لقد أدى اعتناق “الإمبراطور قسطنطين” لدين النصارى في القرن الرابع الميلادي إلى تغيير جذري في تاريخ المدينة حيث أصدر قسطنطين سنة 313 م مرسوما يقضي بمنح النصارى حرية العبادة في جميع أنحاء الإمبراطورية الرومانية، وأصبحت أورشليم مقدسة عند النصارى على أن السيد المسيح (عيسى بن مريم نبي الله عليه السلام) حج إليها منذ صباه.

لقد اهتم قسطنطين بالديانة الجديدة وأقامت أمه الإمبراطورة “هيلانة” بتعاون مع المطران “مكاريوس” كنيسة القيامة، وأصبح لأورشليم أهمية منذ ذلك التاريخ فسعى إليها الحجيج من كل مكان وكثرت الكنائس ولا سيما في عهد الإمبراطورة “ايودكا “441-460 م وأصبحت الامبراطورية الرومانية تدين بالنصرانية، إلا أن تغييرا حدث بعد مرور حوالي ربع قرن من الزمن على وفاة قسطنطين وهو تولي الإمبراطور “جوليان” العرش الروماني سنة 361م، وقد سمي بالمرتد لانحرافه عن دين النصارى ورجوعه إلى الوثنية، ولكنه قتل في حملته على بلاد الفرس في شهر يونيو من عام 363م.

وبموت جوليان تم تقسيم الإمبراطورية الرومانية إلى قسمين: قسم غربي وآخر شرقي، وكانت فلسطين من القسم الشرقي البيزنطي.

لقد شهدت فلسطين بهذا التقسيم فترة استقرار دامت أكثر من مائتي عام، الأمر الذي ساعد على نمو وازدهار البلاد اقتصادياً وتجاريا وكذلك عمرانيا، مما ساعد في ذلك مواسم الحج إلى الأماكن المقدسة، ولم تستمر هذه الفترة من الاستقرار، ففي سنة 611 م دخل ملك الفرس “كسرى الثاني” (ابرويز) في الفترة (590-638 م) على سوريا، وامتدت الفتوحات حتى تم احتلال القدس في 614م، فدمر الكنائس والأماكن المقدسة ولا سيما كنيسة “القبر المقدس” ويذكر أن من تبقى من اليهود انضموا إلى الفرس في حملتهم هذه رغبة منهم في الانتقام من المسيحيين، وهكذا فقد البيزنطيون سيطرتهم على البلاد.

ولم يدم ذلك طويلا، فقد أعاد الإمبراطور “هرقل” فتح فلسطين سنة 628م ولحق بالفرس إلى بلادهم حيث استرجع الصليب المقدس. ثم جاء الفتح الإسلامي ليفتح المدينة، وكان ذلك في معركة اليرموك سنة 636م.