أجرى موقع الجماعة حوارا مع الأستاذ عمر أمكاسو عضو مجلس أمناء مؤسسة القدس الدولية وعضو المؤتمر القومي الإسلامي وعضو اتحاد الجمعيات الأهلية الداعمة لفلسطين بمناسبة الذكرى 61 للنكبة وبمناسبة اعتبار القدس المحتلة عاصمة للثقافة العربية..

سؤال:

في الذكرى 61 لنكبة فلسطين وكل الأمة الإسلامية، ما هي أسباب هذه الهزيمة؟ وما السبيل إلى النصر وتحرير فلسطين والمسجد الأقصى؟

جواب:

بسم الله الرحمن الرحيم، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه، وسلم تسليماً.

في البداية أشكر طاقم الموقع على إتاحتي الفرصة للمشاركة في فعاليات الذكرى الواحدة والستين للنكبة الأليمة التي حلت بفسلطيننا الحبيبة، وأسأل المولى القدير أن يعجل بتحريرها وتطهيرها من الاغتصاب الصهيوني الغاشم.

بخصوص سؤالك عن أسباب الهزيمة النكراء التي حلت بفلسطين في ماي 1948 والتي عرفت بالنكبة، فيمكننا حصر هذه الأسباب في نوعين من العوامل:

– عوامل ذاتية، تتعلق بواقع البلدان العربية التي خاضت هذه الحرب إلى جانب الفلسطينيين، وهي الأردن ومصر وسوريا خلال هذه المرحلة، فقد حصلت هذه البلدان على استقلالها قبيل النكبة، ولم يكن هذا الاستقلال تاما، حيث بقيت مرتبطة بالاستعمار الإنجليزي والفرنسي من خلال عدة معاهدات حافظت له على امتيازات كثيرة، وخاصة في الجانب العسكري، مثل الاحتفاظ بقواعد عسكرية في هذه البلدان والإشراف على تدريب جيوشها.

ولكم أن تتصورا نتيجة معركة قادتها جيوش مدربة من قبل الإنجليز والفرنسيين الذين رعوا الكيان الصهيوني الغاصب، وقدموا له كل الدعم.

أضف إلى ذلك أن الأنظمة التي حكمت هذه البلدان بقيت عميلة للاستعمار وخاضعة لسلطته، ولذلك كان دخولها إلى الحرب بدون أدنى الاستعدادات، ومن أجل التظاهر بنصرة القضية ليس إلا. وبالتبعية افتقدت الجيوش النظامية العربية الروح المعنوية اللازمة في مثل هذه المواجهة الحاسمة، كما افتقدت التسليح الجيد والتدريب الكافي.

وكان الاستثناء في هذه القاعدة، هو جيوش المتطوعين وخاصة كتائب “الإخوان المسلمون” التي أبلت البلاء الحسن في مواجهة الصهاينة وأشرفت على اقتحام تل أبيب، لولا أن السلطات المصرية المتآمرة مع الإنجليز ـ رعاة الكيان الغاصب ـ بادرت إلى سحبها من الخطوط الأمامية عنوة لتلقي بها في غياهب السجون.

– عوامل موضوعية خارجية: وهي عوامل ترتبط بالطرف الآخر في المواجهة، وهو الكيان الصهيوني الغاصب وقوى الاستكبار المساندة له. فقد حظي الصهاينة بدعم سخي وغير محدود من الدوائر الاستعمارية وعلى رأسها الإنجليز الذين أصدروا وعد بلفور المشؤوم في 1917، وفرضوا الانتداب على فلسطين لتنفيذ ذلك الوعد.

وطيلة مدة هذا الانتداب الذي امتد من 1917 إلى 1948 لم يدخر الإنجليز جهدا في التمكين للاستيطان الصهيوني في فلسطين بكل الوسائل، وفي قمع الثورات التي فجرها الشعب الفلسطيني ضد هذا الاستيطان، وخاصة الثورة الكبرى التي قادها الشهيد عز الدين القسام رحمه الله .

