1. السؤال

هل يمكن لأحد الطرفين (اليسار أو الإسلاميون) التفكير في مستقبل المغرب باعتماد قاعدة الإقصاء، سواء من الناحية المبدئية التصورية، أو من الناحية العملية والواقعية؟

إن قيمة هذا السؤال في كون الجواب الموضوعي عنه سيشكل مدخلا هاما في بناء عملية سياسية مجدية لمغرب اليوم في أفق مستقبل الحرية الكاملة للشعب المغربي.

نعم، مرت عقود استطاع واقع القمع المسلط على المغاربة والغموض المهيمن طويلا على التفكير في قضاياهم أن يؤدي إلى نسج نوع علاقة بين اليسار والإسلاميين، خلال أواخر الستينات والسبعينات، اتسمت من جهة بمحاولات التعتيم والتشويه وربما التآمر في حالات عديدة، ومن جهة بردة فعل قد تكون عنيفة أحيانا، وفي مراحل أخرى صبر طويل حتى تتوفر بعض عوامل إنتاج واقع من الوضوح يذهب الريبة والشك ويفتح الباب على مخاطبات وتواصل يفضي إلى التعارف فالتفاهم على نوع أداء تعاقدي بالضمن أو التصريح لإدارة عملية سياسية ومجتمعية مسئولة وبانية تؤسس لواقع الحرية الذي يحيى فيه من حيي عن بينة ويهلك فيه من هلك عن بنية.

إن حجم المعاناة التي عاشها المناضلون الفضلاء من اليسار، وإن صبر الحركة الإسلامية بالانتباه إلى مصلحة الشعب المغربي على الرغم مما تعرضت له من حصار وقمع وتشويه إعلامي وسياسي مع تركيزها على عرض مقترحاتها بوضوح، كانا عاملان مهمان في حصول نوع وعي بحاجة الشعب المغربي إلى ضرورة تجاوز واقع الفسيفسائية السياسية والمجتمعية إلى مرحلة القوة المجتمعية والسياسية القادرة على القطع مع الاستبداد القروني والفساد المستشري الذي شل كليا حركة الأمة في اتجاه تحقيق القوة والكفاية والاستقلال الكامل.

ولذلك، يبقى السؤال مشروعا: هل نستطيع أن نجد خطابا سياسيا جامعا منطلقا من المصلحة العامة للشعب المغربي ويعمل على بلورة اقتراح يخرج بالمغاربة من النفق المعيش إلى أفق الحرية؟

ذلك ما يمكن أن ينجزه نقاش جدي وموضوعي بين اليسار والإسلاميين عند توفر لحظة وعي جدية بالذات وبالمرحلة.

2. الفضاء المناسب لصناعة القوة السياسية والمجتمعية الجامعة

يتحدث الكثيرون عن شروط الحوار بين الأطراف وخاصة بين اليسار والإسلاميين، علما أن أي طرف ليس في موقع يخول له التحدث بلغة الشروط فضلا عن أنها لغة استعلائية في الحالة المغربية، ولذلك فليس الأمر متعلقا بشروط يتفاوض حولها بمنطق “براغماتي” بقدر ما الأمر يتعلق بضرورة توفير الظروف المناسبة للمنافسة الشريفة والواعية والعادلة. وهو ما يعني أنه لابد من الموضوعية والوعي الحقيقي بالذات في عملية تصنيف الأطراف من خلال معايير علمية وواقعية بهدف إنجاز عملية تاريخية مسئولة تتحمل فيها كل الأطراف مهمة تحقيق الدور المنوط بها وبحجمها في المرحلة المعيشة.

ولذلك يقتضي الأمر رصد أهم المعايير لتشكيل الحبل الناظم لإنجاح عملية سياسية ومجتمعية مستقبلية على هدوء ووضوح ومسئولية:

أولا: الموقف من الاستبداد والعلاقة معه

لاشك أن عامل العوامل في إفساد العملية السياسية والمجتمعية في المغرب القبضة الاستبدادية المتسلطة على كل تفاصيل الحياة المغربية متجلية في خراب الاقتصاد والوضع الاجتماعي وانهيار كلي للمنظومة التربوية التعليمية فضلا عن فساد الحياة السياسية.

