الفصل الثاني: حدود تطبيق ظهير 1975

رأينا في الفصل السابق أن ظهير 25 فبراير 1975 طبعته على مستوى الإطار التاريخي والمضامين بعض السمات التي جعلته دون مطمح تحقيق لامركزية حقيقية للتعليم العالي، وسنتتبع عبر هذا الفصل تطبيقه، مقرين منذ البدء بوجود خلل على مستويات متعددة في تنزيل مضامين الظهير، وذلك بالنظر إلى الخلل الكامن في مضامينه من جهة أولى، وإلى الظروف السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي طبعت فترة التطبيق من جهة ثانية. كما سنقف أيضا عند بعض محاولات التصحيح التي فرضتها أزمة التعليم العالي آنذاك.

المتأمل في زمن تطبيق ظهير 25 فبراير لا غرو سيميز بين فترتين اثنتين، أولاهما: الفترة الممتدة من سنة 1975 إلى سنة 1983، وثانيهما: الفترة التي ستنطلق مع سنة 1983. فالأكيد أن سياسة التقويم الهيكلي التي عرفها المغرب كانت لها انعكاسات مالية وتنظيمية وبيداغوجية على إصلاح التعليم العالي.

من هذا المنطلق سنقسم هذا الفصل إلى مبحثين؛ المبحث الأول حول تطبيق الظهير قبل سنة 1983، والمبحث الثاني حول تطبيقه انطلاقا من سنة 1983.

المبحث الأول: تتبع تطبيق الإصلاح الجامعي قبل سنة 1983

أول ملاحظة نستهل بها هذا المطلب ترتبط بالنصوص التطبيقية لظهير 25 فبراير 1975، فبالإضافة إلى كثرتها نلاحظ تأخر إصدار العديد منها، فهناك نصوص تأخر وضعها ونشرها، وهناك نصوص وُضعت ولكنها لم تنشر في الجريدة الرسمية إلا بعد حين، بل إن هناك نصوصا لم تخرج إلى الوجود.

أمام هذا التأخر في إصدار النصوص التطبيقية عرف المشهد الطلابي تزايدا مهما، مما ستكون له آثار واضحة على المستوى التنظيمي والمالي (المطلب الأول)، ومن ثم على مستوى مردودية وفعالية التعليم العالي (المطلب الثاني).

المطلب الأول: التتبع على المستوى التنظيمي والمالي

يبدو أن ظهير 25 فبراير 1975 احتدى كثيرا بقانون توجيه التعليم العالي لسنة 1968 بفرنسا، إلا أنه، وخلافا لهذا الأخير، لم يكرس أسلوبا حقيقيا للا مركزية التعليم العالي من جهة أولى، ولم يعدد الموارد المالية للجامعة من جهة ثانية.

طالع أيضا  التعليم العالي بالمغرب (1975-2008 )-32-

الفقرة الأولى: التتبع على المستوى التنظيمي

خلال الفترة الممتدة بين سنتي 1975 و1983 تطور عدد الطلبة بشكل ملفت، فبعد أن كان عددهم 18752 طالبا خلال الموسم الدراسي (1972 – 1973) أصبح عددهم 86731 خلال الموسم الدراسي (1980 – 1981). (الجدول رقم 2).

الجدول رقم 2: العدد الإجمالي لطلبة الجامعات والمسجلين الجدد من 1972 إلى 1983هذا التزايد جعل مشكل استقبال الطلبة يطفح على السطح من جديد. ورغم إحداث جامعة القاضي عياض بمراكش سنة 1978، ورغم إحداث بعض الكليات سواء في الجامعات التي كانت موجودة، أو في الجامعات التي ستحدث فيما بعد خصوصا سنة 1989، رغم هذه الجهود يمكن تسجيل العديد من الملاحظات حول أسلوب “اللامركزية الجامعية”، كما نص عليها ظهير 25 فبراير 1975.

