الفصل الخامس: إصلاح المجتمع: أو من أجل وعي جديد

هذا الفصل هو محاولة من الكاتب، للوقوف عند مظاهر المقاومة السلفية لأفكار الابتداع ومؤسساته، باعتبارها شكلا من أشكال تجلي الدعوة الإصلاحية في المغرب، وقد استهل هذا الفصل بتقديم عنونه بـ”إصلاح الفكر والمجتمع أو حرب السنة على البدعة”، أكد على أن منطلق كل دعوة سلفية شرقية كانت أو مغربية هو “العودة إلى الأصول”، على اعتبار أن هذه العودة في نظر الداعية السلفي هي “تحرر وليس جمودا”، تحرر من كل “مستحدثات” وبدع لم تكن في الدين لحقت الفكر والقيم، ومن هنا فإن العودة إلى الأصول تقتضي مقاومة هذه البدع ومحاربتها، مقاومة جماعية تقودها فئة مجتمعة تحمل رسالة الإصلاح، وقد اتخذت هذه المقاومة عند السلفيين المغاربة وجهين اثنين:

الأول: تمثل في مواجهة الزوايا والطرقية باعتبارها منبعا للابتداع.

والثاني: يتمثل في “التركيز على أجهزة تعيد تركيب عناصر العقيدة على قوام محدث ذاهل عن أصولها “.

– ففي الوجه الأول: ذكرنا الكاتب بأصول الزوايا كمؤسسات في تاريخ المغرب والذي يرجع إلى العصر الوسيط خصوصا العهد المريني، وما كانت تلعبه من وظائف متعددة، مختلف العلائق التي كانت تربطها بالمخزن.

ووعيا من المؤلف بأن المواجهة بين المصلحين ورجال الزوايا والطرقيين لا يمكن فهمها إلا بـ”عرض صورة عن نوع المعرفة التي كانت تنتجها تلك الزوايا، والطقوس التي كانت تؤدي بها الفعل الديني المقدس، لأن فيها ممكن استهجان السلفيين واستنكارهم”، لذلك قدم لنا صورة عن مختلف طقوس ومراسيم “الطرقية” من أوارد وأذكار…، ومن هنا ومن مختلف البدع الأخرى للزوايا، انطلق “التصور السلفي”، الذي قدمته النخبة المغربية من منتصف القرن 19 إلى بداية ق 20 مدعوة من المخزن ومحاولاته الإصلاحية في مجال الاجتماع المغربي الحديث “.

هكذا كانت البدع ميلادا للفكرة السلفية، فهذا أبو العباس أحمد بن خالد الناصري أحد شيوخ السلفية المغربية من الجيل الأول 19، هاجم البدعة في تجليها الطرقي على جملة مستويات «على مستوى الادعاء بولاية الشيوخ، وعلى مستوى تأليههم، وعلى مستوى إجرائهم طقوس “التعبد”، على مقتضى التبديع التطريبي، وعلى مستوى جهل المنخرطين، ثم على مستوى إحداثهم الفرقة في وحدة الجماعة الإسلامية.» إنه وصف للطرقيين بالابتعاد عن الأصول السلفية للدين الإسلامي.

كما طرق الكاتب باب العلاقة بين الطرق والتصوف، كعلاقة تسودها القطيعة أحيانا، والاستمرار أحيانا أخرى. مستقصيا لذلك آراء النخبة المغربية حو العلاقة بين الطرق والتصوف. «فبينما رأى بعضهم أن الأولى تنهل من الثانية وتعيش من اعتقاداتها، ذهب البعض الآخر إلى الاعتقاد في أن الطرقية انحرفت بالتصوف عن مقصده لتشكل لذلك نظاما خاصا». ويمثل الناصري نموذجا للموقف الأول، ومخالفا للحجوي الذي يفصل بين الطرق والتصوف، فهو يعتبر أن التصوف «زبدة العمل بالشريعة إذا خلا من حظوظ النفس»، ويذم الطرقيين الذين «صار القصد عندهم هو هذه الأمور التكميلية، وقصروا في المقصد، فصار كشفهم ظلمانيا ووجدانهم شيطانيا…»، بهذا كان الطرقيون في نظر الحجوي قد حرفوا التصوف وحرفوا مقصده ورسالته.

