في الوقت الذي تطلع فيه العرب والفلسطينيون إلى انتهاء الحكم العثماني للحاق بركب الحضارة بعد الكبوة الطويلة، كانت الأمور تسير على عكس اتجاه تطلعاتهم.

لقد احتل الحلفاء مدينة القدس في 9ديسمبر 1917 وأنشأت بريطانيا حكومة عسكرية في فلسطين قبل أن تكمل احتلالها لشمال فلسطين والذي تم في سبتمبر 1918 وعينت الحكومة الإنجليزية الجنرال “كلا يتون” على رأس الإدارة العسكرية في فلسطين، والتي عملت بمساعدة لجنة صهيونية أرسلت إلى فلسطين بموافقة الحكومة البريطانية -على وضع التدابير الضرورية التي من شأنها أن تضع السياسة التي انطوى عليها تصريح بلفور موضع التنفيذ.

لقد عين الجنرال كلايتون حكاما عسكريين في مدن فلسطين وعين “الكولونيل رونالدستورز” حاكما عاما لمدينة القدس الذي تسلم وظيفته في 28 ديسمبر 1917، وعين كذلك موظفين آخرين معظمهم من المسيحيين العرب في وظائف مترجمين وكتبة، علما بأن معظم الوظائف الرئيسية قد احتلها موظفون يهود.

الإدارة العسكرية

ومن ثم أخذت الإدارة العسكرية تعمل على تنظيم دوائر الإدارة في فلسطين، فنظمت المحاكم المدنية والتي بقيت معطلة في فلسطين حتى أواسط عام 1918، ومعنى ذلك أن القضاء كان يتبع الأحكام العسكرية حيث أصدرت الإدارة العسكرية بعد ذلك قرارا بإنشاء محكمة استئناف في القدس، كما أنشئت محكمتان ابتدائيتان في القدس، تخدم قضاء القدس والخليل وبئر السبع.

كما اهتمت الإدارة العسكرية بالشؤون المالية للبلاد، فأدخلت العملة المصرية إلى فلسطين وجعلتها العملة الرسمية كما أصدرت تعرفه رسمية حددت فيها أسعار النقود الرسمية بالنسبة للعملة المصرية، وأصدرت قانونا للضرائب كما حددت الأسعار، و أسس الحكام العسكريون شركات اقتصادية لبيع الأقمشة التي تستورد من مصر، و ألغت الإدارة العسكرية معاملات الأراضي وأغلقت دوائر الطابو.

ومن ناحية ثانية أوكلت بريطانيا مهمة حفظ الأمن في مدينة القدس إلى حراس من المسلمين الهنود كانوا جنوداً في الجيش البريطاني المحتل لفلسطين وأصبحت المحافظة على الأمن منوطة بالإدارة العسكرية، لكن الإدارة العسكرية سمحت للمستوطنات اليهودية بإنشاء حرس خاص لها وظل هذا الوضع ساريا حتى في زمن الإدارة المدنية. أما من الناحية الإدارية فقد قسمت فلسطين إلى عدة ألوية، يحكم كل لواء حاكم إنجليزي وقسم اللواء الواحد إلى عدد من الأقضية، ويطلق على حاكم القضاء (قائمقام) وغالبا ما يكون من العرب، حيث اقتصرت المناصب الرئيسية والعليا في حكومة فلسطين على الإنجليز واليهود، فكان منهم المندوب السامي والسكرتير العام وقاضي القضاة وحكام الألوية.

ومنذ احتلال القدس ظهر التواطؤ الاستعماري البريطاني مع الصهيونية فقد سمحت بريطانيا لوفد صهيوني برئاسة “حاييم وايزمن” بالحضور إلى القدس، وقام الكولونيل “رونالد ستورز” حاكم القدس العسكري ببذل مساعيه ليعقد اجتماعات مع وجهاء واعيان العرب مع أعضاء اللجنة الصهيونية والتي كانت تقوم بشرح أهداف الزيارة لإزالة مخاوف الفلسطينيين من إقامة الوطن القومي اليهودي في بلادهم. وحاول (ستورز) إقناع أعيان المسلمين ببيع ممر حائط المبكى مقابل 80 ألف من الجنيهات، الأمر الذي رفضه المسلمون.

