الكتاب: إمامة الأمة

الكاتب: عبد السلام ياسين

الناشر: دار لبنان للطباعة والنشر

الطبعة الأولى: 1430 / 2009

صدر للأستاذ عبد السلام ياسين، المرشد العام لجماعة “العدل والإحسان” المغربية، كتاب “إمامة الأمة” الذي ينبغي قبل التطرق إلى قضاياه الكبرى التوقف عند مجموعة مقدمات منهجية مضيئة لسياقه العام:

• الكتاب الذي صدر هذه السنة 1430هـ /2009 كُتب قبل ثلاثة عقود كما جاء في تقديم الأستاذ عبد الواحد المتوكل للكتاب، وهذه المدة الزمنية الفارقة ما بين تاريخ إنتاج النص وإصداره لم تقلل البتة من أهمية المواضيع المعروضة فيه، بل سيجد القارئ أن الإشكالات المتناولة في الكتاب لا زالت إشكالات مستقبلية لطلائع الأمة، وهو ما يشير إلى البعد الاستراتيجي في كتابات الأستاذ ياسين الذي يجعله لا يغرق في التفاصيل إلا من حيث عرض نماذج كوسائل إيضاح.

• الكتاب يعد جزء من مشروع كبير لا يزال أكثره مخطوطا، وقد صدر منه إلى الآن أربعة كتب، ولذلك خلا من المقدمة والخاتمة، وهذا يوجب وضعه في سياقه العام، مادام أن أفكار الأستاذ ياسين يشرح بعضها بعضا، مع الاعتبار أن الرجل أنتج نسقا فكريا متكاملا، يمد قارئه بجهاز مفهومي متكامل يمكنه من قراءة التاريخ، ونقد الواقع، ورسم سيناريوهات المستقبل، وأي انتزاع لفكرة عن مشروعها النظري الكلي إلا ويلحق بها الكثير من التشوه.

• تمتزج في الكتاب ثلاثية: البعد النظري التأصيلي، وأسئلة الكيف التنزيلي التي تنقل الفكر المجرد إلى واقع التحقق، وحضور الهم التربوي الإيماني. لذلك يعد الكتاب بساط نظر، وبرنامج عمل، ودعوة سلوك إلى الله عز وجل.

• يضم الكتاب أحد عشر فصلا، ولم أتبع في عرضي الترتيب المنهجي الذي عرض به الأستاذ عبد السلام ياسين أفكاره، ولكني ركزت على أربع قضايا كبرى في الكتاب ـ وهذا ينبئ أن هناك قضايا أخرى لم أتوقف عندها ـ أعدت تجميع متفرقها، حتى أتمكن من نظم عقدها بما يمنح القارئ نظرة شاملة عليها، فكانت عناوينها:

– أمة واحدة.. بدوائر متعددة

– وظائف الدعوة ومهماتها قبل دولة القرآن

– مهمات دولة القرآن

– “أمة الدعوة” و”أمة الاستجابة”.

أمة واحدة.. بدوائر متعددة

ما مفهوم الأمة في كتاب الأستاذ ياسين؟ وما مكوناتها؟ وعلى أي أساس يقوم التمييز بين طبقاتها؟ وكيف يتحقق دمج هذه المكونات جميعها من أجل أمة واحدة وموحدة، منطلقها القطر الواحد ومستقبلها أقطار المسلمين في بقاع الأرض المختلفة؟

يرفض الأستاذ ياسين إقامة التمايز بين مكونات الأمة على أساس طبقي أو قومي أو نخبوي ثقافي، ويجعل معيار التقوى الإيماني القرآني هو ميزان التفاضل، لذلك يعد الأمة نسيجا واحدا يضم دوائر متعددة، كل دائرة تضم أصنافا شتى من الناس، والدعوة من أولى أولوياتها جذب الأطراف نحو المركز، خطوة خطوة. فما هي هذه الدوائر؟

يتم التمييز داخل الكتاب بين ثلاث دوائر أساسية داخل الأمة، والتي يمكن تمثيلها في الرسم الآتي: 1. الرابطة الإسلامية:

هي مجموع التنظيمات الإسلامية القطرية المجاهدة المؤمنة، والتي ينتظر أن يسمو إيمان أبنائها فوق مستوى الانتماء التعصبي، من أجل التوحد في رابطة إسلامية تجمع الشمل، وتنادي بالحق، ساعية إلى استنهاض همم السواد الأعظم وتربيته، وحيازة ثقته، من أجل تحقيق الفلاح في معركتي التغيير والبناء.