طالع أيضا  الخطاب الإصلاحي في المغرب -1-

وعلى ضوء فهم السلفيين المغاربة للنظام الطرقي ومقاومته باعتباره “خارج إطار النظام الاعتقادي السني الأصل”. طرح المؤلف سؤال “هل يتعلق الأمر في حالتها بانحراف في وعي العقيدة أم بأهداف أخرى ووظائف أخرى نشأت من أجلها الطرقية؟ وفي محاولة منه للإجابة على ذلك أكد بلقزيز على أن السلفيين المغاربة “منذ الناصري ومحمد كنون إلى الحجوي وأبي شعيب الدكالي -يكادون– يجمعون على أن مخاطر البدع لا تنحصر في المروق عن جادة السنة، بل هي تتجاوز ذلك إلى تضليل المريدين ونهبهم إن اقتضى الحال، وهم لذلك ظلوا يقرؤون فعل الزوايا والطرق بوصفه تحايلا على وعي العوام، وتوظيف لخدمة أغراض الشيوخ ودعم مركزهم الاجتماعي والسياسي” .

وسجل الباحث في هذا الإطار ملاحظة أساسية –مع جون بيرك- ويتعلق الأمر بأن هذا الصراع بين السلفيين والطرقيين، إذ بين مدى اهتمام المصلحين وانتقالهم للأدوار الاجتماعية – الاقتصادية للزوايا، فهو يوحي يالتنافس العلمي- الاجتماعي بين النخبة السنية المصلحة ونخبة البدع الطرقية.

ولم يقف المؤلف عند هذا الحد، بل تجاوزه ليؤكد أن مهمة السلفي المغربي المصلح خلال الفترة المدروسة كانت صعبة وشاقة وتتطلب “طول النفس”، إذ لم تكن مهمته منحصرة فقط في مواجهة ما ترسخ في المعتقدات المبتدعة واقتلاع جذورها، بل نجد مهمة أكبر في التصدي لعلماء “تبنوا الطرقية. أمثال”، صاحب البيان السلفي الشهير: «نصيحة أهل الإسلام». لمحمد بن جعفر الكتاني” وشيخ الجماعة بفاس التاودي بن سودة.

ولم يفت الكاتب الإشارة إلى ما كان من سجال بين المصلحين المغاربة حول “البدعة المشروعة” و”البدعة المذمومة”. وأعطى المثال على ذلك بما قام من “حوار نقدي عنيف دار بين اثنين من أساطين الفكر الإصلاحي في المغرب، هما محمد بن الحسن الحجوي، وأحمد بن المواز، حول موضوع القيام للمولد النبوي .

وكخلاصة لهذا الفصل المتشعب، المثير لقضايا تعد حساسة، يمكن القول عموما أن السلفية المغربية “كانت….ثورة فعلية، حررت العقول من قيود الحاضر والماضي القريب باسم الماضي البعيد، ويجب أن نقدرها حق قدرها”.

الفصل السادس: الإصلاح السياسي أو من أجل دولة عصرية

بعد التجربة الإصلاحية التي خاضها المغرب منذ النصف الثاني من القرن 19، في مجالات متعددة كإصلاح الجيش، والتعليم، وفي الميدان الفكري والاجتماعي “نشأ شعور تدريجي بالحاجة إلى الذهاب بعيدا إلى إنجاز إصلاح سياسي”.

وقد ميز الكاتب في دراسته لتطور وعي النخبة المغربية بضرورة إنجاز إصلاح سياسي بين مرحلتين:

– مرحلة دافعت فيها هذه النخبة عن إصلاح النظام الإداري والجبائي لتقوية الدولة وحماية حوزة سيادتها في وجه الضغط الأجنبي، وتمتد من منتصف ق 19 إلى بداية 20.