ومن جهة أخرى، كان أعيان ووجهاء القدس قد أبدوا استياءهم واستنكارهم من خطاب الجنرال اللنبي الذي فتح القدس في 11 ديسمبر 1917 حيث أظهر غطرسته أثناء إلقاء خطابه أمام حشد كبير من أعيان القدس وضواحيها وخاصة عندما قال جملته المشهورة (اليوم انتهت الحروب الصليبية).

ولم تكتف الإدارة العسكرية بالسماح للجنة الصهيونية بزيارة القدس ومحاولتها شراء ممر حائط المبكى بل سمحت للجنة الصهيونية برئاسة “حاييم وايزمن” أن تعقد اجتماعات في مدن فلسطين التي زارتها ،حيث عقدت اللجنة الصهيونية مؤتمرها في مدينة يافا، أعلن فيه اليهود برنامجا متكاملا من أجل إنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين يكون لليهود حق تقرير شؤونهم واتخاذ (نجمة داوود) شعارا للعلم الصهيوني واستعمال أرض إسرائيل بدلا من فلسطين. و قوبلت البعثة الصهيونية بمظاهرات واحتجاجات من عرب فلسطين عمت معظم مدن فلسطين، وخلال ذلك شعر الفلسطينيون بعمق التحالف البريطاني الصهيوني مما دعاهم إلى تشكيل الجمعيات و إقامة المؤسسات الاجتماعية والثقافية والسياسية في القدس وغيرها ومن أهمها النادي العربي في القدس برئاسة “الحاج أمين الحسيني” والجمعية الإسلامية وجمعية الفدائية، والمنتدى العربي، ونادي الإخاء وغيرهم. وتمحورت نشاطات هذه الجمعيات في تسليح الأعضاء بالأسلحة الخفيفة ،وتدريس بعض الشبان اللغة العبرية لمتابعة ما ينشر في الصحف اليهودية وتعليم الأطفال مبادئ الوحدة العربية والعمل على بث الدعاية بين بدو شرق الأردن وتركيز الجهد على الضباط الفلسطينيين في عمان حتى يكونوا على أهبة الاستعداد إذا أعلنت سياسة موالية للصهيونية. كما تم تشكيل جمعية إسلامية مسيحية يهدف برنامجها إلى مقاومة السيطرة اليهودية ومكافحة النفوذ اليهودي والحيلولة دون شراء اليهود للأراضي.

لقد قام اليهود في 2/11/1918م بتنظيم الاحتفالات في الذكرى الأولى لوعد بلفور مما حذا بالعرب القيام بمسيرات معاكسة، فيما هددت بريطانيا العرب بإلقاء القبض على أي عربي يقوم بالتظاهر، ورغم ذلك قامت أول تظاهرة عربية في القدس وعلى رأسها “موسى كاظم الحسيني” رئيس بلدية القدس. وعلى أثر هذا اصدر الحاكم العسكري البريطاني في القدس وثيقة في 7/11/1918م تضمنت أهداف بريطانيا من الحرب في منطقة الشرق الأوسط وهو تحرير الشعوب من الحكم التركي وتأسيس حكومات تقوم على اختيار الأهالي لها اختيارا حرا ونتيجة لذلك عقد أول مؤتمر عربي فلسطيني في القدس في الفترة ما بين 27 يناير -10 فبراير 1919 م حضره سبعة وعشرون مندوبا عن الجمعيات الإسلامية والمسيحية من مختلف أنحاء البلاد برئاسة “عارف الداوودي الدجاني” وأعلن المؤتمر أن قراراته تعبر عن أماني ومطالب شعب فلسطين وتتمثل في اتحاد فلسطين مع سوريا واعتبارها جزءا منها، منع الهجرة اليهودية ومنع قيام وطن قومي يهودي، كما أشارت إلى أن اليهود الذين يقطنون فلسطين يعتبرون مواطنين يتمتعون بكافة الحقوق والواجبات التي يتمتع بها المواطنون العرب غير أن الجنرال اللنبي منع إصدار هذا المنشور.

