الباب الثاني: تسعينات القرن الماضي: الأزمة العامة والإصلاح المفقود

إن تتبعنا لتطبيق ظهير 25 فبراير 1975 في الباب الأول لا يغنينا عن التعرف عن وضعية التعليم العالي خلال عقد التسعينات، وذلك لأننا تقيدنا عند متابعة تطبيق الظهير، بما ركز عليه هذا الأخير؛ أي الجانب التنظيمي والمالي، دون التطرق بشيء من التفصيل إلى الأزمة في جوانب أخرى، ثم إن للزمن أثره الواضح في استفحال أزمة التعليم العالي.

مع بداية عقد التسعينات يكون قد مضى على “الإصلاح الجامعي” لسنة 1975 خمس عشرة سنة، دون أن يخضع لمحاولة تجديد حقيقية، يكون من شأنها تفعيل مضامينه نحو لامركزية جامعية شكلا ومضمونا، والحد من إعاقته على مختلف المستويات.

مما جعل هذا العقد الأخير من الألفية الثانية يتميز بخطاب يصف الحالة التي آل إليها التعليم العالي بالأزمة الخطيرة. وكان خطابا عاما، يشترك فيه المسؤول مع المعارض، والأستاذ مع الطالب، والموظف مع رجل الأعمال، والسياسي مع الأكاديمي.. لكن هذا الإجماع حول وصف الأزمة، لم يصاحبه إجماع حول إدراك تفاصيلها والوعي بأسبابها، كما لم يصاحبه إجماع حول مقاربة العلاج وطرق التجاوز، فكانت النتيجة أن تعددت مشاريع الإصلاح بتعدد مقاربات رصد الأزمة؛ لكن دون أن يظهر الإصلاح المأمول إلى الوجود.

من هذا المنطلق سنقسم هذا الباب إلى فصلين، الفصل الأول حول مظاهر أزمة التعليم العالي، والفصل الثاني حول مشاريع الإصلاح.

الفصل الأول: مظاهر الأزمة

إن فحصنا لهذه الأزمة يمكننا من افتراض الإجابات التي ينبغي أن يتضمنها إصلاح التعليم العالي، لكن قبل الوقوف على مظاهرها نحدد بداية مفهومها في مجموع العوائق والمشكلات والعراقيل التي يعاني منها التعليم العالي، فهي أزمة شاملة ومتعددة العناصر والأبعاد، ولها امتداد مجالي وزمني؛ فمن حيث المجال تشكل جزءا من وضع تعليمي عام مأزوم، هذا الوضع التعليمي بدوره يشكل جزءا من وضع اجتماعي مأزوم أعم وأشمل. ومن حيث الزمن تعتبر أزمة التعليم العالي، أزمة انطلاقة، وأزمة اشتغال وسيرورة، وأزمة مآل. فهي بكل تأكيد ليست وليدة اليوم، إذ أن جذورها تكمن في تلك الخلفيات التي حكمت ظهير 25 فبراير 1975، بل تكمن في أبعد من ذلك، في مخلفات الإرث “الكولونيالي” الذي خلفه الاستعمار.

طالع أيضا  دخول جامعي "ملتهب".. جائحة كورونا تعيد نقاش "التعليم العالي" إلى الواجهة (تقرير)

مظاهر متعددة ومتداخلة لهذه الأزمة، كان لها دون شك عواقب على المنظومة المجتمعية، سواء على المستوى التربوي أو الثقافي أو الاقتصادي أو الاجتماعي أو السياسي.

ورغم وعينا بتداخل وتفاعل عناصر أزمة التعليم العالي، فقد اصطنعنا لعرضها تقسيما ثلاثيا، توخينا من خلاله المزيد من الاختزال والتوضيح، إذ سنعرض لتجليات هذه الأزمة الشاملة على مستوى ثلاثة أبعاد: البعد البنيوي – التنظيمي (المبحث الأول)، البعد الديناميكي – الداخلي (المبحث الثاني)، البعد الاندماجي – التفاعلي (المبحث الثالث).

