هناك مثل انجليزي يقول “القانون كخيوط العنكبوت تقع فيه الحشرات الصغيرة وتعصف به الطيور الكبيرة”..

بصدور أحكام قضائية تدين معتقلي سيدي إفني تكون الدولة قد قدمت جوابا بليغا وصادما للحركة الاحتجاجية التي تنامت وتجدرت مند ما يزيد على أربع سنوات في مختلف طبقات هذه المدينة الأبية. فبعد أن كانت جل المؤشرات تتجه نحو الإفراج عن المعتقلين لامتصاص الاحتقان والغضب الذي تعرفه المدينة، خصوصا بعد انطلاق مشاريع “الخير والنماء” أو ما سمي بـ”البرنامج المستعجل لتنمية سيدي إفني 2009- 2012″ وكذا الاستجابة الجزئية لمطلب إحداث العمالة، فإن تجريم مناضلي الحركة الاحتجاجية يثير الكثير من التساؤلات ويلقي بظلاله على أجواء الذكرى الأولى لأحداث السبت الأسود الأليمة..

فهل سيحاكم قضاونا “المستقل” و”النزيه” الذين أعطوا الأوامر لارتكاب جرائم السبت الأسود أم أن “هيبة الدولة” تريد للساكنة أن تتوب تنوب ويمضي الذئب مع الحمل ؟

إن قضية سيدي إفني لم تعد قضية محلية صرفة بل تعدتها لتصبح شأنا وطنيا، إن لم نبالغ ونقول، شأنا دوليا فلقد سمع بهذه الأحداث أهل “الاسكيمو” و”جزيرة هوكايدو” وتناقلت صورها كبريات المحطات الفضائية وأصبح التعامل مع هذا الملف يمثل سمعة بلد بكامله لأن وطنا يسجن أبناءه لأجل آرائهم وينساهم خلف القضبان لهو تربة قاحلة وعنيدة لا تستنبت عليها بذرة العدل والحرية إلا بعناء فكان خليقا أن تسير الركبان بذكر عقوقه لمن يريدون له الحرية والانعتاق.

ثم ماذا بعد

ثمة أسئلة حارقة ومربكة لابد من تناولها أملا في فهم مسار ومآل الحركة الاحتجاجية بسيدي إفني باعتبارها، من جهة، نموذجا قابلا للتكرار في ظل مشهد مجتمعي مفتوح على العطب والاختلال، ومن جهة ثانية باعتبارها نموذجا صلبا صمد “طويلا” أمام مقامع التعنيف والتسويف..

لقد نجحت السكرتارية المحلية، بتأطيرها وتوجيهها احتجاجات الساكنة، في إرباك حسابات المخزن واستطاعت انتزاع بعض المطالب إلا أن أهم نجاحاتها في رأيي تكمن في خلقها حالة احتجاج “مستمرة” داخل المدينة مما أشاع وعيا حقوقيا لدى الساكنة وأزاح الكثير من الخوف الكامن في الأعماق ..

فماذا تريد السكرتارية بعد أن حققت ما لم تحققه مثيلاتها من الحركات الاحتجاجية في المغرب؟

كيف تستمر، أو بالأحرى لماذا تستمر؟

هل تنحو نحو التحول أم أنها أصبحت قابلة للانمحاء أو الاحتواء؟

هل ستحافظ على نفسها الاحتجاجي أم أنها آخذة في تغيير قواعد لعبها وربما محتوى اللعب أيضا ؟

ما هو أفقها الاحتجاجي؟

وهل ستتحول إلى قطع مبعثرة أمام مستجدات الانتخابات بعد أن كانت الأمل في التغيير؟

وهل ستمتلك “بوصلة سياسية” أم أنها ستكتفي بالاشتغال على المؤقت داخل نسق مغلق ينسج تفاصيله جهاز مخزني لا لون له ولاطعم ولارائحة ويأخد شكل الإناء الذي يوضع فيه؟

الجواب المحتمل لهكذا الأسئلة يمكن استقراؤه من خلال طبيعة السكرتارية المحلية. فهي مجموعة من “الإطارات” تنازلت عن اختلافاتها وانشقاقاتها وتواضعت على مطالب خمسة ذات بعد اجتماعي تنموي تمت صياغتها على شكل “ميثاق” وهنا في تصوري يكمن سر قوتها واستمراريتها..

إلا انه لم تستطع السكرتارية مع توالي الضربات المخزنية، الناعمة منها والصلبة، الحفاظ على انسجامها بل وحتى على قوتها التفاوضية التي راكمتها منذ الإعلان عن تأسيسها، لتغذو مفتقدة لروح ولادتها الأولى، يبدو ذلك جليا في بعض التصدعات والانسحابات وتراشق البيانات.. ومع هذا فقد أرقص الوصول المتتالي للمفرج عنهم من أعضاء السكرتارية قلوب الافناويين كما أرقصت طيور كولومبس قلوب ملاحيه..

دروس سيدي إفني

يمكن إجمال دروس نجاح السكرتارية المحلية إلى حدود الآن في النقط التالية:

– أهمية الانطلاق من أرضية مشتركة وصياغة ميثاق يحدد الأولويات وينظم الخلافات ويوحد الجهود.

– ضرورة تفعيل الطاقات المهمشة وأخص بالذكر الحضور الفعلي والوازن للشباب وللمرأة في كل المحطات النضالية.

– أهمية التواصل الإعلامي المستمر محليا ودوليا وبكل الأشكال مقروءة ومسموعة ومرئية.

إن مدينة سيدي إفني الآن على أعتاب مرحلة نوعية جديدة ستحتاج خلالها نقط التنمية إلى حروفها حتى تؤدي معناها، وتعبر عن مضمون سديد.. إلا أن الأوضاع لن تتغير بشكل حقيقي، في رأينا، ما لم تتغير سياسة الدولة لأنه لن يستقيم فهمنا لما يحدث بسيدي إفني إذا اعتبرناها حالة معزولة عن سياقها المجتمعي العام. بل تتوجب قراءة ما يحدث في علاقة دالة مع المعطيات الكلية للبلد.

فمشاكل سيدي إفني هي عينة من المشاكل التي يعاني منها المغاربة. وما خروج المدن الأخرى إلا تأكيدا لذلك، فجميع المؤشرات تنبه لحالة متدهورة مهولة يعيشها المغرب ولغة الواقع المعيش أفصح من يعبر عن عمق الهاوية التي يتدحرج إليها البلد. فالجواب الأوحد عن سؤال الوضع المختل تلخصه العبارة الجامعة والحكمة البالغة “الاستبداد أصل لكل فساد”..

فلا مندوحة من القول، إذن، إن كل الأزمات التي يعاني منها المغاربة من غلاء وبطالة وصحة وتعليم وفقر، كل ذلك تجليات لمرض عضال وأزمة مستحكمة هي الاستبداد. وحينما يحس الاستبداد بتنامي الغضب الشعبي، كما حدت بسيدي إفني، فإنه يعتمد إلى جانب ترسانته القمعية على ترسانة التخويف والترويع لتفكيك مقاومة الإرادة الجماعية للشعب ليصبح المواطن مجرد فرد في مواجهة دولة مما يكرس الخنوع والخضوع .. وما محاكمة أبريل الماضي إلا غيض من فيض. كان الحجاج بن يوسف الثقفي يقول: “من تكلم قتلناه .. ومن سكت مات بدائـه غماًَ!!”.

يقول الله عز وجل: ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون.