الفقرة الثانية: مجلس الجامعة

تطرّق ظهير 25 فبراير 1975 لتركيبة المجلس الجامعي في فصله السّادس عشر، وبيّن المهامّ المنوطة به في كلّ من الفصلين السّابع عشر والثّامن عشر، أمّا طريقة التّسيير فقد نصّ عليها في الفصلين التّاسع عشر والعشرين.

أولا: تركيبة مجلس الجامعة وطريقة تسييره

يتألّف مجلس الجامعة من أعضاء بحكم القانون وأعضاء منتخبين وآخرين معيّنين، الأعضاء بحكم القانون هم:

– رئيس الجامعة.

– عمداء الكلّيات ومديرو المدارس.

– مديرو المعاهد المختصّة.

– نوّاب عمداء الكليات ومساعدو مديري المدارس.

أمّا الأعضاء المنتخبون فهم:

– أستاذ بالتّعليم العالي، وأستاذ محاضر، وأستاذ مساعد، ومساعد عن كلّ مؤسّسة، ينتخبهم لمدّة سنتين زملاؤهم من نفس السّلك.

– طالبان عن كلّ مؤسّسة ينتخبهما طلبة المؤسّسة لمدّة سنتين. وقد صدر، بتاريخ 12 غشت 1976، قراران أحدهما يحدّد مسطرة انتخاب الطّلبة، والثّاني يحدّد مسطرة انتخاب الأساتذة، سواء بمجلس الجامعة أو مجلس المؤسّسة. 1 ويتحدّد الأعضاء المعيّنون فيما يلي:

– ثمانية أعضاء تعيّنهم السّلطة الحكومية المكلّفة بالتّعليم العالي، بعد استشارة رئيس الجامعة، من بين الشّخصيات الّتي تهتمّ بالتعليم العالي، أو الّتي تضطلع بمسؤوليات جسيمة في مختلف قطاعات الاقتصاد الوطني:

– ممثل تعيّنه السّلطة الحكومية المكلّفة بالتخطيط.

– ممثل تعيّنه السّلطة الحكومية المكلّفة بتكوين الأطر.

وأهمّ ما يمكن ملاحظته حول تركيبة المجلس الجامعي ما يلي:

أ. الأعضاء بحكم القانون هم الآخرون معيّنون إمّا بظهير أو قرار، ممّا يجعلنا في حقيقة الأمر أمام فئتين لا غير، الأعضاء المعيّنون والأعضاء المنتخبون.

ب. الأعضاء المعيّنون كلّهم تعيّنهم السّلطة الحكومية المركزية، وكان من الأنسب على الأقلّ، وانسجاما مع مبدأ استقلالية الجامعة أن يعيّنهم رئيس الجامعة. 2 ت. إذا كان من إيجابيات ظهير 25 فبراير 1975 إقرار مبدأ الانتخاب لأوّل مرة، 3 فيما يتعلّق ببعض مكوّنات المجلس الجامعي، فإنّ التّمثيلية بالعدد وليس بالنّسبة تجعل الأعضاء المنتخبين أقلّ عددا من الأعضاء المعيّنين، خاصّة في حالة قلّة المؤسّسات الجامعية، أو في حالة عدم توفّر جميع أسلاك الأساتذة بالمؤسّسة.

ث- يشترط الفصل السّادس عشر من ظهير 25 فبراير 1975 في الأعضاء الثّمانية الّذين تعيّنهم السّلطة الحكومية المكلّفة بالتّعليم العالي الاهتمام بالتّعليم العالي أو الاضطلاع بمسؤوليات جسيمة في مختلف قطاعات الاقتصاد الوطني، ويبدو أنّ هذا المعيار غير دقيق، ممّا يتيح للسّلطة الحكومية هامشا واسعا لتعيين المرغوب فيهم وإبعاد المغضوب عليهم.

طالع أيضا  التعليم العالي بالمغرب (1975-2008) -3-

ج- إيراد عبارة “مكتب تعاضدية الطّلبة” لأوّل مرّة في نصّ رسمي، أي في القرار المتعلّق بتنظيم انتخابات الطلبة، 4 رأت فيه الفصائل الطّلابية آنذاك محاولة تستهدف تشويه ماهية تعاضديات الاتّحاد الوطني لطلبة المغرب، كما رأت في تكوين لجنة الانتخابات من القيدوم أو المدير والطّالبين الأكبر والأصغر سنّا في المؤسّسة أبرز الثّغرات المسطرية الّتي تتيح إمكانية التّلاعب. وسينتج عن هذا الموقف الغياب التّامّ للطّلبة سواء في مجالس الجامعات أو مجالس المؤسّسات الجامعية.