طالع أيضا  الخطاب الإصلاحي في المغرب -2-

– مرحلة بدأت فيها مطالب هذه النخبة تنتقل من حقل الإدارة إلى مركز النظام السياسي السلطاني وقواعده، ويؤرخ لها ببداية ق 20.

وعن هذه المرحلة الثانية، نسجل تباين مواقف الباحثين الدستوريين بخصوص الخلفيات السياسية، التي كانت وراء ظهور العديد من المشاريع الدستورية خلال الفترة الممتدة من سنة 1906 – 1914، ففي الوقت الذي أرجع فيه عبد اللطيف أكنوش سبب بروز هذه الأفكار الجديدة داخل الوسطين الاجتماعي والسياسي بالمغرب إلى ظهور “عدة انقلابات سياسية بين سنتي 1906 و1912، فإن محمد ضريف أرجع سبب بروز هذه المشاريع الدستورية إلى “فساد النظام الجبائي نظرا لغياب سياسة جبائية قادرة وشاملة”. في حين أن أحمد جديرة اعتبر أن هذه المطالب الإصلاحية جاءت نتيجة لـ”ظهور الأطماع الاستعمارية الفرنسية والإسبانية، قصد احتلال المغرب ثم القضاء على سيادته، وعجز الحاكمين آنئذ عن الوقوف ضد هذه الأطماع بسبب تدهور دواليب النظام المخزني وبالتالي امتناع السلطات عن التعامل مع قيادات الجبهات الوطنية التي كانت تقود حركة الرفض لكل تسرب أجنبي”.

وعلى ضوء تلك المرحلتين تحدث بلقريز عن “دولة تدول”، دولة منخورة بفعل هزائم عسكرية، وضغوط اقتصادية خاصة على عهد الحسن الأول.

ومن باب إبراز مساهمة الفقهاء والعلماء في إبداء الرأي في نازلة تتصل بسيادة الدولة على ثروتها، والذي يعني بشكل أو بآخر المساهمة في إصلاح الجهاز السياسي للدولة خلال تلك الفترة، لذلك قدم الكاتب، الكتاب الذي “رفعه السلطان الحسن الأول للرعية” قصد استشارتها، والقارئ لهذا الكتاب الذي أورده الناصري الاستقصا الجزء 1، ليرى أهمية هذه الاستشارة و”إقدام السلطان الحسن الأول على استفتاء رأي العلماء، وتأمين مناخ نفسي، ملائم للتعبير عن ذلك الرأي بحيوية” ورأي العلماء هذا أو فتواهم تلك نقرأ فيها “تفهما لاضطرار الحسن الأول في التنازل والقبول بتسريح ما منع سلفا تسريحه، باعتبار أن ذلك يقع في باب ارتكاب أخف الضررين” و”تقييد ما ذهب إليه السلطان، إذ التسريح من منظور العلماء جائز في الحبوب فحسب”. وإذا كان التجاوب والواقعية التي اتسم بها موقف العلماء هذا، كفرصة من الفرص التي “يمنحها المثقف الإصلاحي للدولة من اجل الإصلاح” فإن إكراهات خارجية حادة جعلت من المغرب دولة فاقدة لسيادتها في ما بين هزيمة تطوان وخلع عبد العزيز نازلة خلع السلطان المولى عبد العزيز ومبايعة أخيه السلطان المولى عبد الحفيظ أبرز حادثة عرفتها الحياة المجتمعية المغربية في البدايات الأولى من القرن العشرين .

وهذا الفقدان للسيادة الذي عانى منه المغرب من خلال مظاهر عدة (ظاهرة الحمايات)، تكاثر المحميين، الضغوط الأجنبية لإقرار حرية الأديان، الضغط الأجنبي للإشراف على الإدارة المغربية، … “العمل الإصلاحي المغربي بالتحذير والرفض”.

