المطلب الثاني: الأسباب المباشرة لظهير 1975

بالإضافة إلى تلك الظّرفية العامّة، السياسية والاقتصادية والاجتماعية، التي ألقت بظلالها على ظهير 25 فبراير، هناك سببان مباشران سيكون لهما تأثير كبير على الظهير؛ سبب كمّيّ يتمثّل في تزايد عدد الطّلاب (الفقرة الأولى)، وسبب مجالي يتجلّى في التّمركز بالعاصمة (الفقرة الثانية).

الفقرة الأولى: تزايد عدد الطلاب

منذ سنة 1966 عرفت مؤسسات التّعليم العالي، خاصّة المؤسّسات ذات الاستقطاب المفتوح تدفّقا هائلا للطلاب، وأخذ هذا التّدفّق يتزايد سنة بعد أخرى (انظر الجدول رقم 1). فقد تزايد عدد الطّلاب بين سنتي 1957 و1961 بـ2961 طالبا، وتزايد بـ1988 طالبا بين سنتي 1961 و1966، ليصل التّزايد إلى 8710 طالبا بين سنتي 1966 و1970، وقد تضاعف هذا العدد بحوالي 12 مرة خلال عقد السّبعينات.

سُجّل هذا التّزايد في عدد الطّلاب دون أن يُوازيه توسّع في الطّاقة الاستيعابية لمؤسّسات التّعليم العالي، خاصّة التّعليم الجامعي، فالفترة الممتدّة بين 1957 و1964 لم تعرف إلاّ إحداث ثلاث عشرة مؤسسة جامعية، ليبقى نفس العدد إلى غاية سنة 1977. 1

وكانت النتيجة أن أصبحت المؤسّسات الجامعية تتخبط في العديد من المشاكل بسبب هذا التزايد الطّلابي، من مثل عدم كفاية البنايات من مدرجّات وقاعات لاستقبال الطّلبة، وقلّة المؤطّرين، أضف إلى ذلك الوضعية المادّية المتواضعة للطّلاب، الأمر الذي كان له انعكاس على المردودية الدّاخلية والخارجية للتّعليم العالي. ففي الموسم الدراسي (1972 – 1973) شكّل المكرّرون نصف أعداد طلبة السنة الأولى بكليات الآداب والحقوق 2 ، هذه الأخيرة التي كانت تعرف في ذلك الحين إقبالا واسعا، لم تُجْد معه بعض الإجراءات من مثل إحداث الباكالوريا التقنية سنة 1971.

هذه المشاكل وغيرها جعلت وتيرة الاحتجاج الطّلابي تتزايد سنة بعد أخرى، وممّا زاد في حدّة ذلك تمركز هذا الجيش الهائل من الطلاب بالعاصمة، الأمر الذي جعل إصلاح الجامعة في أفق لامركزيتها من أولى الأولويات.

طالع أيضا  التعليم العالي بالمغرب (1975-2008) -9-

الفقرة الثانية: التّمركز بالعاصمة

مع بداية الاستقلال تحوّلت مجموعة من المؤسّسات الجامعية التي أنشئت في عهد الحماية إلى كليّات ومعاهد علمية، كما تمّ إحداث مؤسّسات أخرى، إلاّ أنّ الّذي لوحظ تمركز أغلب هذه المؤسّسات بالعاصمة الرباط؛ حيث احتضنت هذه الأخيرة منذ سنة 1957 مجموعة من الكلّيات والمعاهد، منها: كلّية الآداب والعلوم الإنسانية، وكلّية الحقوق، وكلّية العلوم، والمدرسة المحمّدية للمهندسين، وكلّية الطّبّ والصّيدلة، ومعهد الدّراسات والأبحاث للتّعريب، والمعهد الجامعي للبحث العلمي، بالإضافة إلى بعض مؤسّسات تكوين الأطر العليا التّابعة لمختلف الوزارات.

كان لهذا التّمركز انعكاسان واضحان، الأول يرتبط بالجانب المالي، إذ أنّ هذه المؤسّسات جعلت الطّلبة يتوافدون على العاصمة من مجموع أقاليم المملكة، الأمر الذي تطلّب إحداث أحياء جامعية ومطاعم لاستقبالهم وتقديم المنح الدّراسية لهم. أمّا الانعكاس الثّاني فيتمثّل في كون ذلك التّجمّع الهائل للطّلاب بالعاصمة جعلها تعيش على إيقاع إضرابات ومظاهرات بسبب المشاكل المتعدّدة التّي كانت تعرفها الجامعة آنذاك، وقد زاد من حدّة تلك القلاقل الحظر القانوني للمنظمة الطلابية، الاتحاد الوطني لطلبة المغرب، سنة 1973. كما أنّه في كثير من الأحيان كانت تلك الاحتجاجات الطّلابية تتجاوز أسوار الجامعة. يقول الأستاذ حسين العمراني: “ولأجل تفادي “الانعكاسات السلبية” لتجمّع الطّلبة بالعاصمة فكّرت السّلطة الحكومية المكلّفة بالتّعليم العالي، وكذلك السّلطات المهتمّة بالأمن في ضرورة “تشتيت” الطلبة تبعا لتشتّت المؤسّسات الجامعية، مستعملة أسلوبا مقبولا في ظاهره، قاتلا في جوهره، وهو أسلوب اللامركزية الجامعية، وذلك مع صدور الظهير المنظّم للجامعات في فبراير 1975…”. 3

وجدير بالذكر أنّ كثيرا من الدّول خاصّة الإفريقية أدركت خطورة تجمّع الطلبة بالعاصمة فقامت بإنشاء جامعات في مختلف الأقاليم، بل منها الّتي لم تحدث أيّة جامعة بالعاصمة السّياسية كدولة مالي مثلا.

هكذا يمكن أن نستخلص ممّا سبق أنّ ظهير 25 فبراير 1975 حكمته ثلاثة أسباب، سبب سياسي يتحدّد في “سياسة الإجماع الوطني” لمحاصرة الحركة الماركسية اللينينية التي كانت تراهن على الجامعة لإحداث تغيير جذري، وسبب مالي يتحدّد في تقريب المؤسّسات الجامعية من الطّلاب في مختلف الأقاليم للتّخلص من أعباء الأحياء الجامعية والمطاعم والمنح الدّراسية، هذا من جهة، ومن جهة ثانية فرض رسوم للتّسجيل على الطّلبة، وسبب أمني تمثّل في تشتيت “التّكتل” الطّلابي، حفاظا على العاصمة السّياسية والإدارية من القلاقل والاضطرابات. فإذا كانت لامركزية التّعليم العالي شيئا محمودا يمكن أن تكون له أفضل النّتائج على المستوى التّربوي والعلمي، فإنّ تلك الأسباب المطمورة جعلت ظهير 25 فبراير 1975 محدودا في مضامينه، معاقا في تطبيقه.

طالع أيضا  التعليم العالي بالمغرب (1975-2008) -5-

[1] ELOUAZZANI (Khalid). Coûts et rendement de l’enseignement supérieur au Maroc. Première édition. Casablanca. 1991.\
[2] نفس المرجع السابق.\
[3] العمراني (حسين)، إدارة التعليم العالي والبحث العلمي بالمغرب، ج 1، الطبعة الأولى، 1999، ص 42.\