فإذا كان من المبادئ الأساسية التي أقرها قانون توجيه التعليم العالي بفرنسا مبدأ “تعدد التخصصات” في كل جامعة، فإن أغلب الجامعات المغربية باستثناء جامعتي محمد الخامس بالرباط، كانت لا تتوفر في أحسن الأحوال إلا على تخصصين أو ثلاثة. بالإضافة إلى هذا يمكن أن نجمل بعض مستويات الخلل التنظيمي فيما يلي:

أولا: عدم إحداث رئاسات الجامعات. فإذا كان الفصل التاسع من الظهير ينص على أن رئاسة الجامعة تشتمل بالإضافة إلى الكتابة العامة على مصالح يحدد عددها واختصاصاتها بقرار تتخذه السلطة الحكومية المكلفة بالتعليم العالي باقتراح من الرئيس. فإن السلطة الحكومية لم تحدث هذه الرئاسات، حيث لم يصدر أي قرار بهذا الشأن، مما جعلنا أمام جامعات تفتقر إلى مصالح إدارتها وتسييرها، بل أصبحنا أمام جامعات لم يشرع في تعيين رؤسائها إلا ابتداء من سنة 1985 1 .

ثانيا: عدم إحداث رئاسات المؤسسات الجامعية. فنفس ما نص عليه الفصل التاسع من الظهير فيما يتعلق بالجامعات نص عليه الفصل السادس والعشرون فيما يتعلق بالمؤسسات الجامعية، هذا القرار هو الآخر لم يعرف طريقه إلى الوجود إلا سنة 1987 في شكل مذكرة صادرة عن وزارة التربية الوطنية 2 . مما جعل الهيكلة التنظيمية تتسم بالتباين الكبير، بسبب الاجتهادات المختلفة.

طالع أيضا  التعليم العالي بالمغرب (1975-2008) -11-

ثالثا: عدم وضع الأنظمة الداخلية للجامعات. فقد خُتم الفصل 17 من الظهير موضوع البحث بهذه الفقرة ويتولى مجلس الجامعة إعداد النظام الداخلي للجامعة، الذي يعرضه الرئيس على مصادقة السلطة الحكومية المكلفة بالتعليم العالي)، إلا أن مجالس الجامعات لم تستطع القيام بهذا الأمر، وقد يكون ذلك احتجاجا لا شعوريا، لأن فعل “يتولى” الذي يفيد اتخاذ المبادرة لم يرد إلا بخصوص النظام الداخلي، في حين كانت صيغة “إبداء الرأي” هي المهيمنة في كل ما يتعلق بالاختصاصات العلمية والبيداغوجية والمالية، بل قد يكون سبب ذلك عدم تشكيل مجالس الجامعات أصلا.

رابعا: الغياب التام لمجالس الجامعات. فإذا علمنا أن رئيس الجامعة يرأس مجلس الجامعة ويستشار في تعيين بعض أعضائه، ويدعو لانعقاده، ويشكل صلة وصل بين المجلس والسلطة الحكومية المكلفة بالتعليم العالي، ويعرض على المجلس ميزانية الجامعة قصد المدارسة. إذا علمنا كل هذا تبين لنا أنه في غياب رئيس الجامعة لا يمكن قيام مجلس الجامعة، إن هذا ما حدث فعلا خلال هذه الفترة، حيث لوحظ غياب شبه تام لمجالس الجامعات!

في مقابل هذه الملاحظات الأربع، التي تؤكد ضعف التنظيم الجامعي، تمت تقوية السلطة الحكومية المكلفة بالتعليم العالي، حيث تم تعيين وزير التعليم العالي في 25 فبراير 1974. وبالتالي تم فصل قطاع التعليم العالي والبحث العلمي عن وزارة التربية الوطنية، وبتاريخ 19 يناير 1976 سيتم تنظيم هذه الوزارة بمرسوم ملكي، حيث أصبحت تشتمل على مديريتين وقسمين 3 ، قبل أن يعاد تنظيمها في سنة 1986 وسنة 1993، كل هذه المعطيات تؤكد أن أسلوب اللامركزية الجامعية لم ينفذ إلى روح نص ظهير 25 فبراير 1975، وبالتالي لم يجد طريقه إلى تطبيق سليم.

لاشك أن من بين أسباب هذا التعثر التنظيمي محدودية الموارد التي حددها المشرع للجامعة، وبمنطق الجدل، قد يكون هذا التعثر نفسه سببا في عدم كفاية التمويل المرصد للجامعة.

طالع أيضا  التعليم العالي بالمغرب (1975-2008) -29-

[1] العمراني (حسين) إدارة التعليم العالي والبحث العلمي بالمغرب، الطبعة الأولى 1999 ص 44.\
[2] المذكرة رقم 87/46 بتاريخ 10 غشت 1987.\
[3] المديريتان هما: مديرية التعليم العالي والبحث العلمي ومديرية الأهداف والتخطيط والعلاقات الجامعية الخارجية. أما القسمان فهما: قسم الشؤون الطلابية وقسم الإدارة العامة.\