لقد تم احتكار الثروة والسلطة والدولة على السواء من خلال قبضة نظامية قرونية استبدادية قهرت المجتمع المغربي ومزقت كيانه السياسي المجتمعي إلى فسيفسائية شالة لحركته. بل الأخطر من ذلك أن هذه القبضة حققت الاختراق الكلي لكيان المثقف والمفكر والعالم في غالب الأحيان – فضلا عن الإنسان العادي- حتى اضطر معها إما إلى الهروب وركوب برج الثقافة والفكر ومراقبة الحلبة السياسية دون الانغراس المضحي والمستمر في تفاصيل العملية البنائية للمجتمع المغربي، أو الاكتفاء بمزاولة مهمة المثقف العضوي الذي يجد مجالا منبريا يزور من خلاله الحقائق كما يزور المتفيقه القابع في منبره او ديدان القراء الحقائق بوعي أو بغير وعي.

إنه لا يكفي الوعي بالحقيقة الاستبدادية الجاثمة على صدر المغاربة، بل المطلوب عوامل الصمود لمقاومتها وتقويضها وفتح آفاق الحرية الضرورية للشعب المغربي عمليا، وذلك من خلال:

1- الخطاب الصريح والواضح في كشف جوهر الاستبداد والمخزنة الذي قتل روح المبادرة والإبداع لدى الشعب المغربي ومزق كيانه، وتحميله كامل المسئولية في ما وقع ويقع.

2- الموقف العملي الذي ينحاز جملة إلى صفوف الشعب المغربي ويقدم التضحيات اللازمة لذلك مهما كان حجمها وثمنها.

إن ضرورة تحديد القوى السياسية والمجتمعية المسافة الضرورية بوعي كبير من هيمنة الاستبداد وقبضتة المخزنية معيار حاسم في بناء أي نوع من أنواع التكتلات المستقبلية القادرة على النهوض بالمهمة التاريخية لتحرير الشعب المغربي.

3- التركيز على قضية الإصلاح السياسي الحقيقي والجوهري وفق مشروع متكامل وجامع بدلا من تضييع وقت المغاربة في زمن عولمي متسارع في مبادرات لا قيمة عملية وتاريخية لها تجري وفق توافقات كواليسية مغطاة إعلاميا بقصد التسويق لها وصناعة رأي عام مؤيد لها لا بقصد فتح نقاش حقيقي حول قيمتها وجدواها.

لقد انتظر المغاربة “تغييرات” دستورية جوهرية، ولكن لم يحصل إلا الذي كان وسيلة بارعة في تكريس الواقع وإعادة إنتاجه بصورة أكثر تجدرا وفظاعة. وعلى القوى الحية أن تنهض وفق تصور جامع للحدود الدنيا المشتركة للخروج بالمغاربة من متاهات “إصلاحات” وتوافقات تكرس الضعف المجتمعي والسياسي وتنعش الاستبداد وتوطد التبعية.

ومن ذلك مقاطعة ألعوبة الانتخابات التي كرست واقع الفساد والاستبداد وجعلت الشعب المغربي يفقد الثقة كليا في عملية سياسية فاسدة كما فقدها في السياسيين ومن يتعاطى السياسة وفي جميع أطرافها الرسمية والحزبية؛ إذ لاشك أن سيادة وعي المقاطعة لهذه الأضحوكة المهزلة من أهم وسائل الضغط ومقدماته في اتجاه أن يحتل الشعب مكانه المناسب في العملية السياسية في إطار استراتيجية تقويض ركائز الاستبداد والفساد.

لقد طالت انتظارات الكثيرين، ومنهم بعض قوى اليسار وبعض الحركة الإسلامية، حول وعود العهد الجديد، فتبين أن الأمر لايعدو محاولات لإعادة ترتيب بيت الاستبداد وصناعة أطره الجديدة، وهو ما يقتضي الانحياز الكلي إلى مطالب الشعب المغربي الذي يدغدغ المخزن وحلفاؤه والمتعاونون معه عواطفه على طول عقد من الزمن.

فقضية الإصلاحات السياسية ليست مناورات سياسوية من أية جهة كانت بقدر ما هي نتيجة ضغط حقيقي لقوى المجتمع في اتجاه التغيير المطلوب للتخلص من القبضة الاستبدادية القرونية.

4- العمل على فتح نقاش جدي وعام ومسئول في الإعلام والكتابة والتأليف وغير ذلك من وسائط الاتصال والتواصل حول قضايا الشعب المغربي الجوهرية عوضا عن نقاشات هامشية ومتحاملة تعج بها كثير من الصحف والمجلات ما هي إلا نوع تزوير في حق الشعب المغربي.