الإدارة المدنية البريطانية

طبقا للمخططات البريطانية وما تقتضيه مصلحة الحركة الصهيونية، تم إنهاء الإدارة العسكرية وإحلال الإدارة المدنية مكانها باسم (حكومة فلسطين) ورفعت الإعلام البريطانية على جميع الدوائر الحكومية في فلسطين، وصاحب ذلك الإعلان عن” هربرت صموئيل” تولى سلطاته كأول مندوب سامي على فلسطين منذ أول يوليو 1920. لقد تولى صموئيل رئاسة المجلس التنفيذي الذي تكون من:

“السكرتير العام: وهو نائب الرئيس ويضطلع بشؤون الإدارة-وتولاه (ويندهام ديدس)

“السكرتير المالي: ويختص بالشؤون المالية والاقتصادية.

“السكرتير القضائي: ويختص بالشؤون العدلية والقانونية وتولاه (نورمان بنتويش). وشكل “صموئيل” مجلسا استشاريا يتكون من عشرين عضوا نصفهم إنجليز وسبعة من العرب وثلاثة من اليهود وتكون وظيفته الاستشارية فقط.

مع بدء تولي صموئيل سلطاته كمندوب سامي على فلسطين دعا ممثلين عن جنوب فلسطين للاجتماع بهم في القدس بتاريخ7 يوليو 1920، وفي يوم 8 يوليو اجتمع إلى ممثلين عن شمال فلسطين في حيفا وألقى بيانا حول السياسة البريطانية في فلسطين وتلا على المجتمعين رسالة الملك جورج الخامس التي اكثر فيها النزاهة المطلقة التي تتبعها الدولة المنتدبة، وتصميم حكومته على احترام حقوق جميع الأجناس وجميع العقائد الممثلة في فلسطين، وأخذ يشرح القواعد الأساسية للحكومة وأعمالها وتحدث عن الوطن القومي لليهود وأعلن أن قيام الوطن القومي لليهود يساعد على ترقية أحوال البلاد اقتصاديا.

وبذلك أوضح صموئيل النقاط الأساسية التي جاء من أجل تنفيذها والعمل على تثبيتها في فلسطين، حيث تمثل هدنة الرئيس في وضع الأسس الكفيلة بإنشاء الوطن القومي اليهودي في فلسطين، ولذلك فقد فتح فلسطين للهجرة اليهودية وحددها سنويا 1650 مهاجر وعمل على إنشاء لجنة للأراضي، كان هدفها تسهيل عمليات البيع لليهود ومنح اليهود استثمارات ومشروعات كبرى منها مشروع “روتنبرغ “للكهرباء ومشروع “بوتاس البحر الميت” وغيرها من المشاريع الهامة والإستراتيجية في فلسطين، كما اعتمد اللغة العبرية لغة رسمية في البلاد مع أن غالبية الشعب عربي مسلم، وتم عرض برنامج صموئيل هذا على مجلس العموم البريطاني فوافق عليه في 27 أكتوبر 1920 م.

وهذه كانت البداية الحقيقية التي كشفت اللثام عن الوجه الزائف للاحتلال البريطاني الأمر الذي أثار الصراع السياسي في البلاد منذ بداية الانتداب حتى نهايته، خلال ذلك أكد الشعب العربي الفلسطيني عزمه على مكافحة السياسة الاستعمارية والسياسة الصهيونية الاستيطانية ومقاومتهما، حيث أعلن حربا شعواء على الصهيونية لا هوادة فيها فقامت المظاهرات والثورات المتلاحقة وعقدت المؤتمرات التي نددت بالصهيونية والاستعمار وشكلت الحركات والأحزاب الثورية والمجالس والجمعيات النقابية والوطنية، وكرست كل جهدها لمقاومة الاستعمار وسياسة التهويد التي ينتهجها.

وفي شهر آذار /مارس 1921 أصدر المندوب السامي “هربرت صموئيل” أمرا بتشكيل مجلس إسلامي أعلى يشرف على إدارة الأوقاف الإسلامية وتعيين قضاة المحاكم الشرعية وعرف بالمجلس الإسلامي الشرعي الأعلى، ومركزه القدس وتالف من رئيس العلماء وأربعة أعضاء وأنيطت به إدارة ومراقبة الأوقاف الإسلامية وتعيين القضاة الشرعيين ورئيس وأعضاء محكمة الاستئناف الشرعية حيث اختير مفتي القدس “الحاج “أمين الحسيني” رئيسا للمجلس الإسلامي الأعلى وذلك بعد وفاة أخيه “كامل الحسيني” في عام 1922.

