المطلب الثاني: قصور في البحث العلمي

عرف عقد تسعينات القرن الماضي مجموعة من المبادرات في مجال البحث العلمي نذكر منها: إنشاء أكاديمية الحسن الثاني للعلوم والتقنيات، إبرام اتفاقية إطار مع الكنفدرالية العامة للمقاولات المغربية أعطي فيها للبحث العلمي أهمية بالغة، إحداث الجمعية المغربية للبحث التنموي من قبل المقاولات الكبرى، إحداث شبكات للبحث العلمي، إحداث بند خاص بالبحث العلمي في ميزانية الدولة…

إلا أن هذه الجهود لم تثمر الأهداف المتوخاة منها، وذلك راجع إلى ثقل الصعوبات، التي كان، ولا يزال، يتخبط فيها البحث العلمي منذ الحصول على الاستقلال إلى الآن، نذكر منها على سبيل المثال:

أ- غياب سياسة وطنية للبحث العلمي والتقني، ترسم الأهداف العامة بناء على حاجات المجتمع العلمية والاقتصادية، وتحدد الوسائل الناجعة بالنظر إلى الموارد البشرية المرصدة، والإمكانات المادية المتاحة. لقد قرر السيد وزير التعليم العالي في خطاب له أمام مجلس المستشارين 1 ، أن البلاد تُقبل على إعداد سياسة وطنية للبحث العلمي والتقني، إلا أننا إلى حدود الآن لا نلمس أية خطوة في اتجاه إعداد هذه السياسة.

ب- غياب أجهزة مستقلة ذات سلطة تقريرية في مجال التخطيط للبحث العلمي وتوجيهه وتنسيقه. فالمركز الوطني لتنسيق وتخطيط البحث العلمي 2 ، كانت نتائجه دون المستوى، إذ تم سحب اختصاصاته لفائدة أقسام تابعة للوزارة الوصية، من مثل قسم التوجيه وتخطيط البحث، وقسم التقييم وشبكات البحث العلمي. أما أكاديمية الحسن الثاني 3 فلازالت تعرف تعثرا فيما يخص تحديد أعضائها وميزانيتها.

ت- نقص واضح في تمويل البحث العلمي؛ إذ أنه رغم التوصية الصادرة عن اليوم الدراسي؛ الخاص بإدماج الجامعة في المحيط الاقتصادي والاجتماعي 4 ، والتي تقضي بتنمية حجم مساهمة الدولة في أنشطة البحث على الأقل إلى حدود 1 من الناتج الوطني الخام. رغم هذه التوصية فإن حجم الاعتمادات التي خصصت للبحث العلمي سنة 1995 لم تعادل سوى 0,003 من مجموع ميزانية الدولة 5 ، ورغم إحداث بند خاص بتمويل البحث العلمي في ميزانية الدولة لسنة (1998 – 1999) فإن الحصة المخصصة لم تتجاوز 45 مليون درهم، وبإضافته إلى باقي الإنفاق على البحث العلمي نجد أن النسبة لم تتجاوز 0,3 من الناتج الداخلي الخام 6 . هذا إن دل على شيء إنما يدل على النظرة المتخلفة للبحث العلمي، رغم أن ظهير 25 فبراير 1975 جعل منه الوظيفة الثانية للتعليم العالي، بعد وظيفة تلقين المعرفة 7 .

طالع أيضا  التعليم العالي بالمغرب (1975-2008) -9-

ث- من جملة ما يعانيه البحث العلمي قلة الباحثين بالنسبة لعدد السكان 8 ، وإذا كان ذلك نتيجة طبيعية للصعوبات السالفة الذكر؛ فإن من أسبابه أيضا: طغيان ذلك التصور الإداري الذي يختصر مهام التعليم العالي في تلقين المعرفة، وأبرز دليل على ذلك، التزايد المتتالي لعدد ساعات التدريس بالنسبة للأساتذة الباحثين 9 . ومن الأسباب أيضا سوء الوضعية الاجتماعية للأساتذة والطلبة الباحثين.

