الفقرة الثانية: التتبع على المستوى المالي

لم يول المشرع في ظهير 1975 كبير اهتمام لمصادر تمويل الجامعة، حيث لم ينص على تنويعها، باستثناء بعض الإشارات العابرة، فالمصدر الأول والوحيد تقريبا لتمويل الجامعة بقي هو الميزانية العامة، أما ما يرتبط بالهبات والوصايا واستخلاص الواجبات المطابقة للخدمات وواجبات التسجيل، فقد تضمنتها بعض فقرات الظهير، لكن دون أن يكون لها أثر ملموس في الواقع. فالظرفية الاقتصادية (1973 – 1983) تميزت برخاء نسبي في البداية، ثم بصعوبات اقتصادية متزايدة، تطورت في نهاية الفترة إلى أزمة دائمة، نتج عنها توتر اجتماعي متصاعد الحدة، مما أبعد واقعيا كل إمكانية لمساعدة الجامعة بواسطة الهبات والوصايا. كما أن تلك الاختلالات التنظيمية لم تؤهل الجامعة لتقديم خدمات بمقابل، أما واجبات التسجيل التي نص عليها الفصل 14 من الظهير فلم يصدر أي قرار بشأنها خلال هذه الفترة، بسبب النضالات الطلابية المتواصلة.

عرف عدد الطلاب تزايدا هاما خلال هذه الفترة كما أشرنا سابقا، مما أدى إلى الزيادة في عدد الأساتذة والأطر الإدارية، وتم تشييد العديد من البنايات الجديدة، كما تمت إضافة تجهيزات أساسية بالجامعات، الأمر الذي فرض تزايد نفقات التعليم العالي بنسبة هامة خلال فترة المخطط الخماسي (1973 – 1977)، حيث بلغت الزيادة 519 بالمائة، إلا أن هذه النسبة ستعرف تراجعا، ففي سنة 1981 أصبحت نسبة الزيادة 72,7 بالمائة، وفي سنة 1983 أصبحت النسبة هي 43,5 بالمائة (الجدول رقم 4).هكذا حدث بون شاسع بين الزيادة في عدد الطلاب والزيادة في نفقات التعليم العالي، الأمر الذي كان له أسوء الأثر على نسبة التأطير، وعلى الأجهزة الأساسية والبنيات التحتية للجامعة.

ولمواجهة الزيادة في عدد الطلاب اتجه المخطط الثلاثي (1978 – 1980) نحو الحد من ولوج التعليم العالي، ففي 28 يوليوز 1980 أصدرت وزارة التربية الوطنية استنادا إلى هذا التوجه بلاغا يحدد شروط القبول بمؤسسات التعليم العالي في رغبة الطالب من جهة أولى، وكفاءته العلمية من جهة ثانية، والطاقة الاستيعابية للمؤسسة الجامعية من جهة ثالثة، وقد أثار هذا البلاغ ردود فعل قوية، ونتجت عنه اضطرابات في الأوساط الطلابية، مما جعل ملك البلاد يدعو إلى تنظيم “أيام التربية الوطنية”، التي نظمت بإفران في نهاية شهر غشت 1980، وتقرر فيها تكوين لجنة وطنية لدراسة مشكل إصلاح التعليم. وطلب منها أن تقدم مشروعا شاملا ومتكاملا لإعادة هيكلة النظام التعليمي للبرلمان في دورة أبريل 1981، وقد تمخض عن أعمال هذه اللجنة مشروعان؛ أحدهما يهم إصلاح التعليم الابتدائي والثانوي، وثانيهما يهم إصلاح التعليم العالي. ولأسباب تقنية ومالية، نص هذا الأخير على إعادة هيكلة نظام التعليم العالي، ويتضح الهاجس المالي بشكل أكبر في ما سماه المشروع “مراكز التعليم العالي”، فمدة الدراسة بهذه المراكز سنتان، تلقن خلالها تكوينات عامة، وعند نهاية التكوين ينتقى بعض الطلبة لمتابعة دراستهم في مؤسسات تكوين الأطر، في حين يتلقى باقي الطلبة تكوينا مهنيا قصيرا لمدة أربعة أشهر، قصد الالتحاق بسوق الشغل، وقصد تخفيف العبء عن التعليم العالي! ويتم تمويل هذه المراكز بواسطة مساهمة الميزانية العامة للدولة، ومساهمة الجماعات المحلية، والقطاعات المهنية، ورسوم تسجيل الطلبة ووسائل أخرى. هنا تكمن المحاولة التصحيحية في تنويع مصادر تمويل التعليم العالي؛ إلا أن هذا المشروع لم يطبق نظرا لطغيان المنظور “التقنوقراطي” عليه، وإغفاله للأبعاد البيداغوجية والعلمية، وكان من أخطر ما أقره هذا المشروع سياسة الانتقاء لولوج التعليم العالي، لذلك عرف مناهضة واسعة من الكثير من المنظمات منها: الاتحاد الوطني لطلبة المغرب، النقابة الوطنية للتعليم العالي، النقابة الوطنية للتعليم، والاتحاد المغربي للشغل؛ حيث انسحبت هذه الهيآت من اللجنة الوطنية، ونددت بأشغالها، وبالتالي فشلت محاولة إعداد ميثاق وطني للتعليم، الذي كانت تسعى إليه اللجنة.