يجتمع مجلس الجامعة بدعوة من رئيس الجامعة مرّتين في السّنة على الأقلّ، ويمكن أن يجتمع بصفة استثنائية كلّما دعت الضّرورة إلى ذلك، ويتولّى رئيس الجامعة إدارة أعماله، وفي حالة تعذّر حضوره يعوّضه عميد تعيّنه السّلطة الحكومية المكلّفة بالتّعليم العالي.

ولا يمكن أن يتداول المجلس بكيفية صحيحة على إثر الاستدعاء الأوّل إلاّ بحضور أكثر من نصف أعضائه، وإذا تعذّر ذلك يمكن عقد اجتماع ثان بعد مضيّ ثمانية أيام، ولا يشترط فيه أيّ نصاب.

وهذا يوحي بتنبّؤ مسبق بمسألة الغياب عن مجلس الجامعة، خاصّة من طرف الطّلاب، أو من طرف بعض المعيّنين الّذين أسيء اختيارهم؟

كما أن الفصل 17 من الظهير ينصّ على حالات ينعقد فيها المجلس دون حضور ممثّلي الطّلبة والأعضاء المعيّنين، وهي الحالات الّتي يتمّ فيها تعيين وترسيم رجال التّعليم الباحثين، وكذا ترقيتهم، أو تأديبهم، ويغيّر المجلس في هذه الحالات بكيفية لا يمكن معها لأيّ موظف من درجة معيّنة تقديم اقتراح بشأن موظف أعلى منه في الدّرجة التّسلسلية، والموظّفون المعروضة وضعيتهم على المجلس لا يجوز لهم أن يشاركوا في المداولات.

وتتّخذ القرارات داخل مجلس الجامعة بالتّصويت، وفي حالة تعادل الأصوات يرجّح الرئيس، ويقوم الكاتب العامّ للجامعة بمهام كتابة المجلس.

ثانيا: وظائف مجلس الجامعة

حسب الفصل 17 فإنّ مجلس الجامعة يمكنه القيام بالدّراسات الرّامية إلى تحسين مستوى التّعليم والتّوفيق بينه وبين حاجيات البلاد، وإلى تحسين التّربية وأساليبها وتنمية البحث العلمي. إلاّ أنّ الّذي يلاحظ بخصوص هذا الأمر كون ظهير 25 فبراير 1975 لم يحدّد مصير هذه الدّراسات إذا أنجزت من قبل مجلس الجامعة، فهل ستعرض على السّلطة الحكومية المكلّفة بالتعليم العالي؟ وأيّة قوّة إلزامية لها إذا عرضت؟ أم سيتمّ تطبيقها من طرف المجلس مباشرة بعد إنجازها؟ والّذي يزيد الأمر استغرابا كون الظهير منح سلطة اتخاذ القرارات العلمية والبيداغوجية للسّلطة المكلّفة بالتّعليم العالي، وجعل من رئيس الجامعة منفذا لهذه القرارات، وحدّد ما يمكن أن يرفعه هذا الأخير من اقتراحات مجلس الجامعة إلى السّلطة الحكومية في أمرين اثنين: الاقتراحات المرتبطة بالميزانية والنّظام الداخلي للجامعة.

طالع أيضا  التعليم العالي بالمغرب (1975-2008) -2-

وبالتّالي فالدّراسات العلمية والبيداغوجية الّتي يقوم بها المجلس لا يمكن تنفيذها مباشرة، لأنّ المجلس وكذلك الرّئيس لا يملكان صلاحية ذلك، كما لا يوجد ما يلزم برفعها إلى الوزارة المعنية للاستئناس بها، ممّا يجعل تلك الدّراسات عديمة الجدوى ابتداء.

ونصّت الفقرة الثانية من الفصل السّابع عشر على أنّ من مهامّ مجلس الجامعة “إبداء الرأي في برامج التّعليم والبحث المعروضة على نظره”. فبرامج البحث العلمي والتّعليم تعرض على المجلس ولا تكون من إنتاجه، وبنفس المنطق السّابق لم يبيّن المشرع مصير رأي المجلس بخصوص تلك البرامج، فإذا اتّخذ المجلس مثلا رأيا مخالفا لما وضعته الوزارة الوصيّة، فما الّذي سيطبّق رأي الوزارة أم رأي المجلس؟ خاصّة وأن هذا الأخير أُحدث في سياق استقلالية الجامعة.

ويبدو، حسب ما حواه ظهير 25 فبراير، أنّ الّذي سيطبّق هو رأي الوزارة الوصيّة، لكونها تملك سلطة اتّخاذ القرار البيداغوجي والعلمي داخل الجامعة، فالفصل 32 ينصّ صراحة على أنّ برامج التّعليم وأنظمة الدّروس والامتحانات تحدّد بمرسوم.