2. السواد الأعظم

السواد الأعظم من الأمة هو العامة النافعة التي فقدت الثقة في كثير من المثقفين والحكام، والتي على أبناء الدعوة كسب ثقتها، إخلاصا لله عز وجل، وانتصارا لقضاياها. فمتى تحقق ذلك، “كان هذا السواد الأعظم هو الأمة المحلقة حول القيادة والجماعة، النصيرة لها، المنتظمة معها بنظام الوَلاية، السائرة بأمرها، المنتهية بنهيها. عندئذ يكون الكلُّ جندَ الله، ويكون النصر في القومة والبناء والجهاد محققا بإذن الله القوي العزيز”.

3. الأعرابية

يستعمل الأستاذ ياسين مفهوم الأعرابية بالمعنى القرآني للكلمة، “حيث يظل الغالب فيها معاني النفاق، والخمول، وخذلان القضية أشد ما تكون الحاجة إلى النصير”. فلا ينبغي أن يغتر المؤمنون في جهادهم بالأعداد الضخمة، الفوضوية، العفوية، الهائجة، وإلا كان الحصاد مرا. والأعرابية تضيق دائرتها بتوسيع دائرة السواد الأعظم، من خلال التربية والتجنيد والتعبئة والتنظيم ومن خلال مؤسسات الدعوة والدولة في غد “دولة القرآن”، تضم الأعرابية في صفوفها طبقات مترفة بالمتاع المادي أو المتاع الفكري المستعلي عن الله وعياله، وحكمة الدعوة في غد المرحلة الانتقالية أن تذيب الطبقات، وتضيق المسافات بين الدوائر دون أن تسفك الدماء، تمحو استكبار الخاصة دون أن تزرع في نفس العامة المنتصرة نوايا الانتقام، وشهوات الثأر، ومغريات التسلط.

إن النهوض الشامل للأمة لا بد أن يمر بمرحلتين:

• مرحلة إنجاز التغيير الشامل، حيث العنوان الأكبر إسقاط منظومة الاستبداد.

• مرحلة البناء حيث المطالب العزيزة بناء دولة تحفظ الكرامة الآدمية، وتحتكم إلى الشورى، وتبني القوة الميدانية، وتسعى إلى توحيد الأمة، حاذيها في كل ذلك أن تكون ناهضة بالدين، قائمة لرب العالمين.

وظائف الدعوة ومهماتها قبل دولة القرآن

تسعى تنظيمات الدعوة إلى تجنيد العامة وتعبئة المستضعفين بهدف إيقاظ القلب إلى معاني الإيمان، ورفع الهمم إلى نشدان الكرامة الآدمية وكمال الإنسان، ثم إيقاظ الفكر من سبات الزمان، وبث الوعي السياسي ليهتم المستضعفون بما يجري من حولهم. إن أمر الدعوة لا يستقيم إن فصلت ما بين المطالب الإيمانية السنية العلية ومطالب العدل والكرامة والشورى والحرية، لذلك وجب تعليم “العامة أن الإسلام قومة على الفساد والكفر والظلم والفسق، كلها في قَرَن واحد”.

إن من الواجب على رجال الدعوة أن يفتحوا “نوافذ يطلون منها على واقع الأمة ومعاشها، ومعاناتها” حتى يحسنوا تربية العامة، واستنهاض الشباب، واختيار الرجال، ومساعدة كل ذي استعداد لصعود مراقي الإيمان والهجرة والجهاد.

إن المطلوب هو تحقيق قومة كما في اصطلاح الأستاذ ياسين، والقومة تتخذ معنى التغيير الكلي العميق بغير عنف، لبها هو الدعوة إلى الله. فالمطلوب هو إيقاظ النفوس، واستنهاض الهمم لطلب الكمال الإيماني، هو أن نعود أمة مجاهدة كما كنا، راشدة، تقرر مصيرها بإرادتها الحرة، وتفرض قرارها بقوة الساعد المنتج، وتدبير العقل المتحرر من الخرافة وفلسفة الإلحاد، وتنظيم الطاقات البشرية والاقتصادية. “القومة أن يصبح أمرنا شورى بيننا، أن تحمل الأمة عبء الحاضر والمستقبل”.