لقد اهتم المجلس بالأوقاف الإسلامية والمحاكم الشرعية والمعاهد الدينية وغيرها من المؤسسات الإسلامية ولا سيما المسجد الأقصى.

التنظيم البلدي خلال فترة الانتداب

لقد قام الجنرال اللنبي بعد فترة قصيرة من دخوله القدس، باستدعاء ماكلين (Mclean) مهندس مدينة الإسكندرية لوضع الخطة الهيكلية الأولى للمدينة ، والمقاييس والمواصفات والقيود المتعلقة بالبناء والتطوير فيها وقام الأخير بوضع أول مخطط هيكلي لها سنة 1918 كان بمثابة أساس للمخططات التي تلته وبناء على هذا المخطط تم تقسيم المدينة إلى أربعة مناطق:

1. البلدة القديمة وأسوارها.

2. المناطق المحيطة بالبلدة القديمة.

3. القدس الشرقية (العربية).

4. القدس الغربية (اليهودية).

حيث نصت الخطة على منع البناء منعا باتاً في المناطق المحيطة بالبلدة القديمة ووضعت قيودا على البناء في القدس الشرقية “العربية” وأعلن عن القدس الغربية “اليهودية” كمنطقة تطوير.

– لقد اتسم هذا المخطط بتعزيز الوجود اليهودي في المدينة كما عمل على تطويقها استيطانيا لمنع أي توسع عربي محتمل، ومحاولة السيطرة على الحكم البلدي كخطوة نحو الاحتلال الكامل للمدينة وتحويلها إلى عاصمة للدولة اليهودية.

ومن ناحية أخرى قامت سلطات الانتداب بحل المجلس البلدي وتعيين لجنة لادارة البلدية مؤلفة من ستة أعضاء، اثنين من كل طائفة، وكان يرأس هذه اللجنة أحد أعضاء المسلمين، وينوب عنه في حال غيابه عضوان من الطائفتين الأخريين ويقومان بمهام الرئيس بالتناوب.

ومع تطبيق الإدارة المدنية عام 1920 أعيد تشكيل هذه اللجنة حيث عينت السلطات البريطانية مجلسا استشاريا لادارة شؤون البلدية يتكون من 17 عضوا منهم عشرة ضباط بريطانيين وأربعة أعضاء مسلمين وثلاثة أعضاء يهود، ثم استبدل هذا المجلس بمجلس آخر يرأسه عربي يتكون من 12 عضوا نصفهم من العرب (4 مسلمون + 2 مسيحيون) والنصف الباقي من اليهود وخلال الفترة ما بين 1918- 1947، أدت مجموعة من العوامل الخارجية إلى خدمة الحركة الصهيونية، فمع تزايد أعمال العنف ضد اليهود في مختلف أنحاء أوربا وصعود النازية إلى الحكم في ألمانيا سنة 1933 ازدادت هجرة اليهود من دول أوربا إلى فلسطين بتشجيع سلطات الانتداب البريطاني فقفز عدد السكان اليهود من عشرة آلاف نسمة عام 1918 ما يعادل 25% من مجموع السكان إلى فحسب بل لاستغلال هذا الوضع كمبرر يتيح الادعاء بحقها في المدينة.

السكان

وإذا حاولنا عرض بعض الإحصاءات عن عدد السكان في القدس وفلسطين فلا توجد إحصائيات دقيقة حتى العام 1914 عند إجراء الإحصاء التركي والذي يلخصه كتاب إحصاء فلسطين الصادر عام 1922 والذي بموجبه بلغ عدد سكان فلسطين “689.273” ألف نسمة منهم اقل من 60 ألف يهودي، وما لبث أن انخفض عدد اليهود إلى النصف خلال الاضطراب الذي أحدثته الحرب العالمية الأولى.