طالع أيضا  التعليم العالي بالمغرب (1975-2008) -11-

لقد كان لهذا التعثر التنظيمي والمالي انعكاس واضح على مردودية التعليم العالي، كيف ذلك؟

المطلب الثاني: تتبع الإصلاح على مستوى المردودية

لقد تضاعف عدد الطلبة بين سنة 1972 وسنة 1982 بأكثر من أربع مرات 1 ، ورغم أن عدد الطلبة الجدد عرف نموا سريعا، فإن ذلك لم يصاحبه توجيه قصد الاستجابة لحاجات البلاد الاقتصادية والاجتماعية، فاختيار الطالب لمنحى دراسي معين كان يحكمه هاجس إيجاد وظيفة مناسبة عند الحصول على الشهادة، وكان المحدد بالنسبة للطالب ما يلمسه في فترة دراسته من حاجة إلى تخصصات دون أخرى، ولم تكن للدولة أدنى مساهمة في تبصير الطالب بالكفاءات المطلوبة مستقبلا، والمرغوب فيها استراتيجيا، وتسبب كل هذا في التفاوت الكبير، الذي عرفه توزيع الطلاب بين الشعب والتخصصات الدراسية، التي أحدثها ظهير 25 فبراير 1975. ففي سنة 1976 مثلا كانت نسبة الطلبة المسجلين بكليات الآداب والعلوم والحقوق على التوالي 27 و15 و50%، لتتغير هذه النسب مع بداية عقد الثمانينات على الوالي إلى 45 و20 و25 2 . ومن جهة أخرى بلغت نسبة المسجلين بكليات الطب والمدارس العليا ومؤسسات تكوين الأطر 10 سنة 1980 لتتراجع فيما بعد إلى 7 سنة 1984 3 . وإذا كان عدد الطلبة يتفاوت من شعبة إلى أخرى، فإن نسب التكرار والانتقال هي الأخرى تتباين من سنة إلى أخرى، ومن تخصص إلى آخر. وجدير بالذكر أن نسبة التكرار عرفت تزايدا ملحوظا خاصة خلال فترة المخطط الثلاثي (1978-1980)، كما أن نسبة الطلبة الموظفين عرفت تقلصا، حيث صدر خلال الموسم الدراسي (1980-1981) قرار يفرض الحضور الإجباري في الأشغال التوجيهية، وذلك لتثبيط همة الطلبة الموظفين، مما سَيُخفض نسبتهم من 30,77% خلال الموسم الدراسي (1978-1979) إلى 14,54% خلال الموسم الدراسي (1982-1983) 4 ، ورغم أن عدد المجازين عرف تطورا مهما، فإن عدد المتخرجين ظل ضئيلا بالنسبة لعدد المسجلين الجدد. أما فيما يرتبط بطلبة السلك الثالث فقد بلغ عددهم سنة 1980 ما مجموعه 11.065 طالب؛ بعد أن تضاعف 16 مرة في ظرف 10 سنوات. لكن هذا التطور سيعرف حركة عكسية فيما بعد 5 .

طالع أيضا  التعليم العالي بالمغرب(1975-2008) -21-

وإذا كان من أهم مجالات مردودية التعليم العالي مجال البحث العلمي؛ فإن هذه الفترة عرفت شبه فراغ بهذا الخصوص، إذ لم تتم إلا بعض المحاولات لتطويره، بشكل مرتجل ومتفرق، ولم تحظ إلا باهتمام ثانوي، ولعل النقص في الإمكانات المادية وغياب بنيات وهياكل ملائمة أحد أهم أسباب ذلك التعثر في مجال البحث العلمي آنذاك. فمعهد البحث الجامعي الذي أحدث منذ سنة 1962 حصر اهتمامه في بعض المنشورات الاجتماعية، التي ظلت تصدر بصفة متقطعة. والمركز الوطني لتنسيق وتخطيط البحث العلمي والتقني عرف نفس الصعوبات. ولعل من أهم الأسباب أيضا غياب منظور وطني واضح ودقيق حول البحث العلمي.

بقي أن نشير أن هذه الفترة عرفت العديد من الإجراءات البيداغوجية؛ من مثل ربط القبول بكلية الطب بالنجاح في مباراة ابتداء من أبريل 1981، وتوحيد الدراسات القانونية والاجتماعية والاقتصادية من حيث المدة، التي هي أربع سنوات، مع الدراسات الأخرى ابتداء من أكتوبر 1978، وإحداث شعبة للدراسات الإسلامية بكلية الآداب، ودكتوراة في طب الأسنان، ابتداء من سنة 1980.

وإذا كانت هذه الإجراءات فرضتها بعض التحولات الاجتماعية والاقتصادية، فإنها لم تحد من ضعف مردودية التعليم العالي، هذا الضعف الذي ستزداد حدته مع سياسة التقويم الهيكلي.


[1] حسب الجدول رقم 2 وبعملية حسابية بسيطة نجد أن نسبة التضاعف هي 4,42.\
[2] ELOUAZZANI (Khalid), Coûts et rendements de l’enseignement supérieur au MAROC, première édition. 1991, p97.\
[3] نفس المرجع السابق.\
[4] المروني (المكي)، الإصلاح التعليمي بالمغرب، الطبعة الأولى 1996، ص 140.\
[5] نفس المرجع السابق، نفس الصفحة.\