المبحث الثاني: الأزمة على مستوى الفعالية الداخلية

يتوقف سير مؤسسات التعليم العالي وحيويتها الداخلية على مجموعة من العناصر الأساسية؛ منها وضعية الفاعلين في حقل التعليم العالي من أساتذة وإداريين وطلبة، ومنها نوع المضامين الدراسية التي تلقن بهذه المؤسسات، ومنها أيضا لغة التعليم السائدة، هل هي لغة أصيلة تعبر عن حضارة الأساتذة والطلبة، أم أنها لغة حضارة أخرى مثقلة بحمولة، قد تتناقض في كثير من جوانبها مع هوية العاملين في حقل التعليم العالي؟

المطلب الأول: قصور في التفعيل والتحفيز

إن فعالية مؤسسات التعليم العالي تتوقف بشكل كبير على فعالية الفاعلين بها، من أساتذة وإداريين وطلبة، إلا أن الوضعية المادية والاجتماعية لهؤلاء الفاعلين الجامعيين، كانت دائما أحد أسباب ضعف المردودية الجامعية، خلال عقد تسعينات القرن الماضي.

ففئة الأساتذة عانت من عدم وجود أنساق سريعة للترقي وطول الأقدمية المتطلبة، و من تهميش ملحوظ فيما يرتبط بكل قرارات التعليم العالي؛ سواء في المجال الإداري أو البيداغوجي، بل عانت أحيانا من إقصاء ممنهج يحول بينها وبين التقرير في أمور تخصها مباشرة. ولعل أوضح مثال على ذلك: النظام الأساسي للأساتذة الباحثين، فبعد أن هيئت النقابة الوطنية للتعليم العالي مشروعا لذلك، وبعد عدة جولات من الحوار مع السلطة المركزية تم التوصل إلى اتفاق، إلا أن الوزارة فضلت التخلي عن هذا الاتفاق لفرض قوانين تطبعها النظرة الأحادية.

وفئة الأطر الإدارية بمؤسسات التعليم العالي هي الأخرى عانت من مصاعب شتى، فرغم التزايد الكبير في عدد الأساتذة وعدد الطلبة، فإن هذه الفئة لم تعرف إلا تزايدا ضئيلا مما كلفها المزيد من الجهود، في غياب أي نظام للتحفيز، فالأجور غير كافية لتحقيق إشباع الحاجات الأساسية؛ خاصة فيما يتعلق بالموظفين المتوسطين والصغار، وهم الأكثر عددا، والمكافآت المادية التي تمنح في بعض المناسبات لا يستفيد منها في أغلب الأحيان إلا كبار الموظفين. وفيما يرتبط بالجانب المعنوي فإنه من نافلة القول التأكيد على أن التهميش والإقصاء في حق هذه الفئة كان مضاعفا. زاد من حدة ذلك تكريس تلك النظرة العدائية لهذه الفئة من قبل بعض الأساتذة والطلاب، بسبب سهرها المباشر على تنفيذ توصيات عليا للسلطة المركزية، لا تكون محل رضى في كثير من الأحيان.

أما الطلاب، فإن معاملتهم بخلفية مالية وأمنية كان له أسوأ الأثر عليهم، فقد خضعت وضعيتهم الاجتماعية لانحدار متواصل، مما ضاعف ظاهرتي الإهدار والتكرار. فيكفي أن نعرف أن ثمان طلبة من أصل عشرة ترميهم الجامعة دون أن ينهوا دراستهم 1 ، وإن من أهم أسباب ذلك تلك الوضعية الاجتماعية المتردية؛ فالأحياء الجامعية لا تستوعب إلا 11% من مجموع الطلاب 2 ، وعدد القاعات الصحية بمجموع الجامعات لا يتجاوز 11 غرفة 3 . وهناك معاناة يومية بسبب قلة وسائل النقل، نتجت عنها احتجاجات طلابية واسعة خلال سنتي 1996 و1997 لم تنته إلا بتدخلات عنيفة لمختلف القوات، خلفت العديد من المصابين والمعتقلين في صفوف الطلبة. أما المنحة فقد خضعت لتقنين خاص منذ الموسم الدراسي (1982 – 1983)؛ حيث طبق أول مرة المعيار المادي لمنح المنح الدراسية 4 ، ليليه تطبيق معيار الحصص الإقليمية مع منشور الوزير الأول في يونيو 1993 5 . هكذا تم الإبقاء على نصف المنحة فقط للطلبة الذين يقطن أولياؤهم داخل المدار الحضري للمدينة الجامعية التي توجد بها المؤسسة، كما تم سحب المنحة من العديد من الطلاب بسبب المعيارين السالفين. ولم يكن حق المنحة الدراسية بالخارج أحسن حالا. وبعد صعود الطلبة الإسلاميين إلى مراكز الريادة في الحركة الطلابية، أصبح الحرم الجامعي يعرف تضييقا ملحوظا في مجال الحرية الثقافية والنقابية.