في حين تشير المعلومات الإسرائيلية أن سكان القدس بلغ عددهم عام 1917 إلى 32.300 نسمة، ولو صح هذا الرقم فانه يعني أن جميع اليهود في فلسطين كانوا يقطنون القدس.

والجدول التالي يوضح التوزيع السكاني لمدينة القدس

في القرنين التاسع عشر والعشرين

السنة – مسلمون – مسيحيون – عرب – يهود- المجموع – النسبة المئوية لليهود

1838 – 4.500 – 3.500 – 8.000 – 3.000 – 11.00 – 27.2%

1844 – 5.000 – 3.390 – 8.390 – 7.120 – 15.510 – 45.9%

1876 – 7.560 – 5.470 – 13.030 – 12.000 – 25.030 – 47.9%

1896 – 8.560 – 8.748 – 17.308 – 28.122 – 45.430 – 61.9%

1905 – 7.000 – 13.000 – 20.000 – 40.000 – 60.000 – 66.6%

1913 – 10.050 – 16.750 – 26.800 – 48.400 – 75.200 – 64.3%

1922 – 13.413 – 14.669 – 28.082 – 33.971 – 62.053 – 54.7%

1931 – 19.894 – 19.335 – 39.229 – 51.222 – 90.451 – 56.6%

1946 – 60.560 – 44.850 – 105.410 – 99.690 – 205.100 – 48.6%

1948 – 40.000 – 25.000 – 65.000 – 100.000 – 165.000 – 60.6%

1967 – 54.963 – 12.646 – 67.609 – 195.000 – 262.609 – 74.2%

المصدر: كيت ماجواير: تهويد القدس، دار الآفاق الجديدة، بيروت 1981م.

لقد جمعت ماجواير الأرقام التالية طبقا:

1. جمعت أرقام عام 1938 من قبل القس إ.ربنسون، من المعهد اللاهوتي لمدينة نيويورك عند زيارة القدس تلك السنة.

2. التعداد السكاني في الفترة التي وضعت فيها الأمم المتحدة مشروعات التقسيم.

3. سجلات فلسطين، دائرة المعارف البريطانية والكتاب السنوي لحكومة فلسطين والإحصاءات الحكومية عن فلسطين.

4. هنري قطان “فلسطين والقانون الدولي” باللغة الإنجليزية.

ملكية مساحة الأراضي خلال الانتداب البريطاني

– أملاك عربية 40%

– طوائف مسيحية 13.86%

– أملاك يهودية 26.12%

– حكومية وبلدية 2.90%

– طرق وسكك حديدية 17.12%

المصدر: سمير جريس: المخططات الصهيونية، الاحتلال، التهويد مؤسسة الدراسات الفلسطينية، بيروت 1981.

جدول يوضح عدد المهاجرين اليهود إلى فلسطين

بطريقة قانونية من 1920 -1936

السنة/عدد المهاجرين – السنة/عدد المهاجرين

1920 / 5514 — 1929 / 5249

1921 / 9149 — 1930 / 4944

1922 / 7844 — 1931 / 4075

1923 / 7421 — 1932 / 9553

1924 / 12856 — 1933 / 30327

1925 / 33801 — 1934 / 42359

1926 / 13081 — 1935 / 61844

1927 / 2713 — 1936 / 29727

1928 / 2178

المصدر: كيت ماجواير: تهويد القدس دار الآفاق الجديدة، بيروت 1981.

حيث تركز تقارير السكان المنشورة في الوثائق الإسرائيلية على معلومات مغلوطة عن نسبة عدد السكان، وذلك لتجنب المناطق الجغرافية التي يقطنها العرب، لان تعيين الحدود البلدية خلال عهد الانتداب رسم بطريقة ترتبط بالوجود اليهودي. حيث امتد خط الحدود ليشمل جميع الضواحي الاستيطانية اليهودية التي أقيمت غربي المدينة، فقد امتد الخط من هذا الجانب إلى عدة كيلومترات، بينما اقتصر الامتداد من الجوانب الشرقية والجنوبية على بضع مئات من الأمتار ،بحيث أن خط الحدود وقف باستمرار أمام مدخل القرى العربية المجاورة للمدينة ، وهنا بقيت قرى عربية كثيرة خارج حدود البلدية مثل (سلوان، العيسوية، الطور، دير ياسين، لفتا، شعفاط، المالحة، عين كارم، بيت صفافا) على الرغم من تداخلها والتصاقها بالمدينة.