وقد وصل هذا التواطؤ الإنجليزي مع الصهاينة أوجه بالتنسيق الذي تم بين الطرفين في ماي 1948، حيث لم تمض سوى سويعات على إعلان الإنجليز انسحابهم من فلسطين حتى أعلن الصهاينة عن قيام كيانهم الغاصب.

كما استكملت المؤامرة حلقاتها بتسارع باقي قوى الاستكبار بالاعتراف بهذا الكيان الغاصب مباشرة بعد ذلك، وتوفير كل الدعم له، وعلى رأس هذه القوى الولايات المتحدة الأمريكية ثم الاتحاد السوفياتي وفرنسا وغيرها. ولم يقف الأمر عند مجرد الاعتراف بهذا الكيان، بل قدمت له هذه القوى كل الدعم السياسي والمادي، مما ساعده على سحق الجيوش العربية النظامية المهترئة.

سؤال:

في سنة “القدس عاصمة للثقافة العربية”، هل لكم أن تعيدوا توضيح مكانة القدس الدينية والحضارية عند المسلمين؟

جواب:

أجل، القدس هي زهرة المدائن الإسلامية وجوهرة الحضارة الإنسانية، ولها مكانة جد متميزة في الرسالات السماوية كلها باعتبارها أرض النبوات ومهبط هذه الرسالات.

وفي ديننا الإسلامي الذي ختم الله تعالى به هذه الرسالات، تعد القدس أولى القبلتين وثالث الحرمين، وإليها أسري برسولنا الأعظم صلى الله عليه وسلم، وفي رحاب مسجدها الأقصى المبارك أم عليه الصلاة والسلام كافة الأنبياء والرسل ليقلد بوسام إمام المرسلين، ومنها عرج به صلى الله عليه وسلم إلى سدرة المنتهى في رحلة المعراج الخالدة، التي توجت بفرض الصلاة وبباقي المشاهد العظيمة التي رواها صلى الله عليه وسلم في هذه الرحلة، وليت المسلمين يقفوا عند أبعاد هذا الاقتران الخلاق بين المسجد الأقصى وبين أعظم العبادات وعمادها في ديننا الحنيف وهي الصلاة، ومن هذه الأبعاد أن المسجد الأقصى بهذا الاقتران يستحق منا نفس ما تستوجبه منا الصلاة من المحافظة والتبجيل.

فضلا عما سلف، أولى المسلمون على امتداد تاريخهم القدس مكانة خاصة وجد متميزة، حيث أشرف أمير المؤمنين سيدنا عمر بن الخطاب بنفسه على فتحها ومسالمة من كان يقطن بها من أهل الذمة، وبادر كبار العلماء والصالحين والأولياء إلى الهجرة إليها ومجاورة مسجدها الأقصى المبارك، وكان المسلمون إلى ما قبل النكبة يقرنون بين الحج إلى البيت الحرام وبين الحج إلى هذا المسجد المبارك.

وتأسيسا على ما سبق، فإن القدس تمثل بامتياز وجه الحضارة الإنسانية جمعاء، بما احتضنته من رسالات سماوية وبما تعاقب عليها من حضارات، وما عرفته خلال العهد الإسلامي من تسامح وتعايش بين هذه الحضارات، وبما تضمه الآن من مقدسات دينية، وعلى رأسها المسجد الأقصى وقبة الصخرة وكنيسة القيامة والخليل وغيرها.

سؤال:

كيف يمكن مواجهة مخططات التهويد المتسارعة للقدس والتهديد الحقيقي للمسجد الأقصى؟

جواب:

أخي الكريم، إن مواجهة مثل هذه المخططات لا يمكن أن يتم إلا في إطار خطة شاملة تروم تحرير كافة فلسطين من الغاصبين الصهاينة، والخطوة الأولى في رسم هذه الخطة هي استعادة المسلمين لهويتهم ووفائهم لدينهم، وتحرير أنفسهم من ربقة الاستبداد والتبعية، ولذلك يجب أن تتضافر جهود الجميع من الحركات الإسلامية وغيرها من العلماء والمثقفين لتحقيق هذه الخطوات.