طالع أيضا  التعليم العالي بالمغرب (1975-2008) -4-

إن ما تم ذكره حول وضعية الأساتذة والموظفين والطلاب ما هو إلى غيض من فيض، وما هو إلا نزر يسير سمح به المقام في هذه السطور. إنها وضعية متردية لا ينبغي إغفالها في أية محاولة إصلاحية.

المطلب الثاني: قصور في المناهج والمضامين

ثلاثة أسئلة أساسية تعتبر الإجابة عنها محددات أساسية لأي تعليم عالي؛ لماذا يتعلم الطلبة؟ وماذا يتعلمون؟ وكيف يتعلمون؟

القيمة المالية للمنحة (شهريا) ببعض الدول الإفريقية لمتابعة الدراسة بمصر خلال السنة الجامعية 1990/1991:

– الجزائر: 650 دولارا أمريكيا / 5200 درهما مغربيا

– موريتانيا: 350 دولارا أمريكيا / 2800 درهما مغربيا

– الصومال: 300 دولارا أمريكيا / 2400 درهما مغربيا

– المغرب: 150 دولارا أمريكيا / 1200 درهما مغربيا

المصدر: رسالة وزير الدولة المكلف بالشؤون الخارجية والتعاون إلى وزارة التربية الوطنية بتاريخ 13 يونيو 1991 تحت رقم 2818 تتضمن تقرير سفير المغرب بالقاهرة حول وضعية الطلبة المتابعين لدراستهم بمصر.

إذا كان السؤال الأول يتعلق بمردودية التعليم العالي، وبدوره في تطوير الدولة والمجتمع (انظر المبحث الثالث)؛ فإن السؤال الثاني يتعلق بنوع المناهج الدراسية وطرق وأساليب التعليم والتقويم في مؤسسات التعليم العالي. والسؤال الثالث يتعلق بالمادة الدراسية والمعلومات التي يتلقاها الطلبة؛ أي المضامين والمحتويات.

رغم جهود الأساتذة لتطوير الأساليب وتحسين المضامين، فإن تعليمنا العالي لايزال يعاني من عدة نقائص “فمحتوى المادة والمهارات الذهنية المطلوبة لا علاقة لها بفهم الطالب أو بدرجة استيعابه، بقدر ما هي معلومات صماء، تجتر اجترارا طيلة العام الدراسي، وتسترجع في الامتحانات، وتتقطع الصلة بهذه المعلومات بمجرد حصوله على الشهادة. وكثيرا ما يكون الغش في الامتحانات سلاحه في النجاح. فالشهادة هي الغاية وليس العلم” 6 أما مناهج التعليم العالي فلا تزال تتسم بخمس سمات أساسية:

طالع أيضا  التعليم العالي بالمغرب (1975-2008) -25-

أ- سحب القرار المرتبط بمناهج التعليم العالي من مؤسسات التعليم العالي. إذ أن وضع الفلسفة العامة لهذه المضامين وتحديد التخصصات وأنظمة الامتحانات لا يتم إلا بمراسيم يضعها الوزير الأول.

ب- اعتماد الحفظ والاستظهار والتلقين وشحن الدروس، عوض التركيز على مناهج التفكير والتحليل وأدوات التعامل مع المعرفة.

ت- أغلب المناهج والبرامج منقولة عن تجارب غربية، مما يجعل تعليمنا العالي يتناقض في بعض الجوانب مع خصوصيتنا الحضارية.

ث- مناهج تعليمنا العالي مازالت جامدة وروتينية، ولا تتميز بالمرونة اللازمة، ويغلب عليها في كثير من الأحيان الطابع النظري التجريدي على حساب الشق التطبيقي العملي.

ج- مناهج تعليمنا العالي، ومضامينه أيضا، تتسم بالتخلف عن اللحاق بركب الاكتشافات العلمية والتطورات التكنولوجية، فنسبة 60% من الأبحاث والنظريات المدرسة بمعاهدنا أصبحت متجاوزة علميا. 7

المطلب الثالث: خلل على مستوى لغة التدريس

كان من أبرز مظاهر أزمة التعليم بصفة عامة، خلال عقد تسعينات القرن الماضي، والتعليم العالي بصفة خاصة ازدواجية لغة التدريس. والازدواجية لم تكن تعني الانفتاح على لغة أجنبية بالإضافة إلى التدريس باللغة القومية، بل عنت احتلال اللغة الأجنبية نفس مكانة اللغة القومية، مما شكل خللا واضحا على مستوى لغة التدريس، فجل الدول تعتمد لغتها الوطنية لغة أولى في التدريس بكل المراحل التعليمية، مع انفتاح ذكي ومحسوب على بعض اللغات الأجنبية. فدولة السويد مثلا لا يتعدى عدد سكانها ثمانية ملايين نسمة، ولا يوجد من يتحدث اللغة السويدية خارجها، ومع ذلك تعتمد اللغة السويدية لغة أولى في التدريس بكل المراحل التعليمية، مع الانفتاح على اللغة الإنجليزية. وكذلك الشأن بالنسبة لدولة الدانمارك وهولاندا والنرويج وغيرها…

