لجماعة “العدل والإحسان” مجموعة أهداف، يمكن اختزالها في هدفين رئيسين هما شعار الجماعة: العدل والإحسان. فلماذا اختارت هذا الشعار؟ وما هي دلالاته؟

أورد بن كثير في تفسيره: “قال الشعبي عن بشير بن نهيك: سمعت ابن مسعود يقول: “إن أجمع آية في القرآن في سورة النحل إن الله يأمر بالعدل والإحسان رواه بن جرير” 1 ، من خلال ما سبق نستطيع استنتاج دقة اختيار الاسم لأنه يختزل كل معاني الإسلام وفي هذا يقول الأستاذ المرشد “إننا إخوتي وأخواتي نبقى هملا متسكعين في شارع الدعوة، ونبقى سائمة تائهين في سوق السياسة إن لم نتبن قضيتين هما أم القضايا وأبوهما في الدين والدنيا، وفي الدعوة والدولة، في المصير السياسي والمصير الأخروي. قضيتا العدل والإحسان أمر الله تعالى بهما أمرا عازما في قوله: إن الله يأمر بالعدل والإحسان (…) نحمل إخوتي شعار العدل والإحسان ليكون لواؤنا بين الدعوات فائرا خفاقا بخفقان حب الله في قلوبنا وبخفقان الحب في الله والذلة على المومنين وحب المساكين والجهاد في سبيل الله والمستضعفين وليكون عنواننا في شارع السياسة منشورا مشهورا له أصالته من القرآن وله واقعيته من غضبنا لما تنتهكه الطبقة المترفة المستكبرة من حقوق العباد” 2 ، ثم يزيد مؤكدا أن العدل والإحسان هما هدف الجماعة “لا ترضى جماعة العدل والإحسان بهدف اجتماعي سياسي دون العدل على شريعة الله، ولا ترضى بغاية تتطلع إليها همم المومنين والمومنات دون الإحسان” 3 .

نقف في هذه الحلقة عند مفهوم العدل، على أن نخصص الحلقة القادمة إن شاء الله، لمفهوم الإحسان.

يقول الأستاذ المرشد عبد السلام ياسين عن العدل بأنه “أم المصالح التي يقصد الشرع. هو صلبُ الدين، وحوله تُطيفُ همومُ المسلمين، وبه بعث الله الرسل والنبيئين، مبشرين ومنذرين” 4 ثم يضيف “العدل هو عماد العمران، أخويا كان أو مدنيا قانونيا” 5 وعن غايته يقول “لا معنى للعدل الدنيوي إلا من كونه تيسيرا للمسافر يصون مسيرته إلى الدار الآخرة أن يفتنه عنها هم الرزق وظلم الناس” 6 . ولهذا نراه يلاحظ غياب الحديث عنه في كتابات الإسلاميين فيقول “وأما قضية العدل فمسكوت عنها سكوتا يكاد يكون عاما لولا ما نقرأه من فكر إخواننا في تونس” 7 ، ويلاحظ الأستاذ المرشد كذلك احتكار اليساريين لهذا المجال الحيوي فيقول “الحديث عن العدل الاجتماعي ونصرة المستضعفين والنضال من أجل الطبقة المسحوقة قارة سياسية يحتكرها اليساريون” 8 . لهذا يؤكد على العدل فيقول “ونؤكد على المسألة الاجتماعية ونجعلها من صلب المنهاج وأسه” 9 ، بل يجعله سببا في صلاح عمل الجماعة حين يؤكد “يكون عملنا اضطرابا عقيما على وجه الأحداث، وعملا غير صالح بمعيار القرآن، إن لم نحمل في قلوبنا وعقولنا نية العدل، وإن لم تمض عزائمنا لتحقيق العدل” 10 . وعن معانيه يقول “العدل مبادرة إلى هموم الأمة بأمر أنزله الله فهو واجب على المحسنين لا تسابقا في سوق اليسار” 11 ثم يضيف “القسط العدل بمعناه الشامل: العدل الاستقامة في حقوق الله وفي حقوق العباد. فرض أكيد به بعث الله الرسل يدعون إليه. وأنزل معهم الكتاب والبينات تؤكد الدعوة وتلح عليها. وأنزل بأس الحديد المتمثل في وازع السلطان ليفرض العدل بقوة الدولة إن استهان الناس بصوت الدعوة” 12 . وهو كلمة جامعة تشمل مجالات الإدارة والقضاء والصحة والتعليم والفلاحة والصناعة .. وفي هذا يقول “العدل أن تكون الإدارة والقضاء في خدمة العجوز المسكينة البدوية كما يكونان في خدمة المتعلق والغني والحاكم. العدل أن توضع إمكانيات الدولة تحت تصرف الشعب، فتبنى دور بسيطة صحية بدل أن تبنى للمترفين والموظفين القصور. وتحفر آبار لأهل البادية، بدل أن ينفق على شراء أفلام الخلاعة. وتستصلح الأرض للفلاح الصغير بدل أن تغدق القروض والتسهيلات على المالك المستكبر الذي يطرد الفلاحين من أرضهم يعضده في إثمه ابن عمه الحاكم وصديقه رئيس مائة شركة. وتبنى مدارس يعلم فيها القرآن والإيمان والخبرة” 13 ، ثم يضيف تعريفا آخر بمفهوم المخالفة “العدل الاجتماعي والاقتصادي ينافي المحسوبية، ينافي إرضاء الناس بما يسخط الله، ينافي الظلم وهو ظلمات يوم القيامة، ينافي التدخلات لخرق الحقوق وهي شيء آخر غير قضاء الحوائج” 14 . ولهذا نجده يؤكد على أن العدل هو أساس الاستقرار “شرطان ضروريان لضمان الاستقرار الاجتماعي في دولة القانون، هما العدل والحق المضمون لكل فرد” 15 .

