من المؤكد أن الحالات الحرجة ولحظات الضيق، هي المناسبة الكفيلة بقياس مستوى الأداء لكل المكونات، تبين الطيب من الخبيث، وتكشف مكنونات النفوس، تجلي صدق الصادقين وتقاعس المفسدين. ولنا في أحداث فلسطين عامة وغزة خاصة خير اختبار وأصدق امتحان إذ لم يعد الأمر خافيا على أحد، والنتائج جلية، والممتحنون عارفون واعون، وعند الامتحان يعز المرء أو يهان. بعد امتحان غزة، وبعد المداولات والانتظار، كان اليوم الموعود لإعلان النتائج.

أنظمة الجبر: ذل وخزي وعار

هكذا كانت نتائج الأنظمة العربية المتآمرة، إذ لا زالت ترصع تاريخها بكل نفائس الخزي وأشكال منوعة من الذل والعار. درجة الامتياز في النفاق والخذلان، ولاء مطلق لأعداء الملة والدين، وارتماء في أحضان الإمبريالية العالمية، ومساندة للاستكبار العالمي. وقال حماة الملة والدين، وهم بذلك يمثلون الشرع- فمن شروط الإمام أن يكون عالما مجتهدا- إن المقاصد ست: الحفاظ على العروش أولا، وهو مقدم على أي شيء آخر، وإذا تعارض هذا المطلب مع غيره قدم الأول، وكأني بهم قد مسخوا شيئا آخر غير الإسلام والعروبة والرجولة، تنكروا للأمة والدين وكل القيم الحضارية، وعاثوا في البلاد والعباد فسادا. يستأسدون على المستضعفين من أبناء شعوبهم ويتفننون في القمع والتجهيل والتفقير والترهيب والتنكيل، مقابل نعومة نسوية مع العدو، “أسد علي وفي الحروب نعامة”.

وسام الامتياز من الدرجة العليا في الجبن والتخاذل، حتى تساوت في مواقفها مع دول الكفر والنصارى وبعض من اليهود وكثير من أنظمة الإلحاد: إدانة وشجب وعد لأرقام الشهداء والجرحى، وإذا اقتضى الأمر تتحول الأنظمة إلى جمعيات خيرية أو منظمات للهلال الأحمر تداوي بعض الجرحى وتكسو بعض العرايا، لتصنع بذلك مهرجانات إعلامية يظن ناظروها أن المعتصم تحرك وقام من قبره أو أن صلاح الدين سل سيفه. وهم إذ يقدمون هذه المساعدات فهي ليست إلا من ممتلكات الشعوب لا من أرصدتهم في أمريكا وسويسرا وغيرها.

إن الحديث عن أي فائدة ترجى من هذه الأنظمة لهو سابع المستحيلات، بل إن الواجب الحضاري والتاريخي والشرعي قبل ذلك يملي علينا أن نعيد صياغة الموقف من هذه الأنظمة الحاكمة التي تحكم باسم الدين وهي تهدمه صباح مساء، فهي لم تفشل فقط في تحقيق الكرامة، والعيش الرغيد، على شاكلة البرامج الحزبية، بل إن الأمر أدهى وأمَّر!!

إعلامنا: 00000

الحكم بثلاث مؤبدات، وحكم بسبعمائة عام، وحكم بالمؤبد و40 عاما، وحكم بالإعدام و 350 عاما… وغيرها من الأحكام الأخرى الغريبة والعجيبة، لا نسمعها إلا في محاكم الدولة الصهيونية في حق المجاهدين والمرابطين في أرض فلسطين، فلا ضير أن نمنح إعلامنا هذه السلسلة من الأصفار. فهو يعرف هذه الثقافة التي لا يجد حرجا في الترويج لها والولغ فيها. إن هذا الإعلام على وزن الإعدام المسمى ظلما وزورا “وطنيا”، قد بدت سوأته، وبان خبثه، وسقط قناعه بل سقط هو نفسه. فما بال هذه جموع المغاربة تخرج في المسيرات العفوية في الشوارع والساحات العامة وفي الثانويات والمدارس والمساجد… ما بالنا لا نكاد نجد لها صدى في هذا “الإعدام”، بل إنه في ذروة الحرب المجزرة، وفي تحد سافر لقيم المغاربة تجد نفسك أمام مشاهد الفحش والخناعة في الأفلام والمسلسلات المدبلجة، وبكل ألوان الدنيا الخالية من أي قيمة تربوية أو وطنية أو حتى حضارية بل هي خاوية خواء الصفر.