إن مقدمات نهوض المجتمع المغربي تكمن في إعادة النظر في واقع البحث العلمي، والحد من هذه الاختلالات التي تحول دون فعاليته؛ لذلك أصبح من الضروري أن يجد البحث العلمي مكانته اللائقة في كل إصلاح مرتقب للتعليم العالي.

المطلب الثالث: ضعف المساهمة في التنمية الجهوية

جاء في الرسالة الملكية الموجهة إلى الوزير الأول بمناسبة إعداد مخطط مسار التنمية الاقتصادية والاجتماعية (1988 – 1992) “إن تخطيطاتنا يجب أن تكون في الحاضر والمستقبل على مستوى الجهة، لأنها الخلية التي تلائم وتناسب بلادنا وما يطبعها من تنوع” 10 .

لقد تمثلت الإرهاصات الأولى للأخذ بسياسة الجهوية في ظهير 16 يونيو 1971، إلا أن محدودية ذلك التشريع أنتجت واقعا جهويا يتسم باختلالات اقتصادية واجتماعية مذهلة.

أمام هذه الاختلالات تم التأكيد على رسم سياسة جهوية جديدة، إلا أن الذي ظل غائبا هو ربط السياسة الجهوية بلامركزية حقيقية للتعليم العالي، فرغم تأكيد بعض الوثائق الرسمية على ربط النظام التعليمي بالسياسة الجهوية؛ فإن ذلك لم يتعد دائرة الشعارات والمتمنيات.

فإذا تعبأت المؤسسات العلمية، والمنظمات غير الحكومية، والمؤسسات الاقتصادية والمركبات الصناعية المحلية لتمويل البحث العلمي وتنشيطه والمساهمة في تحديد برامجه، حسب حاجات الجهة ومتطلباتها، وإذا امتلكت مؤسسات التعليم العالي منهاجا تعليميا جهويا يوافق خصوصيات الجهة، فإن مما لاشك فيه أن يسهم ذلك في تحقيق تنمية جهوية، بلدنا كانت ولا تزال في أمس الحاجة إليها. ولا نرى سبيلا إلى منهاج تعليمي وبحث علمي جهوي إلا بتوفر شرطين أساسين:

طالع أيضا  التعليم العالي بالمغرب (1975-2008) -19-

أ- إطار قانوني يدلل العقبات نحو سياسة جهوية للنظام التعليمي بصفة عامة، والتعليم العالي بصفة خاصة. في هذا الصدد نسجل على القانون الذي كان يحكم الجهات آنذاك 11 أنه ورغم كونه وسع من إمكانية تصور نظام تعليمي لا مركزي فإنه حصر اختصاصات المجلس الجهوي في مجال التعليم العالي والبحث العلمي في “إقامة وصيانة المؤسسات الجامعية وتوزيع المنح الدراسية وفقا للتوجهات المعتمدة من لدن الدولة في هذا المجال”، إذ يلاحظ بشكل واضح هاجس تملص الدولة من نفقات التعليم العالي، والرمي بها إلى الجهات، في الوقت الذي لم يتم تأهيلها لذلك.

ونصت المادة 36 من ذلك القانون على أن المجلس الجهوي بإمكانه تشكيل لجان دائمة لدراسة المسائل المتعلقة بأمور الثقافة والتعليم، لكننا لا نجد توضيحا كافيا حول الوسائل المادية والبشرية الكفيلة بذلك.

ب- بنيات تحتية للتعليم العالي من مؤسسات متعددة التخصصات ومراكز للدراسات ومختبرات البحث بمختلف الجهات. ففي غياب هذه البنيات لا ننتظر أية مساهمة للتعليم العالي في تحقيق التنمية الجهوية.