وفي انتظار أن يأذن الله تعالى بذلك، يجب على الشعوب الإسلامية وطلائعها ألا يدخروا جهدا من أجل إيقاف مخططات التهويد الرهيبة التي تتسارع يوما بعد آخر.

ومن ذلك هذه المبادرة الطيبة باختيار القدس عاصمة للثقافة العربية الإسلامية وما تستدعيه من فعاليات وأنشطة وضغوط وغيرها للتذكير بمكانة القدس ولمواجهة ما تتعرض له من مؤامرات. كما يجب ألا نغفل بأن دعم خيار المقاومة وتقديم كل أشكال الدعم للمجاهدين في فلسطين هو خير سبيل لمواجهة مخططات التهويد في حق قدسنا المجيدة.

سؤال:

بحكم عضويتكم في العديد من المؤسسات العربية والإسلامية والدولية المعنية بالدفاع عن القدس وفلسطين، ما هي الخطوات المتخذة من أجل التأثير الفاعل على الأرض في مواجهة المشروع الصهيوني الرامي إلى هدم المسجد الأقصى وتهويد مدينة القدس المحتلة؟

جواب:

في المؤتمرات والمؤسسات المعنية بالدفاع عن القدس وفلسطين التي أتشرف بالانتساب إليها والعمل فيها، مثل مؤسسة القدس الدولية والمؤتمر القومي الإسلامي وتكتل الجمعيات الأهلية الداعمة لفلسطين وغيرها، نعمل على واجهة الجهاد المدني المساند والمدعم للمقاومة الميدانية التي يخوضها أهلنا المرابطون في فلسطين، ونحاول حشد التأييد والدعم والنصرة لحقوق الشعب الفلسطيني وسط الشعوب العربية والإسلامية وأحرار العالم، كما نقوم بمشاريع ميدانية خاصة في مؤسسة القدس الدولية التي تهتم بالمجالات التعليمية والطبية والإسكانية والإغاثية والاقتصادية والإعلامية، ولمن أراد الاطلاع على هذه المشاريع يمكنه زيارة موقع مؤسسة القدس alquds-online.org

سؤال:

ما هي نظرتكم لآفاق مواجهة الأمة الإسلامية لمشروع الكيان الصهيوني؟

جواب:

لقد بشرنا الحبيب المصطفى صلى الله وعليه وسلم بآفاق هذه المواجهة في عدة أحاديث تجمع كلها على أن المسلمين سينتصرون على الصهاينة، وأن فلسطين ستعود إلى أهلها إن شاء الله، من هذه الأحاديث الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم “لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهود فيقتلهم المسلمون، حتى يختبئ اليهودي من وراء الحجر والشجر فيقول الحجر أو الشجر: يا مسلم يا عبد الله هذا يهودي خلفي فتعال فاقتله، إلا الغرقد فإنه من شجر اليهود” رواه مسلم في صحيحه.

وعلى قدر يقيننا بهذا الوعد النبوي الصادق يجب أن نتخذ كافة الأسباب المادية والتربوية لاستحقاق هذه البشارة العظمى، وأول خطوة في ذلك هي تعبئة الأمة حول دينها وتكثير التائبين في صفوفها ومدافعة المستبدين الذين يقدمون الدعم المباشر وغير المباشر للكيان الغاصب بتسلطهم وطغيانهم واستئثارهم بثروات الأمة وخيراتها؛ فالمعركة شاملة تمتد من هنا في بلداننا المنكوبة بحكامها العملاء، إلى هناك في فلسطين الحبيبة. ويوما بعد يوم يكرمنا المولى سبحانه وتعالى بالتباشير التي تستشرف ذلكم الأفق المنشود الذي نسأله سبحانه وتعالى أن يعجل به.