هكذا يتّضح أنّه لا مجال لاستقلالية الجامعة، حسب الظّهير، في المجال العلمي والبيداغوجي، فهل هناك من استقلالية في مجالات أخرى؟

يبدي المجلس رأيه في التّعيين بناء على الشّهادات، وفي ترسيم جميع رجال التّعليم الباحثين الّذين تقترحهم اللّجنة العلمية بكلّ مؤسّسة، كما يبدي رأيه في ترقية الأساتذة؛ على أن يستثنى من ذلك المدعوّون لممارسة بعض المهامّ لدى المصالح المركزية لوزارتي التّعليم والصحّة. ويتولّى المجلس إعداد النّظام الدّاخلي للجامعة قبل المصادقة عليه من الوزارة المعنية. وتنصّ الفقرة الثالثة من الفصل السّابع عشر على أنّ مجلس الجامعة يبدي رأيه في مشروع ميزانية الجامعة ويقدّم اقتراحات بشأنه.

فالمهامّ الإدارية والمالية للمجلس هي الأخرى مطبوعة بالطّابع الاستشاري، وباستثناء السّلطة التّأديبية وإعداد النّظام الدّاخلي لم تُخوّل لمجلس الجامعة إمكانية أخذ أيّة مبادرة أو شبه مبادرة، فالدّور الإداري والمالي لا يخرج عن دائرة إبداء الرأي، الّذي لم ينصّ ظهير 1975 في أيّ بند من بنوده على إلزامية الأخذ به.

طالع أيضا  التعليم العالي بالمغرب (1975-2008) -18-

إنّ ما يمكن استنتاجه من خلال فقرتي هذا المطلب أنّ رئيس الجامعة رغم تعدّد صلاحياته لا يقوم إلاّ بدور تنفيذي لقرارات السّلطة المركزية. فكلّ صلاحياته تقريبا ذات طبيعة استشارية –باستثناء التّصرف في اعتمادات الميزانية- وصلاحية التقرير تبقى في أغلب الأحيان منوطة بالسّلطة المكلّفة بالتّعليم العالي.

ومجلس الجامعة هو الآخر لا تخرج مهامّه عن دائرة “إبداء الرّأي”. إذ ليست له أيّة سلطة للتّقرير النّهائي، حتّى فيما يتعلّق بالجانب العلمي والبيداغوجي داخل الجامعة.

إنّنا لا نملك أمام هذه الملاحظات سوى التّأكيد على أنّ شعار استقلالية الجامعة، الّذي قد تستشفّ إرادة تطبيقه من السّياق العامّ لظهير 25 فبراير 1975 (قانون الجهة، المسلسل الدّيمقراطي…)، لم يكتب له التّمام حسب فصول الإصلاح الجامعي، وسبب ذلك في اعتقادنا تلك الخلفيات السّياسية والاقتصادية والأمنية الّتي تحدّثنا عنها آنِفا.

إنّها إذن استقلالية ناقصة، وأبرز مكامن النّقص فيها ما يلي:

أ- رئيس الجامعة يعيّن، ولا ينتخب كما هو الحال في الكثير من الدّول.

ب- تركيبة مجلس الجامعة يغلب عليها التّعيين في مقابل الانتخاب.

ج- صلاحيات مجلس الجامعة استشارية محضة، حتّى فيما يتعلّق بالوظيفة العلمية والبيداغوجية.

د- هيمنة السّلطة المركزية على الكثير من صلاحيات التّقرير في الشّأن الجامعي.

إذا كان هذا حال التّنظيم الجامعي، فهل سيُطبع تنظيم المؤسّسات الجامعية بنفس الخصائص؟ أم أنّ التقييد على مستوى الجامعات كان بهدف فسح المجال للمؤسّسات الجامعية؟


[1] وهما قرار لوزير التّعليم العالي رقم 1046.76 بتاريخ 15 شعبان 1396 (12 غشت 1976) بشأن كيفيات انتخاب ممثّلي رجال التّعليم الباحثين في مجلس الجامعة ومجلس المؤسّسة الجامعية، وقرار لوزير التعليم العالي رقم 76-1006 بنفس التاريخ بشأن كيفيات انتخاب ممثلي الطلبة، وقد نشرا بالجريدة الرسمية عدد 3333 بتاريخ 15 شتنبر 1975.\
[2] هذا ما ستتمّ محاولة تداركه مع قانون التّعليم العالي الأخير 01.00 كما سنرى ذلك لاحقا.\
[3] فمجلس جامعة الرباط، التّي أحدثت بظهير 21 يوليوز 1959، لم يكن به منتخبون.\
[4] قرار وزير التّعليم العالي رقم 76-1006 بتاريخ 15 شعبان 1935 (12 غشت 1976) الجريدة الرسمية عدد 3333 بتاريخ 15 شتنبر 1975.\