المبحث الثالث: الأزمة على مستوى التفاعل مع المحيط الخارجي

مؤسسات التعليم العالي الناجحة هي التي تربطها مع محيطها الخارجي شبكة من العلاقات؛ بحيث تستفيد من شروط عامة يوفرها لها المحيط، على رأسها الدعم المادي والتنظيمي، وتستجيب لمطالب محددة يطلبها المحيط سواء في المجال العلمي أو الاقتصادي أو الثقافي؛ بل في كثير من الأحيان تسهم هذه المؤسسات في تأهيل المحيط، والعكس صحيح…

من هذا المنطلق سنقوم من خلال هذا المبحث بفحص القوة التفاعلية لمنظومة تعليمنا العالي؛ وذلك عبر ثلاثة مستويات: مستوى الاندماج الثقافي والاقتصادي (المطلب الأول)، مستوى البحث العلمي (المطلب الثاني)، ومستوى المساهمة في التنمية الجهوية (المطلب الثالث).

المطلب الأول: ضعف الاندماج في المحيط الاقتصادي والثقافي

بغض النظر عن التمييز بين مصطلحي الاندماج و”التدامج” الذي كان يتبناه بعض المسؤولين، فإن مما لوحظ هشاشة العلاقة بين مؤسسات التعليم العالي ومحيطها الاقتصادي والثقافي. ولعل أبرز مظاهر غياب الوظيفة “الاندماجية – التنموية” لمنظومة التعليم العالي تكمن في بطالة الخريجين، التي عرفت تزايدا ملحوظا في بداية عقد تسعينات القرن الماضي. فإذا كان لا يتمكن من ولوج مؤسسات التعليم العالي إلا 10% ممن هم في سن التمدرس الجامعي؛ فإن نسبة المتخرجين، الذين يندمجون مهنيا بكيفية مستقرة، لم تتجاوز 32,29 منهم يتقاضون أجرة شهرية من مبلغ 1000 درهم أو أقل، و40 يتقاضون ما بين 1001 درهم و1500 درهم أو أقل، و32 يتقاضون 1500 درهم فأكثر 1 .

المتتبع للخطاب الرسمي آنذاك يلمس وعيا بحدة هذا المشكل، ويجد سجالا بين من يحصر السبب في هشاشة التكوين الذي تقدمه مؤسسات التعليم العالي، وبين من يحدد السبب في هشاشة الطاقة الاستيعابية للمحيط الاقتصادي. ومما لا شك فيه أن ضعف اندماج الجامعة في محيطها يعود إلى الجامعة من جهة، بحيث أنها لم تطور برامجها في اتجاه الاستجابة لحاجات المجتمع، كما يعود إلى المحيط من جهة ثانية، بسبب ضعف طاقته الاستيعابية ليس فقط للخريجين الجامعيين، وإنما أيضا للمشاريع الجامعية، وأيضا بسبب قلة إسهامه في تطوير الجامعة. وهذه الأسباب المتعددة والمتداخلة لم تكن إلا انعكاسا لأزمة مجتمعية عامة عبر عنها البنك الدولي في تقريره الشهير لسنة 1995.

طالع أيضا  التعليم العالي بالمغرب (1975-2008) -20-

لقد كان المسؤولون على وعي بضعف اندماج الجامعة في محيطها الاقتصادي، إلا أن الوعي بالمشكل لا يفيد في تجاوزه، ما لم تكن هناك إرادة قوية، وتفاهم حول الأهداف المراد تحقيقها، ففي أبريل 1989 انعقد يوم دراسي حول انفتاح الجامعة على محيطها الاقتصادي والاجتماعي 2 . إلا أنه عرف تباينا للمواقف حول مفهوم إدماج الجامعة في محيطها الاقتصادي والاجتماعي، إذ أن بعض المؤسسات لم تستوعب توصيات اليوم الدراسي، وقامت بتكوين خلايا ولجان لبحث الموضوع 3 ، ومؤسسات حددت مفهوم الإدماج في إبرام اتفاقيات تعاون مع بعض الفعاليات كالشركات والجماعات المحلية 4 ، في حين ذهبت مؤسسات أخرى إلى أن الإدماج يعني إحداث ما يسمى بالإجازات المطبقة 5 .