لقد أثارت السياسة البريطانية التي تلخصت بتسهيل إقامة الوطن القومي اليهودي مخاوف الشعب العربي الفلسطيني وكذلك الأرقام المتصاعدة للمهجرين اليهود إلى فلسطين طبقا لسياسة الانتداب، إذ تبين أن هذه الهجرة ستجعل من العرب الفلسطينيين أقلية في بلادهم خلال فترة وجيزة، فقام الشعب الفلسطيني بعدد من الثورات ضد سياسة الهجرة واستملاك الأراضي وكان من أبرزها ثورات 1920، 1929، 1933، وثورة 1936 التي امتدت إلى 1939 حيث كانت القدس مركز هذه الثورات أو نقطة الانطلاق.

لقد حاول البريطانيون طيلة فترة الانتداب التوصل إلى “تسوية” بين العرب واليهود وقدموا العديد من المشاريع التي تعزز مكانة اليهود في فلسطين والقدس فعلى أثر ثورة 1929 ارتأت حكومة الانتداب تقسيم فلسطين إلى كانتونات (مقاطعات) بعضها عربي والبعض الآخر يهودي، يتمتع كل منها بالحكم الذاتي في ظل الانتداب ، ولكن العرب في فلسطين قاوموا هذا المشروع و أحبطوا أغراضه.

وعاودت بريطانيا طرح فكرة التقسيم من جديد في أعقاب ثورة 1936، إذ شكلت على أثرها لجنة تحقيق ملكية(لجنة بيل Peal)و أنهت اللجنة المذكورة أعمالها وخرجت بتوصية مفادها (تقسيم فلسطين إلى دولتين يهودية وعربية ووضع القدس تحت نظام دولي لقدسيتها، بحيث تشمل المنطقة الممتدة من شمال القدس حتى جنوبي بيت لحم مع ممر بري إلى يافا).

وقد فشل هذا المشروع أيضا أمام ثورة العرب عليه ومقاومتهم له. ثم ما لبثت بريطانيا أن تخلت عنه وفقا لتوصيه لجنة من الخبراء (لجنة وودهيد) شكلت لبحث إمكان تنفيذ التقسيم وفقا لمشروع لجنة “بيل” ومع نشوب الحرب العالمية الثانية عادت قضية القدس إلى إطارها كجزء من القضية الفلسطينية وعادت السياسة البريطانية إلى دورها أثناء الحرب العالمية الأولى بإصدار الوعود للعرب وتحقيق الأهداف الصهيونية العالمية. كانت السياسة البريطانية ترى أن تقسيم فلسطين هو إحدى الوسائل لتهويدها تم تحويلها إلى دولة يهودية ولتحقيق ذلك اتجهت بريطانيا إلى الأمم المتحدة وسعت لاستصدار قرار بشأن مصير فلسطين يكون له قيمة دولية وتلزم به دولا كثيرة وهذا يوفر لها مخرجا للتملص من تنفيذ ما تضمنه صك الانتداب من وعود للعرب وواجبات نحوهم.

وعندما هيأت الحكومة البريطانية الجو الدولي الملائم، أعلن وزير خارجيتها في 18 فبراير 1947 م عن اعتزام “حكومة صاحب الجلالة”. عرض المسألة لحكم الأمم المتحدة لتوحي بتسوية لها “وبعد مشاورات مع الولايات المتحدة والدول الغربية الأخرى طلبت إدراج مسألة فلسطين على جدول الأعمال للدورة العادية المقبلة بتاريخ 18 إبريل 1947. وتم عقد دورة استثنائية لتشكيل لجنة خاصة للنظر في مسألة فلسطين ورفع تقرير عنها إلى الجمعية العمومية في الدورة العادية المقبلة، وفي السابع والعشرين من الشهر نفسه عقدت الجمعية العامة دوره استثنائية طلب فيها مندوب بريطانيا أن تقتصر أعمالها على تشكيل لجنة تحقيق. وقدمت الدول العربية اقتراحا لإدراجه على جدول الأعمال يقضي “بإنهاء الانتداب على فلسطين و إعلان استقلالها” وكان قد قدم الاتحاد السوفيتي اقتراحا مشابها إلا أنه قد فاز الاقتراح البريطاني بتشكيل “لجنة خاصة للأمم المتحدة بشأن فلسطين (unscop). ويكون من مهامها تفحص جميع القضايا والمسائل ذات العلاقة بمسألة فلسطين ودرس قضية فلسطين من جميع وجوهها، كذلك أحوال اليهود المشردين في أوربا والموجودين في معسكرات الاعتقال”.

