“إمامة الأمة”.. للعنوان أكثر من دَلالة، كلٌّ يقرأهُ على شاكلَتِه؛ فقراءةُ المُومِنِ المُقِرِّ بالسُّننِ الكَونيةِ والمُدرِكِ لقوانينِ الحركةِ التاريخيةِ من خلال مبدأَيْ التدافعِ والتداولِ وعبْر منهجٍ شموليٍّ غيرِ تفكيكيٍّ وغير انْتقائيٍّ هي بلا شكٍّ ليستْ كقراءةِ مُرتابٍ مشككٍ مُغرِقٍ في تعظيم الآلةِ الاستكباريةِ مُوقِنٍ من جِهته بأنَّ التاريخَ قدِ انْتهى، حسْبَ زعْمِ الزَّاعم، وسَلَّمَ دَفَّةَ الحُكمِ للإمبريالية الرأسمالية..

“نعرفُ جيداً”، يقول الأستاذ عبد الواحد المتوكل في تقديمه لكتاب إمامة الأمة، “أن هذه البشرى الصادمة” [بشرى الخلافة على منهاج النبوة الثانية] لا تتسع لها حويصلة بعض الناس، بل إن بعضهم لا يزال يصر على أن الحديث عن إمامة الأمة وهي تعيش هذا الواقع المزري، وهذا الوضع المهين هو حديث غير علمي وغير واقعي، بل هو ضرب من الأحلام وتسويق للأوهام ليس إلا. والأجدر بنا أن ننزل من سماء الخيال إلى أرض الواقع العنيد، وأن نعرف بأن ميزان القوى ليس في صالح الشعوب العربية والإسلامية، وأن لا مناص والحالة هذه، من القبول بالأمر الواقع، والرضى بما هو حاصل إلى أن تتغير الظروف، وساعتها يمكن أن تتغير المواقف.” 1

يتطرق هذا الكتابُ لخطواتِ العمل الميداني و لبعضِ معالم الطريق المرجوِّ من جند الله القائمين بالقسط في هذا العصر وما بَعده سلوكها لإمامة الأمة من خلال حكمٍ إسلامي قاعدتُه العدلُ وجمالُه الإحسانُ. حكمٌ يبدأُ بإمامة الأمة في حاضرها ومستقبلها على منهاج النبوةِ.. حكمٌ يؤسسُ نظاماً اجتماعياً اقتصادياً سياسياً أخلاقياً إيمانياً مُتجدِّداً بِتَجَدُّدِ إيمانِ المسلمينَ، حكمٌ لا يتأتَّى ولا يتحققُ إلا عبر تحققِ مفهومِ الجُنْدِيَّةِ بما تحملُ عبارةُ “جُنْدِ اللهِ” مِنْ معنىً، وبما يقتضيهِ الجهادُ من عملٍ دَائِبٍ يصِلُ الليلَ بالنهار، جنديةَ جهادٍ، تعبئُ المستضعفين وتوقظُ القلبَ إلى معاني الإيمان، وترفعُ الهممَ إلى نشدان الكرامةِ الآدميةِ وكمالِ الإنسانِ، تهييئاً لبشرى الخلافةِ الثانيةِ الموعودةِ على منهاج النبوة.. الجنديةُ ضبطٌ للنَفْس وتنظيمٌ للغَيرِ.

“كيف تسترجع إيمانها الراسخ بموعود الله، وثقتها بنفسها واعتزازها بدينها؟ كيف تتجاوز ثقل العادات وسلبيات الماضي، وتقتحم بثبات العقبات الكؤود على درب التغيير المنشود؟ كيف تسترجع كرامتها المدوسة وحريتها المسلوبة؟ كيف يكون سيرها راشد، يمضي في خط لاحب، ويتجنب العثرات والنكسات؟ كيف تكون الاستفادة من وسائل العصر ومبتكراته لمواجهة إعلام المستكبرين وأباطيل الدجالين؟ كيف يتم بناء الشخصية المؤمنة العالمة العاملة الواعية بمسؤولياتها عن الانتصار للمستضعفين في الأرض؟ كيف يحصل الائتلاف ويتجنب التنازع وتتسع الصدور لاستيعاب تعدد الرؤى وتباين وجهات النظر؟” 2 كل هذه التساؤلات وغيرها من القضايا المرتبطة بالموضوع يتناولها الكتاب بدقة بليغة وسياق تكاملي، وكأن الكتاب صورة واحدة كل فصل يرسم لنا من خلاله الأستاذ عبد السلام ياسين بعدا من أبعادها وزاوية نظر تُطِل عليها.