لذلك على اليسار ونخبه أن يغادروا قوقعة رصيد نضالي حقيقي نعم، لكنه اليوم بين يدي تحولات جذرية وكبرى خرجت من صلب المجتمع المغربي على الرغم من كل أشكال التعتيم والقمع والحصار، إذ لا يكفي الاعتراف بوجود القوى المعبرة عن قيمة وطبيعة هذه التحولات، بل المطلوب الاشتغال على مطلب الحرية الذي تتحرك فيه جميع القوى وفق واقع تنافسي عادل ومتكافئ يؤسس لنتائج اختيار شعبي صحي.

وقد تبين لكل عاقل أن المواجهة السياسية والفكرية الموضوعية والعلمية في ظروف عادلة هو ما سيجنب الشعب المغربي متاهات ركوب مواقع وهمية لدى كثير من الأطراف التي لا تريد أن تعترف حتى بالعمق النضالي والتاريخي للحركة الإسلامية.

5- تحريم كل أساليب العنف المادي والرمزي في العملية التواصلية والتدافعية السياسية والمجتمعية، إذ العنف من أقبح أنواع التواصل وهو يهدم ولا يبني ويفسد ولا يصلح. وقد أخطأ اليسار عموما وبعض أطرافه خصوصا لما لم يلتقطوا معنى سلمية الحركة الإسلامية في المغرب ليقفوا على قوة اقتراحها في حل معضلة الشعب المغربي وتفعيل حركته السياسية والمجتمعية وتقويض كل النزعات العنيفة من أية جهة كانت.

لقد آن الآوان لحصول الوعي الحقيقي بالذات والإقرار بأن عدم الرضى ببروز حركة تغييرية جذرية إسلامية من طرف اليسار لا يعني هرولته غير المشروطة وتحالفه الاستراتيجي والمصيري مع الاستبداد والمخزن، ذلك أن الحركة الإسلامية ليست ظاهرة سياسية أو اجتماعية تتقهقر أمام قوة التحالفات المضادة أو العدوة أو عنفها، بل هي عمق شعبي ومشروع تجديدي متكامل آن لليسار وغيره أن يقرأه جيدا وبشكل صحيح.

فالالتجاء إلى أي نوع تحالف مع الاستبداد لاشك أنه في مرحلة قادمة حين ينهار الاستبداد الذي لم يعد له مكان في عالم اليوم سيجعل حلفاءه في تيهان مهول وربما يؤدي ذلك إلى صراع عنيف لا تحمد عقباه.

ثانيا: العمق الشعبي والموقف المرجعي

من المعايير المهمة في تصنيف عملية التواصل والتفاعل والحراك بين مكونات الحقل السياسي والمجتمعي حجم عمقها الشعبي والجماهيري، ليس على قاعدة المزايدات التي هيمنت على الخطاب الإعلامي والسياسي في المغرب، بل على قاعدة القدرة على التعبئة العامة والواعية والمسئولة بحيث يعرف كل واحد قدره وحجمه وموقعه بكل موضوعية وروح رياضية، كما يقال، بما يهيء لعملية تنافسية سالمة وسليمة من التزوير.

إن الوعي الحقيقي غير “الديماغوجي” وغير الدعائي بمستوى العمق الجماهيري لكل طرف مدخل صحي لصناعة العلاقة التواصلية البانية. فليس من حق إسلامي جالس على أريكة الفراغ الجماهيري أو يساري جالس على أريكة الرصيد النضالي التاريخي فقط أن يخاطب الواقع العام عبر أحلام اليقظة، لأن هذا نوع تحريف لا يقل خطورة عن التزوير والتحريف الذي مارسه ويمارسه المخزن في حق الشعب المغربي وفعالياته الحقيقية.

ومن ثمة فإن العمق الجماهيري الذي يلتحم من خلاله المناضل والمكافح مع الأمة على وضوح ومسئولية مؤديا الثمن في تدافعه الثابت والصامد والمقاوم ضد هيمنة الاستبداد ومسخ المخزن والمتحالفين معه معيار هام في تدقيق مستوى العلاقات المستقبلية من خلال صناعة القوة المجتمعية العملية القادرة على تبني الملفات الاجتماعية والسياسية والنضال لأجلها عبر جبهة اجتماعية سياسية مبنية على الوعي بالحجم الطبيعي لكل طرف في الميدان. وهذا من عوامل تجاوز واقع التزوير الذي لحق الخريطة السياسية والمجتمعية، كما أنه من أهم عوامل تجاوز الفسيفسائية التي ضيعت حقوق الشعب المغربي وفئاته المتضررة.

فلا قيمة للعملية الانتخابية لأنه لا قيمة للعملية السياسية برمتها بين يدي واقع خضع لتزوير فظيع.

ومن العوامل المساعدة في الباب امتلاك كل القوى الجرأة الكافية للكشف عن مرجعيتها دون تمويه على الشعب المغربي، وهو ما سيشكل مدخلا مهما؛ إذ لا تعني الجرأة هنا الدخول من باب الاستفزاز بمحاولة هدم المرجعية التاريخية للشعب المغربي عبر الإثارة الإعلامية المشينة والمستفزة لكل مشاعر المغاربة والتي تولد لدى الكثيرين ردود أفعال عنيفة ومدمرة، بل يكون ذلك من خلال عملية فكرية وثقافية تؤسس لمرحة تاريخية واعية يحدد فيها موقع كل طرف. كما لا يعني الوضوح رفع يافطة التكفير والتخريج من الملة لما يولد، كذلك، هذا الأسلوب من رد عنيف وحاد. بل إن تحديد، بدقة ووضوح، كل طرف موقفه من مرجعية الشعب المغربي سيساهم في إعادة بناء العلاقة مع هذه المرجعية بروح تجديدية متكاملة. وهو ما سيعطي قوة ودفعة كبيرتين وفعالتين لحركة المجتمع سياسيا وإعلاميا وفكريا وثقافيا وتعليميا وتربويا.

ومن مقتضيات هذا إعادة النظر جذريا في منظومتنا التربوية التعليمية لتطهيرها من قبضة الاستبداد السياسي، ومن هيمنة التبعية الفكرية والثقافية، ومن تقليدانية محرفة ومزورة تكرس واقع الاستبداد وتفتح الباب واسعا أما صناعة فكر وثقافة ونفسية التبعية والخنوع والتسليم بالأمر الواقع.

فليس العيب في النقاش، وهو ضروري لتطوير وتفعيل حركة المجتمع المغربي، لكن العيب في ممارسة التمويه المفضي إلى كذب تاريخي ينتج تحريفا في مسار العملية السياسية والمجتمعية برمتها.

ولعل معضلة اليسار في المغرب أنه لا يريد أن يدفع في هذا الاتجاه من الوضوح لأنه يدرك أنه في غير صالحه. ومن ثمة فمطلب رفع الغموض على هذا المستوى مطلب سياسي وفكري حيوي في دينامية المجتمع وقواه، كما أن صناعة خطاب تجديدي شامل لعلاقتنا مع مرجعيتنا وفق مشروع تحرري شامل ومتكامل سيكون عاملا مهما في رسم وعي مستقبلي وحراك ذي عمق استراتيجي يفك قيودا شالة للفكر والإرادة ويكشف قزمية الاستبداد وهامشية أطره وعدم جدوى فعالياته مهما كانت.

لذلك فاليسار مطالب برفع مستوى النقاش الفكري والسياسي إلى مستوى تطلعات الشعب المغربي واختياراته بحيث لابد من العلمية والمسئولية، كما على الحركة الإسلامية أن تناقش اليسار بكل علمية وموضوعية متخلصة من كل نوع تقليد وجمود يكرس واقعا فكريا غير مرتبط بالأصول بل مرتبط بحقب تاريخية هي نفسها عرفت انحرافات حركية جوهرية في بنية ومسار المجتمع الإسلامي.

ومن هنا فإن المجالات التي لها علاقة بقضية المرجعية، كقضية التعليم ومناهجه واستراتيجياته، ينبغي أن تناقش على قاعدة اختيار الشعب المغربي التاريخي وحقيقة مصيره ومستقبله التاريخيين، وأن موضوع التدافع يدور على الجواب عن السؤال التالي:

هل نهضة الشعب المغربي وبناء مستقبله ينبغي أن يكونا على أرضية إحداث عملية تاريخية في تجديد علاقته مع اختياره مرجعية الإسلام حيث شوشت على هذه العلاقة عوامل تاريخية كثيرة، أم بإحداث قناعة جذرية بناء على مفاهيم جديدة، إذ كثير من هذه المفاهيم يروج له اليسار على قاعدة كبيرة من الغموض الفكري والسياسي والحركي، ولاشك أن اليسار نفسه أدى ثمن هذا الغموض وما زال يؤديه؟