وبذلك نجحت بريطانيا في الربط بين قضية فلسطين ومشكلة اليهود المشردين في أوروبا وأحالت الجمعية العامة قرارها إلى لجنتها السياسية التي أقرت تشكيل اللجنة في 22 مايو 1947 والتي أوصت بدورها على تقسيم فلسطين الى دولتين يهودية وعربية وإنشاء نظام دولي خاص بالقدس ومنطقتها، وإقامة وحدة اقتصادية بين الدولتين الأمر الذي رفضته الهيئة العربية العليا للفلسطينيين، كما رفضته الدول العربية على أساس أن الأمم المتحدة قد تخطت صلاحياتها في هذا الشأن، أما الحركة الصهيونية التي كانت تصر على إقامة دولة يهودية على كامل الأراضي الفلسطينية وجعل القدس عاصمة هذه الدولة فقد قبلت به بتردد كثمن للحصول على قرار دولي بإقامة دولة لليهود.

وإذا ما حاولنا التطرق بنوع من التخصص إلى القدس العربية والممارسات البريطانية عليها فهي لم تختلف عن الممارسات البريطانية بشكل عام تجاه القدس، فقد تميزت جميعها بتسهيل سيطرة الصهاينة على المدينة والحكم البلدي فيها، ومن أجل تحقيق ذلك تلاعبت الإدارة البريطانية بحدود مسطح البلدية وبقوائم الناخبين بحيث كانت تستثنى الأحياء العربية، بينما أدخلت الأحياء اليهودية مسطح البلدية برغم بعدها عنها وبذلك سهلت الإدارة البريطانية على اليهود الادعاء بتحقيق أكثرية في المدينة والمطالبة برئاسة البلدية. ففي عام 1937 قامت سلطات الانتداب باعتقال رئيس البلدية العربي الدكتور حسين فخري الخالدي ونفته إلى جزر سيشل مع أعضاء الهيئة العربية العليا وعينت نائب رئيس البلدية “دانييل واستر رئيسا”.

لكنها تراجعت في السنة التالية أمام شدة المعارضة العربية وعينت رئيسا مسلما للبلدية هو مصطفى الخالدي وقد تكررت هذه المحاولة مرة أخرى في آب أغسطس 1944 عندما توفي رئيس البلدية العربي، حيث قام البريطانيون بتعيين نائبه اليهودي خلفا له مرة أخرى، لكن العرب عارضوا هذا الإجراء فاقترح البريطانيون اتباع نظام التناوب على رئاسة البلدية مرة كل سنتين بحيث يكون أول رئيس يهوديا والثاني عربيا والثالث بريطانيا.

فلجأ العرب إلى مقاطعة جلسات المجلس البلدي، فقام البريطانيون بحله في 11 يوليو 1945 وتعيين لجنة بديلة من ستة موظفين بريطانيين وتم حرمان العرب من رئاسة البلدية وفي هذه الأثناء كانت الحرب العالمية الثانية قد توقفت، فاستأنفت المنظمات الإرهابية الصهيونية نشاطها ضد البريطانيين والعرب، والذي كان قد اتخذ أبعاد جديدة من سنة 1939 في أعقاب صدور الكتاب الأبيض.