فهنيئا لنا بإعدامنا، وهنيئا له بعقد أصفاره!!

الشعوب: الحاجة لفعل واع

تعددت جراحات الأمة وتنوعت، لكن رب ضارة نافعة، ففي كل مرة تهب الأمة ملبية نداءات النصرة والمساندة، فتخرج الشعوب في المظاهرات والمسيرات الغاضبة، وتسير القوافل، وتفتح أبواب التطوع، بل كثيرا ما جاد أبناء الأمة بدمائهم على هذه الأرض المغصوبة المظلومة المستضعف أهلها. هبة انتصار وتضامن ونصرة من العراق إلى كوسوفا مرورا بأفغانستان إلى غزة إلى الشيشان… وفي كل مرة كانت الأحداث توقظ فطرة الأمة. لكن سرعان ما تبرد حرارة الشعوب الغاضبة، وتنطفئ جذوتها، لتعود حليمة إلى عادتها القديمة، وليعود العدو الفطن الماكر إلى إتمام مهمته بعد شهر أو سنة أو أعوام. والأمثلة على ذلك كثيرة، ولنا أن نسائل أنفسنا عن العراق الذي انتفضنا له في أكثر من مرة، وماذا عن أفغانستان الذي سالت فيه الدماء الزكية للمجاهدين، وما الذي يدور الآن في البوسنة وفي كوسوفا، وفي كل البقاع التي خرجت لها الألوف والملايين. وحتى لا ننسى فغزة قريبة والصورة فيها أوضح وأجلى، نعم صيحات مباركة تلك، وفعل في مستوى الحدث، لكن سبب ما وقع لازال قائما، وتكرار ما حدث لازال واردا أيضا، بل إن مقدماته لا تزال ماثلة للعيان، والفرق ليس إلا في تسريع آلة القتل أو تأجيله فحكم الإعدام صادر مع وقف التنفيذ.

إن التأمل في كل هذه الأحداث يوصلنا إلى استنتاج مفاده أن الشعوب ما زالت لم تع الدرس جيدا، وأننا بحاجة إلى إعادة النظر في ردود الأفعال التي نصدرها حتى لا تضيع الجهود هدرا سواء عن وعي أو عن غير وعي، والمؤمن لا يلدغ من جحر مرتين. لقد تبين بالواضح والملموس مما لا يدع مجالا للشك في أن الخلل الأكبر، وأن الحصار الأشد وطأة على شعوب الأمة هو حصار الأنظمة الفاقدة للشرعية، إلا من صندوق الرضا الدولي لا من صناديق الاقتراع، نعم إنه هلاك الأمة الذي أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم عندما أخبر بأن هلاك الأمة يكون في الاستيلاء على الحكم وإبطال العدل والشورى، وما جاء بعده فهو فرع عنه، قال عليه أفضل الصلاة والسلام “هلاك أمتي على يدي غلمة من قريش” 1 . لما أصيبت الأمة في الرأس فقد أصيبت في مقتل، وأي فعل حركي أو شعبي يستثني هذا السؤال، فهو يعالج الأعراض لا الداء. والفعل الانفعالي قاصر عن بلوغ الهدف، ولنا في التاريخ القديم والحديث أكثر من شاهد ودليل.

إن نسج نظرتنا ما لم تمتح من النبع النبوي الصافي، جري وراء سراب، وحركتنا إن لم تكن على المسلك النبوي الثابت في هذا الواقع المتغير والمتحرك، فهي فعل خارج التاريخ. نعم، لا بد من النجدة والنصرة بكل الألوان والأشكال على المدى القريب والمتوسط، لكن ينبغي أن يكون الأفق أكبر من ذلك. فهل يعقل أن يكون للأغيار -من يمين ويسار ووسط- نسق في التفكير والتحليل والتخطيط، بينما نعيش نحن المسلمين بعاطفة مجنحة، فنخطئ في فهم التاريخ والواقع والمستقبل؟! “العاطفة المجنحة خبال”.


[1] صحيح البخاري، كتاب المناقب، باب علامات النبوة في الإسلام.\