إن منظومة الاستبداد تدفع تنظيمات الدعوة المجاهدة نحو غربة العمل الهامشي، فلا اعتراف بوجودها، وإنما أصل التعامل معها هو الملاحقة والاضطهاد، لذلك يكون الاجتهاد المطلوب للدعوة قبل الوصول إلى الحكم متميزا ـ حسب الأستاذ ياسين ـ بخصائص من أهمها أن:

• اجتهاد الدعوة يجب أن يكون “اجتهاد كليات، ويجيء تقنين الاجتهاد في الفروع عندما نكون مسؤولين عن تطبيق الشريعة إن شاء الله تعالى. نهيئ الأجوبة الإجمالية عن كل ذلك منذ الآن لكي لا نفاجأ”.

• الاجتهاد الذي تحتاج الدعوة إليه وهي في غربة العمل الهامشي، “هو الاجتهاد في كيفية تربية جند الله، في كيفية تنظيمهم، ثم في وسائل وأساليب زحفهم لتسلم إمامة الأمة فالوصول إلى الحكم”.

• “يكون أب الاجتهاد وأمه هو اجتهاد يوصلنا إلى الحكم. إذ على كوننا حكاما يترتب حقنا في الاجتهاد، وتترتب إمكانية تطبيق ما نجتهد ونستنبط”.

مهمات دولة القرآن

احتل التفكير والتفصيل لمهمات الدعوة ومؤسسات الدولة في غد “دولة القرآن” معظم صفحات الكتاب، وينبغي الإشارة أن الرجل في تنظيره لدولة القرآن جعل تلمذته مباشرة للكتاب والسنة، إن ذلك يعني تحرره من ثلاث معوقات تقف دون وضوح الرؤية القرآنية النبوية لغد الدولة الإسلامية:

1. تحرر من معوق التفكير بشروط الواقع، واقع الاستبداد ومكوناته الذي يعيشه النظام العربي، والمغرب لا يشكل فيه استثناء، لذلك لا تجد حديثا في الكتاب عن باقي مكونات المشهد السياسي كما هو الحال في الكتب الحوارية لمرشد جماعة العدل والإحسان.

2. تحرر من معوق التفكير بشروط النموذج الديمقراطي الغربي، والذي يستفيد الكاتب من طرقه المؤسسية في دفع استبداد السلطة عن المجتمع، لكنه يظل نموذجا لا علم له بسؤال النبأ العظيم، وهو سؤال المعنى في فكر وسلوك الأستاذ عبد السلام ياسين.

3. تحرر من التفكير بشروط الفتنة التي أنتجت في تاريخ المسلمين، من خلال التحول التاريخي الخطير من خلافة على منهاج النبوة إلى ملك عضوض، واستمرار الكثير من المفكرين المسلمين في بناء نماذج للدولة الإسلامية على شاكلة الدولة السلطانية المستبدة الرقيبة على الدعوة ورجالاتها.

إن تحرر المؤلف من هذه المعوقات الثلاث يستدعي من القارئ بذل الجهد لكي لا يجعل أحد هذه النماذج حكما على مكتوبات الرجل، وإن كان التحرر لا يعني عدم الاستفادة ـ إيجابا أو سلبا ـ من منتوجات كل أولئك.

من أهم قضايا الكتاب هو كيفية إحياء الأمة من موات، وبث روح الجهاد فيها. يستعمل الأستاذ ياسين مصطلح “التجنيد العام” للدلالة على عمق التحول المطلوب في ذهنيات ونفسيات وعادات الأمة، يقول: “يجب أن تكون الجندية وتحفزها كلمة الساعة، ومطمح النشيط، ومنشط الكاسل، ومقيم القاعد، وحامل الكل إلى جلائل الأعمال. هذا وظيفها الحركي التربوي المنشط، ووظيفها الغائي حشد جهود السواد الأعظم لإنجاز مهمات البناء، للإنتاج، للتغيير، بالعمل الدؤوب المصِرُّ. جندية جهاد، لا جندية لعب واستعراض. وإن كان الاستعراض في حد ذاته دعوة بالمثال لا تعوض”. هذا التحول ضروري حتى تحمل الأمة عبء الحاضر والمستقبل، وحتى ترفع عنها وصاية كائن من كان.

إن هذه التعبئة الشاملة تتحقق بأبعادها الرجولية، والتربوية، والإبداعية بتكامل وظائف مؤسسات الدعوة والدولة:

– تثمر التربية بعد أن يصبح الإمام مستنا بسنة النبي صلى الله عليه وسلم وخلفائه الراشدين “في التواضع للأمة، وزيارة الناس، وغشيان أسواقهم، ولتبليغ الدعوة، ومراقبة الأحوال”.