الصراع العربي اليهودي

عندما أعلنت بريطانيا اعتزامها الانسحاب من فلسطين يوم 14 أيار/مايو 1948، وضمن تلك الظروف التي صنعتها لولادة الدولة اليهودية، أخذت المنظمات الصهيونية الإرهابية في تصعيد حرب الإبادة وأعمال العنف واستخدام كافة الأساليب النفسية لبث الذعر في نفوس عرب فلسطين وإجبارهم على الفرار من بيوتهم واخذ الأراضي خالية من السكان فقامت لهذا الغرض بتنفيذ العديد من المجازر البشعة ضد المدنيين العزل ومنها المذبحة التي نفذتها العصابات الصهيونية في قرية دير ياسين بالقرب من القدس في 9 نيسان (إبريل) 1948 والتي أسفرت عن مقتل 250 شخص. وكتب العقيد “مئير باعيل” كشاهد عيان للمجزرة قائلاً “بعد أن خرج رجال البالماخ من القرية “أي دير ياسين” بدأ رجال اتسل وليحي مذبحة مخجلة بين السكان العرب: الرجال والنساء والشيوخ والأطفال دون تمييز بتوقيفهم بجانب الجدران وإطلاق النار عليهم” وأضاف أن خمسة وعشرين رجلا نقلوا إلى سيارة شحن واقتيدوا إلى مقلع للحجارة يقع بين غفعات شاؤول ودير ياسين، وهناك أطلق الرصاص بدم بارد “ووصف الكاتب العملية بأنها (وصمة عار في تاريخ الشعب الإسرائيلي).

وبحلول 14أيار (مايو) 1948 موعد إنهاء الانسحاب البريطاني من فلسطين أعلن مخلص الدولة المؤقت (الإسرائيلي) عن قيام دولة إسرائيل الأمر الذي أعقبه دخول وحدات من الجيوش العربية للقتال إلى جانب سكان فلسطين، حيث أسفرت الحرب عن وقوع القدس الغربية بالإضافة إلى مناطق أخرى تقارب أربعة أخماس فلسطين تحت السيطرة الإسرائيلية والتي تجاوز بكثير الأراضي التي نص عليها قرار التقسيم، وبقيت القدس العربية تحت سيطرة الأردن، وتوقف القتال باتفاقية لوقف إطلاق النار بين الجانبين أبرمت في الثلاثين من تشرين الثاني (نوفمبر) 1948 ثم تحولت إلى اتفاقية هدنة بين البلدين عقدت تحت إشراف الأمم المتحدة في 3 نيسان/إبريل 1949.

ملكية الأراضي بعد اتفاقية الهدنة في القدس

المساحة بالدونم : النسبة المئوية

المساحة الواقعة تحت الحكم الأردني: 2220 دونم : 11.48%

المساحة الواقعة تحت الاحتلال الإسرائيلي: 16261 دونم : 84.13%

مناطق الأمم المتحدة والمناطق الحرام : 850 دونم : 4.39%

وبوقوع الجزء الأكبر من مدينة القدس تحت السيطرة الإسرائيلية، أخذت إسرائيل تعمل على دمج هذا الجزء العريض من المدينة بالدولة الإسرائيلية، وبذلك تجاوزت إسرائيل قرار التقسيم الذي كانت قد قبلته على مضض أثناء مناقشات إلحاق عضويتها بالمنظمة الدولية.

ومن الجدير ذكره هنا أنه في منتصف تموز (يوليو) 1948 قام الجيش الإسرائيلي بمحاولة فاشلة لاحتلال المدينة القديمة سميت عملية (كيديم). وفي أواخر أيلول (سبتمبر) 1948 ، تلقى بن غوريون نكسة أخرى عندما تحالف ثلاثة من وزراء حزبه (شاريت، كابلان، وريميز) مع أعضاء آخرين في الائتلاف لرفض اقتراحه القيام بعملية عسكرية ضد اللطرون من أجل تأمين “قدس يهودية” حسب زعمه وعندما حذر رئيس الوزراء الإسرائيلي آنذاك “بن غوريون” زملاءه من أن معارضتهم هذه ستسبب “بكاء الأجيال ” ثم قدم بن غوريون اقتراحا مماثلا سنة 1952 لاحتلال قضاءي القدس والخليل، ولكن الحكومة عارضت هذا الاقتراح بأكثرية أعضائها.

المصدر: سمير جريس : القدس، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، بيروت 1981.