أما في المغرب فبعد ما يزيد عن أربعة عقود من الحصول على الاستقلال فإن الملاحظ هو ازدواجية لغة التدريس، بذلك المعنى المشار إليه سلفا، بل هيمنة اللغة الفرنسية –خاصة في الشعب العلمية- لا لكونها الأكثر تطورا وتقدما؛ ولكن لكونها لغة الدولة المستعمرة سابقا.

فبسبب حسابات نخبوية ضيقة، طبع المسار التعليمي بالمغرب تردد واضح حول مسألة التعريب؛إذ كلف الأمر أموالا وجهودا دون أن تكون له نتائج إيجابية، بل كانت له انعكاسات سلبية داخل المجال التعليمي وخارجه.

طالع أيضا  التعليم العالي بالمغرب (1975- 2008) -1-

فقد وصل أول فوج معرب إلى الجامعة، خلال الموسم الدراسي (1990 – 1991)، دون أي تعريب للشعب العلمية في التعليم العالي، واستمرت دار لقمان على حالها؛ وبقيت اللغة الفرنسية هي لغة التدريس في المدارس العليا الخاصة، وكليات العلوم، وكليات الطب والصيدلة، وطب الأسنان، ومدارس الهندسة، ومؤسسات تكوين الأطر، والشعب الاقتصادية… وكانت نتيجة هذا الوضع أن عددا كبيرا من التلاميذ الحاصلين على الباكالوريا في العلوم التجريبية أو الرياضية، والمتفوقين في المواد العلمية، التحقوا بكليات الحقوق خوفا من العجز عن مسايرة الدروس العلمية باللغة الفرنسية. لتهدر الكثير من الطاقات العلمية، كما أهدرت “طاقات حقوقية”، بسبب الاكتظاظ، الذي لا يساعد على التحصيل العلمي بكليات الحقوق! وأولئك الطلبة الذين تجاوزوا هاجس اللغة، وتابعوا تعليمهم العالي في الشعب العلمية، كان نصيب الكثير منهم التكرار أو الطرد المبكر من الجامعة! بسبب ضعف استيعاب الدروس باللغة الفرنسية.

وكانت النتيجة أيضا التعب المتواصل لأساتذة الشعب العلمية في التعليم العالي؛ بسبب ما يبذلونه من جهد في شرح الدروس، وعند تصحيح الامتحانات.

يضاف إلى كل هذا أن عددا من خريجي التعليم العالي أصبحوا لا يتقنون التواصل بأية لغة سليمة، سواء العربية أو الفرنسية، إذ لا يجيدون سوى لغة “هجينة” تجمع بين كلمات من الفرنسية والعربية والعامية!! 8 .

إن التساؤل المشروع الذي ورد على لسان الكثير من الباحثين هو لماذا الإصرار على التدريس باللغة الفرنسية، مع أنها أصبحت لغة متخلفة علميا!؟


[1] عمران (عبد الرحيم) الجامعة المغربية ورهانات الديمقراطية، الطبعة الأولى فاس، 1999، ص 32.\
[2] العمراني (حسين)، إدارة التعليم العالي والبحث العلمي بالمغرب. ج 1 الطبعة الأولى، 1999 ص 228.\
[3] نفس المرجع السابق ص 237.\
[4] حسب هذا المعيار يتم إعطاء المنحة لكل من لا يتجاوز مدخول ولي أمره سقفا معينا بارتباط مع عدد الأبناء.\
[5] حسب هذا المعيار تحدد حصص لكل إقليم، وبالتالي قد يكون هناك من يستحق المنحة حسب المعيار المادي لكن الحصة المخصصة للإقليم لا تسمح بذلك. كما يمكن أن يستفيد من هو أحسن دخلا بإقليم معين، دون أن يستفيد من هو أقل دخلا بإقليم آخر.\
[6] محسن (مصطفى) الخطاب الإصلاحي التربوي، الطبعة الأولى، المركز الثقافي العربي 1999.\
[7] اسعيدي (ابراهيم)، مشكل التعليم بالمغرب ومبادئ في الإصلاح، الطبعة الأولى، الرباط 1995 ص 53.\
[8] بحثنا للإجازة في شعبة الإدارة الداخلية حول: تعريب التعليم بين التصور والواقع. إشراف الدكتور حسن أبو عبد المجيد.\