– يحصل التحول إذا أصبح العلماء رجال الدعوة يغشون مجالس العامة، يوجهون ويرشدون، بالكلمة الطيبة، والبذل السخي تبليغا للدعوة وتحبيبا. ينبذون حينها ما طرأ على فقه العالم في ظل الحكم العضوض من أنه يؤتى ولا يأتي الناس.

– يحصل التحول إذا استطاعت الإدارة الإسلامية أن تحقق القرب من الناس، ويظل التقريب المكاني غير ذي معنى إذا ظلت الإدارة متعجرفة ولم يصحب ذلك “قرب نفسي، وتلاحم حسي معا”.

– يحصل التحول بعد أن تبسط الدعوة يدها بسطا كاملا على أجهزة التربية والتعليم، رعاية للنشء، وتهييئا له لقيادة الأمة.

في الكتاب، يمايز الأستاذ عبد السلام ياسين بين مؤسسات تابعة في غد “دولة القرآن” للدعوة، وأخرى تابعة للدولة، وهذا النوع الجديد من فصل السلط أثاره في العديد من كتبه، وبالأخص كتابه: “العدل: الإسلاميون والحكم”، وهو أمر أعاد تأكيده في صفحات الكتاب، وقد قرأنا قبل حين كيف أن مؤسسات التربية والتعليم يجعلها خارج التدبير والنزاع الحكوميين، ليستقر تدبيرها وتسييرها بيد الدعوة.

إن الشكل المؤسسي للدولة الإسلامية في فكر الأستاذ ياسين شكل غير مسبوق وغير مألوف في ساحة الفكر الإسلامي، فالرجل يقدم قراءة جديدة ومجددة لمفاهيم “الشورى”، و”أولي الأمر”، و”البيعة”، و”العصيان والمعارضة”، و”جماعة المسلمين” و”التعددية” و”منظومة الانتخابات”… والأكيد أن كل هذا غير مبثوث في هذا الكتاب، وإن كانت الإشارة واضحة فيه بتبيان العلاقة بين مؤسسة الدعوة ومؤسسة الدولة حول الأمور الخلافية وكيفية حسمها، بجعل الأمر ينحصر في نقطتين:

1. “رد الاختلاف إلى أولي الأمر العلماء، إلى مجلس متخصص في الاجتهاد.

2. عزمة الإمام إن لم يحصل إجماع، وخيف أن يتفاحش الجدل، أو تتعطل مصالح الأمة”.

ولعل بسط القول في هذه الجزئية يتطلب وضعها في البنية الكلية للدولة كما يتصورها الأستاذ ياسين، وهو أمر يخرج عن أهداف هذه المقالة.

أمة الدعوة وأمة الاستجابة

يرفض الأستاذ ياسين التقسيم الثنائي الموروث عن فقهاء وعلماء باعتبار أقطار المسلمين دار إسلام، وما عداها دار كفر وحرب، ولكن يقيم التمييز على أساس أن هناك أمة دعوة وأمة استجابة.

“أمة الاستجابة وهم المسلمون الذين ورثوا الإسلام أو اختاروه بالفعل، وأمة الدعوة وهم الإنسانية كلها التي تنتظر مخرجا من ضيقها، ومخلصا من قبضة الشيطان وجنوده”، ولن يسمع لهذه الأمة صوت وأمرها شتات، وحالها في ضعف، لذلك تكسب الدعوة عندما يكون أفقها الاستراتيجي تحقيق الوحدة بين أقطار المسلمين، وأن تطلب القوة باكتساب العلوم وتوطينها في ديار المسلمين.

اعتبار الناس أمة دعوة وأمة استجابة هو فتل لقيم التواصل، ووصل للرحم الإنسانية، لذلك لا يرى الأستاذ ياسين حرجا في عقد التحالفات مستقبلا مع مستضعفي الأرض ضد الاستكبار العالمي، فالتعاون مع كل ذي مروءة أينما كان، وإسناد نضال الشعوب المقهورة حتى “يدخل نضالها تحت جناح جهادنا المقدس” إحياء لسنة الرسول صلى الله عليه وسلم في حلف الفضول.

جهاد مقدس ضد الظلم والفساد والاستكبار، جهاد ضغط على المعتدين حتى ينشأ جو الصداقة والإنصاف بين بني الإنسان، وهو الجو الضروري لازدهار الدعوة.