“تورا بورا” منطقة شرقي أفغانستان دارت فيها أعنف المعارك وأضراها بين قوات الناتو بزعامة أمريكية وبين قوات الطالبان سنة 2001. و”تورا بورا” منطقة جبلية وعرة وتعني بالعربية: “الغبار الأسود”. ولشدة ما لحق المنطقة من دمار وخراب غدت “تورا بورا” رمزا للخراب والدمار.

في الشهور القليلة قبل انتخابات المجالس المحلية تحولت مدن المغرب وطرقه إلى “تورا بورا” حيث انطلقت المشاريع بشكل هستيري تسابق ما بقي من أيام معدودات في ولاية المجالس لتتناسل الأسئلة في ذهن المتتبع لتدبير الشأن العام المغربي: لماذا تأخر إنجاز هذه المشاريع؟ وما الغاية من اختيار هذا التوقيت بالذات؟ وما أثر هذا التوقيت على سير المشاريع؟

لا يختلف مغربيان -مهما كان تكوينهما أو وعيهما أو حيثيتهما الاجتماعية- على أن إنجاز هذه المشاريع حملة انتخابية سابقة لأوانها، وهذه مسؤولية أجهزة الوزارة الوصية إذ من أبجديات وضع المشاريع تحديد زمن الإنجاز وسقفه، وسكوت الجهات المعنية لا يتطلب تعليقا، ما دام الهاجس بعد تسونامي شتنبر 2007 هو نسبة المشاركة. فأي إجراء يمكن أن يرفع نسبة إقبال الناخبين على صناديق الاقتراع يوم الجمعة 2009.6.12 مقبول بل واجب، ما دامت الانتخابات في عرف نظامنا المخزني مطلوبة لذاتها تزيينا لصورته وتنمية لرصيده السياسي، وليس باعتبارها أداة لاختيار من يتصدى للشأن العام للعباد والبلاد ومشاركة فعلية في التدبير وصناعة القرار؛ لذلك حتى يترسخ في ذهن الناخب أن انتخاب المجالس المحلية يقترن بالمشاريع ويحسن الظروف المعاشية والخدماتية يجري تأخير إنجاز ما يجب أن ينجز منذ سنوات لأن ذاكرة المغاربة قصيرة وسريعة النسيان على حد قول أحد المرشحين في انتخابات محلية سابقة في ندوة تلفزية.

أما أثر التوقيت على المشاريع فأقل ما يقال عنه أنه تكريس للتلاعب بالمال العام حيث يتم الإنجاز في شروط ينعدم فيها الإتقان والوفاء بما سطر في دفتر التحملات، فلا السقف الزمني يسمح ولا المراقبة -التي قد لا تتم في الظروف العادية- تواكب مراحل المشاريع، فيتم الإنجاز “بالشكل” المغربي المعهود لتتلاشى المنجزات غداة الإعلان عن نتائج اقتراع 2009.6.12 ويبدأ التفكير في إعادة ترميم أو خسف ما تم إنجازه لأنه لا يستجيب للمعايير المطلوبة. وهكذا تحتفظ ذاكرة المواطنين بمشاريع أنجزت أكثر من مرة ودشنت مرات ولم تر النور بعد. ببساطة لأنها كانت جزءً من حملة انتخابية يتوقع تلاشيها واندثارها وتطاير أموالها كما تتطاير أوراق البرامج واللوائح الانتخابية في سماء مدن المغرب وقراه أيام مواسم الانتخابات.

وفي انتظار أن ينجلي غبار “تورا بورا” الانتخابات في طبعتها الأخيرة نهمس في آذان من يهمهم الأمر أن الشعب عاف فلكلور الانتخابات وبهرجتها ومل مسلسل تسويق الأوهام على مدى عقود يتطلع إلى:

– منتخبين حاملين لمشاريع تنموية على أساسها يتم التعاقد والمحاسبة لا مسوقين للوهم.

– منتخبين يعانقون همومه ويساندونه في محنه، ولا يتنكرون له عند أول فيضان أو زخة ثلجية.

– منتخبين يتفهمون معاناة الشباب فيوفرون لهم أسباب الحياة الكريمة تعليما وصحة وسكنا وفضاءً سليما حتى لا يضطروا لركوب قوارب الموت أو يِؤسروا “بالقرقوبي والسيليسون”.

– منتخبين أمناء على المال العام فلا ينفق في مشاريع وهمية أو أنشطة عارية من مثقال ذرة حياء نشرا للرذيلة ووأدا لما بقي من عفة.

– منتخبين حقا لا ادعاءً يمارسون مهاما واضحة، ويسائلون سماسرة الانتخابات عما يقترفونه من جرائم في حق الشعب.

تطلعات مشروعة تمني النفس بقطع دابر الاستخفاف بعقول الشعب متى توفرت إرادة سياسية تؤسس لإصلاح حقيقي يبلوره حوار جدي حول القضايا الأساسية وهموم المجتمع، يترجمه ميثاق على مرأى ومسمع من الشعب، يلتزم فيه من يرشح نفسه لخدمة البلد وأهله بتخليق الممارسة السياسية وتنافس البرامج والمخططات التنموية على أسـاس المحاسبة والمساءلة الشفافة تزكيها انتخابات نزيهة تعبر صدقا وحقا عن إرادة الشعب واختياراته، لا انتخابات يكون الناخبون فيها أشبه بـ”الكمبـارس” بلغة الفن السابع.