وإذا كانت بطالة الخريجين من أبرز مظاهر قصور اندماج مؤسسات التعليم العالي في المحيط الاقتصادي، فإن هناك مظاهر أخرى منها، قلة الأبحاث والدراسات التي تقدمها الجامعات لفائدة الفاعلين الاقتصاديين، وقلة طلبات القيام بخدمات من قبل مختلف القطاعات الاجتماعية والاقتصادية؛ وذلك نظرا لانعدام الثقة في القدرة البحثية لمؤسسات التعليم العالي، مما يجعل تلك القطاعات تطلب استشارة أساتذة وأطر مؤسسات أجنبية، ومما يستغرب له أن هذه الأخيرة توظف أساتذة وأطر مؤسسات تعليمنا العالي، فتكون النتيجة حرمان جامعاتنا من موارد مالية، في الوقت الذي يوظف فيه أطرها وباحثوها.

إلى جانب الوظيفة “الاندماجية – التنموية” هناك الوظيفة “الثقافية – الحضارية” للتعليم العالي، إلا أن الذي ظل يلاحظ طيلة عقد تسعينات القرن الماضي، رغم ما بذله الأساتذة من جهود في هذا المجال، أن الدور الثقافي للتعليم العالي ظل دون المطلوب، وذلك بالنظر إلى قلة المشاركة في المناسبات الثقافية من جهة أولى، وغياب شبه تام للوسائل التثقيفية التي تمكن الجامعة من القيام بدورها الثقافي إزاء المجتمع من جهة ثانية. وسبب ذلك يكمن في هيمنة المقاربة الأمنية في التعامل مع مكونات الحقل الجامعي.

طالع أيضا  التعليم العالي بالمغرب (1975-2008) -26-

هكذا تتبين ضرورة استحضار البعد الإدماجي لمؤسسات التعليم العالي في أي إصلاح منتظر، إلا أن إدماج الجامعة في محيطها الاقتصادي لا ينبغي أن يفهم منه “مهننة” الجامعة؛ بحيث تصبح عبارة عن أوراش للتكوين المهني، تلقن تكوينات مهنية بسيطة للحد من بطالة الخريجين، بل لابد من رؤية استراتيجية مبنية على حسابات موضوعية مدروسة، تستجيب للحاجات الاجتماعية والاقتصادية، في المدى القريب والمتوسط والبعيد. يقول الأستاذ عبد الرحيم عمران: “إن مواجهة تحديات اليوم والغد في علاقتها مع نظامنا التعليمي الجامعي، لن تتم عبر إعطاء الأولوية للتكوين التقني – الأدائي، وإنما عبر تكوين جامعي أساسي مرن ومتنوع، وتمرس ميداني هادف، ذي المرجعية العلمية – الاستكشافية والمشاريعية – الإنجازية الشخصية منها والمؤسساتية” 6 .


[1] عمران (عبد الرحيم)، الجامعة المغربية ورهانات الديمقراطية، الطبعة الأولى، فاس 1999، ص 32.\
[2] حضره 13 وزيرا وعمداء الجامعات وبعض القيادمة وبعض الأساتذة الباحثين.\
[3] بعض المؤسسات الجامعية خاصة التابعة لجامعة القرويين.\
[4] خاصة المؤسسات الجامعية التابعة لجامعة محمد الخامس.\
[5] المؤسسات الجامعية التابعة لجامعة الحسن الثاني – المحمدية.\
[6] عمران (عبد الرحيم). الجامعة المغربية ورهانات الديمقراطية، الطبعة الأولى فاس، 1999، ص 92.\