يُؤْثَرُ عن الإمام مالك رحمه الله قولَه: “لن يَصلُح آخرُ هذه الأمة إلا بما صَلُحَ به أولها”، وما صَلُحَ أولها إلا بالدعوة إلى الله، لُبّ رسالةِ رُسُلِ الله وأنبيائه، وهي ذاتها لب كتاب “إمامة الأمة”. يقول الأستاذ عبد السلام ياسين: “وإن لُبَّ هذا الكتابِ هو هذا الفصلُ (أفحسبتم…) الذي نَعرضُ فيه لهذه القضية (قضية الدعوة إلى الله) الضائعةِ بين سَيْلِ الكتابةِ السطحيةِ عن الإسلام والحَلِّ الإسلامي.” 3

“إن الدعوةَ إلى الله عز وجل هي لبُّ الأمر كله، هي وراثة النبوة.” 4 هي دعوة على المنهاج النبوي.. لها من المنطلقاتِ والمُهماتِ والخصائصِ ما يميزها عن غيرها. هي قبلَ وبعدَ كل شيءٍ.. رباط وارتباط بالآخرة.. تَيَقُّظٌ وأُهبةٌ للقاء المولى عز وجل، ولا يكونُ هذا الرباطُ بل ولا يكتملُ ميراثُ النبوةِ إلا في ذاتِ “مُجَدِّدٍ تكونُ الدلالةُ على الله وذكرُ الآخرةِ والتذكيرُ بها نَفَسَهُ المُلْهَم وحالَه المُسْتَرسَل.” 5

الدعوة إلى الله.. هي السبيلُ الأوْحدُ لِتَجَدُّدِ الدينِ التَّجَدُّدَ الأعظمَ.. الدعوة إلى الله نورٌ ينقشع به ظلامُ الماديةِ الدامسِ.. والدعوة إلى الله سنةٌ محمديةٌ جامعةٌ “بين الجهادِ الأكبرِ جهادِ النفسِ، وبين الجهادِ الأوسعِ جهادِ نصرةِ اللهِ في الأرضِ.” 6 “ولا نظنُّ أن شيئا من إيمانِنا يتجددُ ، ولا أن رسالةَ الإسلام تبلُغ، ولا أن الخلافةَ على منهاج النبوة تعودُ، إن لم يَسْرِ في كهولِنا، وشيوخِنا، وشبابِنا، ونسائِنا، ورجالِنا تلكَ النفحةُ العُلْوِيَّةُ التي حملتْ سلفَنا الصالحَ إلى احتقار الدنيا والشوق للقاء الله، حتى اقتحموا العقباتِ، وخاضوها شَعْوَاءَ على الكفر والاستكبار.” 7

الدعوة إلى الله رسالة.. “وإن حاملي الرسالةِ طلائعُ الحقِّ لا ينتهي واجبُهم بإقامة دولة القرآن في دار الإسلام الموروثَة، بل تبدأ بعد قيامها رحلةُ تبليغ الرسالة للعالمين.” 8

– للكلام صلة إن شاء الله –


[1] إمامة الأمة، ص 7-8.\
[2] إمامة الأمة، ص 10.\
[3] نفسه. ص 129.\
[4] نفسه. ص، 128.\
[5] بين الدنيا والآخرة، محمد العربي أبوحزم، ص 76.\
[6] إمامة الأمة، ص 130.\
[7] نفسه، ص 49.\
[8] نفسه، ص 261.\