المبحث الأول: الأزمة في بعدها البنيوي – التنظيمي

عرف تطبيق ظهير 25 فبراير 1975 مجموعة من الاختلالات البنيوية والتنظيمية، أصبح لها بروز في السنوات الأخيرة. فمنها ما ارتبط بمؤسسات التعليم العالي العام، ومنها ما ارتبط بمنظومة التعليم العالي بصفة عامة.

المطلب الأول: تقادم البنيات والهياكل التنظيمية

نقصد بالبنيات والهياكل التنظيمية 1 كافة المجالس والهيئات التي أحدثها ظهير 25 فبراير 1975. وإذا كنا قد سجلنا بعض الملاحظات حول هذه البنيات والهياكل في الفصل الثاني من الباب الأول، فإننا هنا نؤكد على أنها أصبحت تعيش وضعا من الفوضى والتشتت، إذ أصبحت أشكال ممارستها وأشغالها خالية من كل تخطيط وتنسيق 2 ، وعوامل ذلك تتعدد لعل من أهمها: تكريس أسلوب المركزية في التعامل مع الشأن الجامعي من جهة أولى، وغياب التعامل الرشيد مع الموارد المختلفة، سواء كانت بشرية أو مادية من جهة ثانية. الأمر الذي أصبح يفرض إعادة هيكلة تلك الأجهزة والبنيات بهدف عصرنتها وتفعيلها، وتوضيح صلاحيتها، وتوحيد نماذجها.

المطلب الثاني: المفارقة بين تعليم نخبوي وتعليم جماهيري

حسب إحصاءات الموسم الدراسي (1999 – 2000) فإن:

– العدد الإجمالي لطلبة التعليم العالي: 295100 طالب، يوزعون على الشكل الآتي:

* 85% منهم بالتعليم الجامعي؛

* 15% منهم بمؤسسات تكوين الأطر ومؤسسات التكوين البيداغوجي ومؤسسات التكوين المهني بالإضافة إلى مؤسسات التعليم العالي الخاص.

طالع أيضا  التعليم العالي بالمغرب (1975-2008) -27-

– عدد مؤسسات التعليم العالي 257 مؤسسة، تتوزع على الشكل الآتي:

* 73 مؤسسة عمومية للتعليم العالي الجامعي؛

* 92 مؤسسة غير تابعة للجامعة؛

* 92 مؤسسة للتعليم العالي الخاص.

– نسبة التأطير تعرف تفاوتا صارخا:

* أستاذ لكل 7 طلبة في بعض مؤسسات تكوين الأطر؛

* أستاذ لكل 112 طالب في كليات الحقوق، بل بلغت أستاذا لكل 200 طالب كما هو الحال بكلية الحقوق مكناس. 3

ويذهب الأستاذ عبد القادر حسني أن ميزانية مدرسة واحدة لتكوين الأطر تتعدى بكثير ميزانية جامعة تضم 6 أو 8 مؤسسات! 4

إن المعطيات أعلاه تبين أن هناك بونا شاسعا بين تعليم نخبوي وتعليم جامعي عام. فالأول حظي باهتمام علمي ومالي لتخريج ثلة من المحظوظين، تكون فرصها في شغل مناسب أحسن وأفضل، والثاني يعاني عجزا واضحا في التجهيز وبنيات الاستقبال والتأطير البيداغوجي والإداري، ويرمي سنويا بآلاف الطلبة إلى رصيف البطالة القاتلة.

إن هذا البون الشاسع بين نوعين من التعليم العالي هو الذي جعل النقابة الوطنية للتعليم العالي تدعو في مؤتمراتها باستمرار إلى توحيد التعليم العالي.