وقد انتقل بنا المؤلف بعد هذا إلى إبراز بعض تجليات مساهمة النخبة المغربية في “وضع تصورات وعرض مقترحات للإصلاح الإداري على المخزن”، بعدما أبرز مدى التحول الذي عرفته الإدارة المغربية التي لم تكن تعرف قبل حرب تطوان أي شكل من أشكال التنظيم العصري للإدارة” إلى “تزايد الاهتمام بالإصلاح الإداري في عهد الحسن الأول وفي عهد عبد العزيز بصورة خاصة”.

طالع أيضا  الخطاب الإصلاحي في المغرب -4-

وكمثال على مساهمة النخبة في هذا الإصلاح الإداري، قدم لنا الكاتب أضواء على المشروع الذي “عرضه القائد عبد الله بن سعيد السنوي على السلطان عبد العزيز”.

إن ما أحدثته الضغوط الأجنبية وارتفاع المديونية، وفقدان المغرب لسيادته، جعل المثقفين الإصلاحيين واعون بضرورة إصلاح سياسي بصفته إصلاحا للإدارة المغربية وتنظيمها تنظيما عصريا، إلا أن شعور هذه النخبة ب”أن فساد النظام” كان وراء إخفاق الدولة. جعلها –النخبة- تنحو منحى آخر في سياستها الإصلاحية، إنه منحى إصلاح النظام السياسي ك”منظومة حكم ونظام وعلاقات سلطوية”.

وقد شكلت مسألة إصلاح الدستور مركزا لانشغال هذه النخبة.

وفي هذا السياق جاء حديث بلقزيز عن المسألة الدستورية وموقعها في الخطاب الإصلاحي المغربي “كإشكالية جديدة ومركزية في الوعي السياسي للنخبة الإصلاحية”. وقد أكد مرة أخرى على أن “الإصلاح السياسي الدستوري لم يكن يعني في مجتمع سياسي سلطاني” سوى تقييد يرتبط ب” إقامة النظام الديمقراطي البرلماني الحديث” عبر تقييد البيعة وإقامة دستور ونظام وطني تمثيلي. وقبل ذلك فقد قدم لنا المؤلف أضواء على مفهوم “البيعة” في الحقل السياسي الإسلامي المغربي، وما عرفته “عقدها من تطوير في برنامج الإصلاح السياسي الجديد الذي صاغته النخبة الحديثة وأدارت بعض فصول تنفيذه في مطلع هذا القرن”.

ومن هنا جاءت إشارته الأساسية حول تقييد البيعة، وما يتبعه من تقييد للسلطان السياسي للدولة الذي يعد “أول إجراء في برنامج إعادة بناء النظام السياسي” مبرزا دور العلماء في ” تقييد الحكم الحفيظي ببيعة مشروطة جعلت بيعة فاس مشروطة خلاف بيعة مراكش”.

أما في ما يخص الإصلاح الدستوري فقد أكد المؤلف على أن هذه الفكرة دخلت نسيج الخطاب الإصلاحي في المغرب منذ مطلع القرن العشرين بتأثير الأفكار الجديدة الوافدة من المشرق أو “بتأثير نظيرتها الوافدة من أوربا” وقد تجلى ذلك في مشاريع دستورية رفعت للسلاطين المغاربة بداية القرن العشرين كمشروع عبد الكريم مراد، والحاج علي زنيبر، مشروع دستور جماعة لسان المغرب، جمعية الاتحاد والترقي.

وعلى الرغم مما شكلته الفكرة الدستورية في خطاب النخبة المغربية الإصلاحية من “إطار للانتقال بالكيان السياسي المغربي من المخزن التقليدي إلى الدولة الحديثة” فإن عائقين في نظر الكاتب وقفا أمام هذه الفكرة ويتمثل ذلك في الموقف السلبي للمخزن الحفيظي، وسقوط المغرب في قبضة الاحتلال”.

وعلى العموم يبقى “تبلور الإشكالية الدستورية في الوعي الإصلاحي في المغرب الحديث يمثل نقلة هائلة في مساره الفكري”.