طالع أيضا  سلسلة مفاهيم منهاجية(1): الجاهلية

نستنتج من هذه التعاريف أن مجالات العدل متعددة نجملها في ثلاثة هي:

1- العدل الاقتصادي

“الهدف الإسلامي من الاقتصاد عدل” 16 و”إن أهم أساس تنظيمي للاقتصاد تشريع يحطم الوضع الممسوخ ويعوضه بقانون عادل 17 . وليس عبثا التركيز على العدل الاقتصادي، فقد اهتم الإسلام بهذا المجال فجعل المؤلفة قلوبهم من مستحقي الزكاة، وحين أمر الله بالصلاة في القرآن لم يفصل عدد ركعاتها ومواقيتها، ولكن حين تعلق الأمر بالملكية فصل الله تعالى تفصيلا دقيقا، وجعل فك الرقاب وإطعام المساكين من وسائل اقتحام العقبة. وآيات اقتحام العقبة الواردة في سورة البلد يجعلها الأستاذ المرشد محور المنهاج “أول درجة من درج المنهاج فك الرقبة وإطعام اليتيم والمسكين فذلك هو هدف العدل” 18 .

ويستخرج منها الأستاذ المرشد أسس دعوته “رأس هذه المفاهيم العبارة المقتبسة من سورة البلد “اقتحام العقبة” إلى الله عز وجل. هذه العبارة لم آخذها صدفة، إنما توفيق الله عز وجل سبق، فإذا العبارة حبلى بالكثير من العلم” 19 ، ويجعل من هذه العبارة المنهاج كله “المنهاج النبوي أجملناه في اقتحام العقبة إلى الله عز وجل” 20 .

2- العدل الاجتماعي

يولي الأستاذ المرشد عبد السلام ياسين أهمية كبيرة للجانب الاجتماعي، ويجعل العدل فيه هدفا أساسيا للدعوة “نعني بتنهيج الدعوة أن نتدرج بالإنسان من موقعه الإنساني، من ظروفه المادية، من تعبه اليومي وكبده، من هم المأوى والرزق والأمن والضروريات، ليطمئن إلى أن الإسلام وعد بفك الرقاب، أي من تحرير الإنسان من كل عبودية تحقره ولا تكرمه، وعد بإطعام الجائع، بالقضاء على البؤس، بالإنصاف، بالقسمة العادلة للرزق” 21 . إن التركيز على هذا المجال امتثال لتعاليم الإسلام، فقد جاء في الحديث أن الفقر كاد يكون كفرا. ولن تستطيع أمة الوصول إلى غايتها وسواعدها مجمدة بمثبطات الجهل والفقر والجوع والمرض، محرومة شعوبها من العيش الرغد الكريم، تنخر فيها الطبقية فتجعلها مشتغلة ببعضها البعض “الفقر أخو الكفر، والبطون الجائعة، والأجسام المريضة، والعقول الخاوية لن تسمع أي نداء قبلا من نداء العدل” 22 .

طالع أيضا  مفاهيم منهاجية (9): الانكسار التاريخي -1-

3- العدل السياسي

يقول الأستاذ المرشد “عدل الحاكم في أحكامه عماد السلطان الشوري وشرطه. قال الله تعالى: إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل.

وعدله في القسمة هدفه الأول، وأمره اليومي، وواجبه الدائم. قال الله تعالى: إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون. والبغي في القسمة من أعظم البغي.