المطلب الثالث: تنامي غير مراقب وغير منظم للتعليم العالي الخاص

نتيجة لسياسة التقويم الهيكلي، عرف التعليم العالي الخاص تناميا واضحا 5 ففي سنة 1985 صدر قانون يخول لوزارة التعليم العالي منح تصريحات لإنشاء معاهد خاصة للتعليم العالي. كما خضع هذا النوع من التعليم العالي لتطور كمي يرتبط بعدد مؤسساته وعدد أطره الإدارية والتعليمية وعدد طلبته. وبعد أن كان في البداية ملجأ لمن تلفظهم الجامعة أصبح في أواخر عقد تسعينات القرن الماضي يشكل اختيارا أساسيا لبعض الأسر، بسبب ما يوفره من إمكانية للالتحاق بسوق الشغل، وذلك نظرا لمرونة برامجه وملاءمتها لحاجات السوق.

إلا أن التعليم العالي الخاص رغم جدته وحداثته لم يسلم هو الآخر من بعض المعوقات، التي أصبحت تجلياتها تتزايد خلال السنوات الأخيرة، ويمكن أن نجمل أهمها فيما يلي:

طالع أيضا  التعليم العالي بالمغرب (1975-2008) -11-

أ- طغيان الهاجس التجاري على بعض مؤسسات التعليم العالي الخاص، مع عدم خضوعها في أغلب الأحيان لمعايير تنظيمية أو بيداغوجية؛

ب- هذا النوع من التعليم العالي هو الآخر لم يسلم من النخبوية، فرغم ما قيل عن تطوره فإنه لم يشكل خلال العقد الأخير من الألفية الثانية سوى 4% من التعليم العالي؛ وذلك نظرا لضعف القدرة الشرائية للمواطنين، التي لا تؤهلهم لتسجيل أبنائهم في مؤسسات خاصة، قد تطلب أحيانا ما قيمته 45 ألف درهم سنويا!

ت- التمركز الشديد لمؤسسات التعليم العالي الخاص بمدينتي البيضاء والرباط؛

ث- عدم الاعتراف الإداري والأكاديمي بشهادات التعليم العالي الخاص من قبل الدولة، وذلك –في رأينا- راجع إلى التخوف من انضمام خريجي هذا النوع من التعليم العالي إلى طابور المطالبين بحقهم في الشغل بمناصب الدولة؛

ج- تجربة خمس عشرة سنة للتعليم العالي الخاص أظهرت عدم قدرته على التنوع، فـ80% من تخصصاته تهتم بإدارة الأعمال والتدبير، في حين تجد أن تخصصات أخرى من مثل البيولوجيا، البيوكيمياء، الصناعة الغذائية… لا تعرف إلا نسبة ضئيلة جدا، ومن أسباب ذلك محاولة مسايرة سوق الشغل.

إن هذه المعوقات وغيرها تجعل مسألة تنظيم التعليم العالي الخاص، وربطه بسياسة عامة للتعليم العالي من أولى الأولويات، خاصة إذا علمنا أن الإقبال على هذا النوع من التعليم العالي أصبح يعرف تراجعا، وأن خريجيه هم الآخرون أصبحوا يتعرضون في السنوات الأخيرة من عقد تسعينات القرن الماضي للبطالة.


[1] تحدثنا في هذا المطلب باختزال شديد لتفادي التكرار.\
[2] فالتعليم العالي غير الجامعي مثلا يتوزع احتضانه بين 18 وزارة، مما يجعل التنسيق لخدمة أهداف موحدة أمرا صعبا.\
[3] برغوت (عبد الفتاح) الخياطي (الهاشمي)، مقال بجريدة العلم بتاريخ 20 فبراير 2001.\
[4] قيدوم كلية الحقوق بجامعة المولى إسماعيل بمكناس، في حوار أجرته معه جريدة العلم بتاريخ 22 فبراير 2001.\
[5] ملف خاص عن التعليم العالي الخاص، جريدة الصحراء، الاثنين 5 يوليوز 1999.\