هكذا إذن يتبين أن أزمة التعليم العالي متعددة المظاهر والجوانب، ويبدو أنها متداخلة العناصر ومترابطة الأبعاد إلى الحد الذي يعتبر فيه كل مظهر سببا ونتيجة لمظاهر أخرى. وإذا كان لهذه الأزمة الشاملة جذور، فإن لها أيضا عواقب وامتدادات تربوية وثقافية وسياسية واجتماعية واقتصادية، منها: تدني مستوى تكوين المواطن عموما، وتدني تشبثه بقيمه وحضارته، وتدني المكانة الاجتماعية والاقتصادية والثقافية لمؤسسات التعليم العالي، خاصة الجامعات، ومنها أيضا تفاقم بعض الظواهر الاجتماعية من أخطرها الأمية وهجرة الكفاءات والخبرات العلمية والفنية 12 … إن هذه الامتدادات وغيرها تحول دون نهوض حقيقي للمجتمع المغربي، مما جعل مسألة إصلاح التعليم العالي من أولى الأولويات، لكننا نعتقد حسب ما لمسناه من أزمة شاملة للتعليم العالي خلال عقد التسعينات أن من أهم شروط أية مقاربة لإصلاح التعليم العالي ما يلي:

أ- الشمولية في التصور والمنهج والتطبيق؛

ب- تمتيع الجامعة بالاستقلال المالي والتربوي والعلمي؛

ت- تخصيص مجهود مالي إضافي لتنمية البحث العلمي.

طالع أيضا  التعليم العالي بالمغرب (1975-2008) -20-

ولا سبيل لإنضاج هذه الشروط إلا انطلاقا من سياسة تعليمية خاصة ترتكز إلى فلسفة تربوية واضحة. هذه الفلسفة التربوية ترتكز بدورها إلى مشروع مجتمعي واضح يشارك كل الفاعلين في وضع خطوطه العامة ومعالمه الرئيسة.

تعددت مظاهر الأزمة خلال عقد التسعينات مما جعل مسألة إصلاح التعليم العالي من أولى الأولويات، لكن يبدو أن مشاريع الإصلاح ستتعدد هي الأخرى، دون أن يكون هناك أي إصلاح حقيقي.


[1] بتاريخ 24 مارس 2000.\
[2] أحدث بموجب ظهير شريف بتاريخ 2 غشت 1976.\
[3] صدر الظهير المنشئ لها بتاريخ 6 أكتوبر 1993.\
[4] هو اليوم الدراسي الذي تمت الإشارة إليه سابقا، والذي نظم في أبريل 1989.\
[5] جوطي بوطالب (حفيظ). جريدة الاتحاد الاشتراكي بتاريخ 4 أكتوبر 1995.\
[6] نفس المرجع السابق.\
[7] الفصل الأول من ظهير 25 فبراير 1975.\
[8] مما يلاحظ أن عدد الباحثين بالنسبة لكل مليون من السكان كان هو 210 سنة 1989، ورغم ارتفاع هذا العدد إلى 400 سنة 1994، فإن ذلك ظل ضعيفا خاصة باستحضار الأرقام على المستوى العالمي؛ ففي سنة 1985 كان عدد الباحثين بالنسبة لكل مليون من السكان هو 325 في تركيا، و641 في باكستان، و947 في كوريا الجنوبية. وفي سنة 1988 كان العدد هو 900 في كندا، و3200 في بريطانيا و4500 في فرنسا، و6500 في كل من اليابان والولايات المتحدة الأمريكية. (انظر في هذا الصدد دراسة قام بها حفيظ جوطي بوطالب، نشرت بجريدة الاتحاد الاشتراكي بتاريخ 4 أكتوبر 1995).\
[9] ساعات التدريس تدرجت من 5 ساعات في الأسبوع قبل ظهير 1975 إلى 8 ساعات مع الظهير ثم إلى 10 ساعات في إطار التضامن الوطني في شتنبر 1985. في حين أن حصة التدريس في دول شقيقة كدولة تونس مثلا لا تتجاوز أربع ساعات ونصف.\
[10] مشروح (ابراهيم). نحو سياسة جهوية للنظام التعليمي بالمغرب، الطبعة الأولى، المحمدية 2000، ص 29.\
[11] الظهير المنظم للجهات الصادر في أبريل 1997 تحت رقم 47.96.\
[12] محسن (مصطفى). الخطاب الإصلاحي التربوي، الطبعة الأولى، المركز الثقافي العربي، 1999.\