أمر إلهي مؤكد. ما جاء تكليف في القرآن بصيغة “أمر” كما جاء في شأن العدل. وما خالف العدل من قول وعمل فهو من أمر الشيطان ووسوسته. ما خالف العدل من قول وعمل فهو استخفاف بجوهر الإسلام وإضاعة للمقصد الدنيوي الأسمى من الشريعة” 23 تركيز الجماعة، إذن، على إقامة العدل السياسي يجد أصله في الإسلام، ويتخذ سنده من واقع المسلمين، واقع الاستبداد الذي تكتوي بنيرانه جماهير المسلمين “الأمة في أمسها ويومها مفصولة عن جهاز الحكم فصلا طبقيا واضحا. إن الذين يشكلون الجهاز الحاكم من بني جلدتنا، لكنهم أغراب عن الأمة” 24 ، ولهذا لابد أن ينبثق الحاكم من بين المحكومين وبرضاهم “إن السلطان إذا كان لا يستمد من إرادة الشعب، فهو نوع من الضغط والاستبداد” 25 . والعدل هو الطريق لذلك “فبالعدل والوعد الصادق، والثقة التي تعطيها تجربة الأيام، يتأهل الإمام الخليفة ليكون من جسم الأمة بمثابة الرأس من الجسد” 26 . وتأكيدا على ذلك يقول “العدل ظل الله لا الجبارون الظالمون. العدل المنشود من الإسلاميين يوم يتسلمون مقاليد السلطان هو عدل يستقر به المجتمع، وتتضافر به الجهود، وتتوحد عليه الأهداف، وتسخر له الوسائل. وما قدمناه في الفقرات السابقة من فضائل العطاء والإنفاق والبر فمشروط مربوط بتوفير الوسائل. لا بر، وهو التوسع في فعل الخير، إن لم يكن الحد الأدنى من الخير موفورا. هذا الحد الأدنى هو العدل وهو التنمية. لا ينفق المعدم ولا مضيق عليه ولا المسلوب من حقوقه. إنما النفقة والبر من وجد لا من فقد. وهدف التنمية نلتقي عليه مع طوائف الأحزاب السياسية التي حول التنمية تزجي الوعود للشعب” 27 .

طالع أيضا  مفاهيم منهاجية (10): الانكسار التاريخي -2-

[1] ابن كثير، تفسير القرآن العظيم، ط5، 1984، دار الأندلس – بيروت، ص 5/219.\
[2] رسالة مرشد جماعة العدل والإحسان مؤرخة في ذي الحجة 1407هـ.\
[3] عبد السلام ياسين، “رسالة تذكير”، ط 1، 1995، مطبوعات الأفق، ص 8.\
[4] عبد السلام ياسين، “العدل، الإسلاميون والحكم”، ط1، مطبوعات الأفق، 2000، ص 222.\
[5] عبد السلام ياسين، “العدل”، م. س. ص 223.\
[6] عبد السلام ياسين، “العدل”، م. س. ص 222.\
[7] رسالة مرشد جماعة العدل والإحسان … م. س.\
[8] ن. م.\
[9] ن. م.\
[10] ن. م.\
[11] ن. م.\
[12] عبد السلام ياسين، “العدل”، م. س. ص 222.\
[13] عبد السلام ياسين، “المنهاج النبوي، تربية وتنظيما وزحفا “، ط2، 1989، ص 251.\
[14] عبد السلام ياسين، “المنهاج النبوي..”، م. س. ص 251.\
[15] عبد السلام ياسين، “الإسلام والحداثة”، ترجمة مجموعة من الأساتذة، مطبوعات الهلال، وجدة، ط 1، مارس 2000، ص 271.\
[16] عبد السلام ياسين، “الإسلام غدا”، ط1، 1393ه، مطبعة النجاح، الدار البيضاء، ص 511.\
[17] ن. م. ص 516.\
[18] ن. م. ص 511.\
[19] عبد السلام ياسين، “مقدمات في المنهاج”، ط 1، 1989، ص 15.\
[20] ن. م. ص 50.\
[21] عبد السلام ياسين، “الإسلام وتحدي الماركسية اللينينية … م. س. ص 19.\
[22] ن. م. ص 19.\
[23] عبد السلام ياسين، “العدل”، م. س. ص 223.\
[24] عبد السلام ياسين، “الإسلام غدا”، م. س. ص 871.\
[25] ن. م. ص 882.\
[26] ن. م. ص 877.\
[27] عبد السلام ياسين، “العدل”، م. س. ص 224.\