لم نعتقد يوما أن هذا الرجل سوف يبقى خالدا، وأنا أعرفه منذ أربعين سنة، لا أذكر يوما التقيته فيه دون أن يحدثني عن الموت”. وأضاف قياديو الجماعة أن قوانين الجماعة تكفل انتخاب مرشد جديد لياسين بعد رحيله. وعما إن كانت للشيخ وصية معينة، نفى القياديون علمهم بذلك، لكنهم اعتبروا الوصية من واجبات المؤمن.

المصدر: “أخبار اليوم”، العدد: 72، بتاريخ 23-24 ماي 2009