كما أن من ثمرة هذا النقاش أن يكشف اليسار عن موقفه الحقيقي من كثير من الدعاوى التي يروج لها الاستبداد وأطره الفكرية والعلمية والسياسية وغيرها، لما لذلك من أهمية في تدقيق التموقعات والمواقف الحركية، إذ لا يمكن التفكير في علاقة تلاق في مرحلة ما مع وجود تعارض جوهري في اتجاهات الحركة وضمن تحالفات غامضة.

وفي نفس الوقت على الحركة الإسلامية أن تملك الجرأة العلمية والسياسية الحركية لتدقق جيدا في مفاهيم ذات صبغة إسلامية تعتبر من المحاور الجوهرية في تلبيس الاستبداد على الشعب المغربي طبيعته الدينية وتكرس هيمنته الرمزية والواقعية لتمتد في الدستور وروح القانون ونظام التعليمات وفي الزمن والتربية والتعليم إلى ما لا نهاية.

إننا أمام مطلب جوهري، هو ضرورة تحقيق الوضوح المسئول في مخاطبة قضايا الشعب المغربي التي لها علاقة بوجوده وتاريخه ومصيره بدلا من اللف والدوران حول قناعات الصالونات وافتتاحيات الجرائد وشطحات الشبكة العنكبوتية وقزمية الفكر ومحدودية الاجتهاد. وبهذا نكون أمام أرضية صلبة لبحث العلاقة المتوازنة والواضحة والمسئولة بين طرفين مهمين في العملية السياسية في المغرب لطالما حرص وراهن الاستبداد على المواجهة بينهما، وذلك لفتح الآفاق أمام بناء القوة المجتمعية والسياسية القادرة على إحداث التحول التاريخي المطلوب اليوم لإنجاز الحرية الحقيقية للشعب المغربي الذي ضحى كثيرا وخُذل كثيرا كما قُمع كثيرا.

إننا لسنا بالضرورة أمام أولوية تحالفية، لأن التحالفات السياسية لم تصنع تاريخا ولا تصنع تاريخا لكن الأولوية كامنة في ضرورة صناعة الفضاء التنافسي والتدافعي وحتى الصراعي السليم الذي يمكن من التموقع التلقائي لكل طرف ليجد مكانه المناسب ضمن سيرورة وصيرورة حركة المجتمع المغربي إلى أفقه التاريخي. وهو ما يعني ضرورة التوفر على مشاريع كبرى تستطيع تنظيم علاقات التدافع والتنافس بما يحقق مصالح الشعب المغربي في كل المجالات والقطاعات. وهو ما يعني، كذلك، أننا أمام خيارين:

الأول: ترك الواقع على ما هو عليه، وفي هذه الحالة سيسود حتما منطق صدامي حيث يوظف كل طرف ما يجعله مدافعا عن نفسه ومحافظا عن مواقعه وإن كانت وهمية أو مغتصبة أو محتكرة بالعنف. ولقد اكتشفت القوى المتشبثة بهذا الخيار، وأغلبها يساري فضلا عن الاستئصاليين المخزنيين أو المتمخزنين أن أقل ما ترتب عن هذا الخيار عزوف المغاربة عن عملية سياسية ومجتمعية سادها الغموض واللف والدوران والكذب التاريخي والتزوير المقيت.

الثاني: وهو ما تتشبث به الحركة الإسلامية، عموما، وأدرك قيمته كثير من المناضلين اليساريين، والمتعلق بالعمل المسئول والواضح لأجل صناعة الفضاء المناسب لعملية تنافسية ضامنها تهيء ظروف الاختيار الحر للشعب المغربي ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حيي عن بينة.

فهل يحصل هذا الوعي بالذات؟ وهل هناك الجرأة لمزاولته مهما كان الثمن ودون مزايدات شخصانية اعتبارا لمصلحة الشعب المغربي؟

إن التاريخ لا يرحم وسننه تجري على الجميع، ولابد من التغيير وهو قادم حتما، وحينها سيتم تجاوز كل العناصر السلبية وبناء أخرى كاملة الإيجابية لكونها الجواب الحقيقي والعملي عن سؤالات المرحلة ومستقبل الشعب المغربي.